ملامـح اقتصـاد جديــد لنحـو 400 مليــار دولار نـاتج خــام
المشاريع الكـــبرى تفتـح مرحلــة جديــدة مـــن النمـــو والتنويــع
تدخل الجزائر مرحلة جديدة في المسار الاقتصادي، الذي رسمه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، منذ سبع سنوات، عنوانها توسيع قاعدة الإنتاج وتنويع مصادر النمو وتحويل الموارد الوطنية إلى قيمة مضافة، في ظل سلسلة من الإصلاحات والمشاريع المهيكلة التي باشرتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، والتي بدأت تعزّز مكانة القطاعات المنتجة وتدعم حضور الاقتصاد الوطني في الأسواق الخارجية.
تأتي هذه الديناميكية مدعومة بأحدث تقييم لصندوق النقد الدولي، الذي أشاد بمتانة الاقتصاد الوطني والجهود الرامية إلى تنويعه، مؤكّدا أنّ الآفاق الاقتصادية على المدى القريب «إيجابية بوجه عام».
سجّل الصندوق، عقب اختتام مشاوراته مع الجزائر في إطار المادة الرابعة في 11 سبتمبر الجاري، نموا اقتصاديا قدره 3.9 بالمائة خلال 2025، مقابل 3.7 بالمائة سنة 2024، مدعوما باستراتيجية ترتكز على الاستثمار العمومي.
كما سجّل الاقتصاد خارج المحروقات نموا بنسبة 4.3 بالمائة خلال 2025، مع توقّع بلوغه 4 بالمائة سنة 2026، في مؤشّر يعكس اتّساع قاعدة النشاط الاقتصادي وتقدّم مسار التنويع.
ويتوقّع صندوق النقد الدولي أن يسجّل الاقتصاد الوطني نموا بنسبة 3.8 بالمائة خلال 2026، مؤكّدا أنّ النمو «من المرتقب أن يبقى قويا، فيما أشار إلى أنّ ارتفاع أسعار المحروقات يمكن أن يدعم الصادرات والإيرادات الميزانياتية، ويوفّر فرصة لإعادة بناء الهوامش المالية.
400 مليــــــــار دولار.. محطــــــــــة اقتصاديـــــــة
تتزامن هذه المؤشّرات مع الهدف الذي حدّده رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، والمتمثل في بلوغ الناتج الداخلي الخام أكثر من 400 مليار دولار مع نهاية 2027، في أفق يرتبط بتحولات واسعة تشمل الصناعة والمناجم والفلاحة والاستثمار والرقمنة والمؤسّسات الناشئة.
وبذلك ستكون سنة 2027 حاسمة بالنسبة للجزائر، بعد إتمام الرقمنة وجني ثمار تطوير الاقتصاد الوطني والمؤسّسات الناشئة، وفق تأكيدات رئيس الجمهورية، حين قال سابقا: «إنّ الجزائر ماضية في مشروعها الوطني الذي يرمي للتحوّل إلى دولة ناشئة»، وأنّ «تجسيد هذا الهدف يتطلّب وفق الرئيس تحقيق جملة من الشروط من بينها إعادة النظر في احتياجاتنا وإنجاز مشاريع مهيكلة كبرى، على غرار منجم غارا جبيلات، واد أميزور ومشروع الفوسفات المدمج».
وكان صندوق النقد الدولي قد توقّع في ماي 2026 أن يبلغ الناتج الداخلي الخام للجزائر حوالي 317.17 مليار دولار خلال السنة الجارية.
وتعكس هذه التقديرات، إلى جانب المؤشّرات الجديدة للصندوق، استمرار المنحى التصاعدي للنشاط الاقتصادي، في وقت تعمل فيه الجزائر على توسيع مساهمة القطاعات المنتجة خارج المحروقات.
نمـــو خـــــارج المحروقــــات
تظهر المؤشّرات الاقتصادية اتّساع النشاط خارج قطاع المحروقات، حيث سجّل الناتج الداخلي الخام نموا بنسبة 3.9 بالمائة خلال الفصل الثاني من 2025، مقابل 3.7 بالمائة خلال الفترة نفسها من 2024، بحسب معطيات المديرية العامة للتقدير والسياسات بوزارة المالية، نقلا عن الديوان الوطني للإحصائيات.
وسجّلت الصناعة نموا بنسبة 6.4 بالمائة، والتجارة 6.7 بالمائة، والفلاحة 4.5 بالمائة، فيما بلغ نمو الكهرباء والغاز 9.7 بالمائة. كما ارتفع الناتج الداخلي الخام خارج المحروقات بنسبة 5.3 بالمائة، مقابل 4.4 بالمائة خلال الفترة نفسها من 2024.
وتؤكّد هذه المؤشّرات تعدد محرّكات النمو الاقتصادي، مع تنامي مساهمة الصناعة والفلاحة والتجارة والطاقة، إلى جانب المشاريع المنجمية والاستثمارات الجديدة.
الصناعــة فــــي قلــــب التحـــول
تحتل الصناعة موقعا مركزيا في الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة، بالنظر إلى دورها في رفع القيمة المضافة وتطوير سلاسل الإنتاج وخلق نشاطات جديدة.وفي هذا الإطار، يتواصل العمل من أجل رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج الداخلي الخام إلى 13 بالمائة في أفق 2027، تنفيذا للهدف الذي حدّده رئيس الجمهورية.
تثمــين الــثروة وبنــــاء القيمــة المضافــــــة
كما يبرز قطاع المناجم كرافعة أساسية للصناعة الوطنية، في مقدمتها مشروع استغلال منجم غارا جبيلات الذي لا يقتصر على استخراج خام الحديد، بل يقوم على بناء سلسلة قيمة تمتد إلى النقل والمعالجة والتحويل وإنتاج الحديد والصلب، مدعوما بخط السكة الحديدية الرابط بين غارا جبيلات وتندوف وبشار الجاري إنجازه في ظرف 30 شهرا، بما يفتح نشاطا واسعا أمام المؤسّسات الوطنية في المناولة والنقل والخدمات. ويتكامل هذا المسار مع مشروع الفوسفات المدمج واستغلال الزنك في واد أميزور، بما يسمح بتثمين الموارد المنجمية محليا وتطوير الصناعات التحويلية ورفع القيمة المضافة وفتح آفاق جديدة للتصدير.
الفلاحـة.. رافــــد أساسي للتنويـــع
تشكّل الفلاحة بدورها رافدا مهما في استراتيجية التنويع الاقتصادي، خصوصا مع توسّع مشاريع الاستصلاح والزراعة في الجنوب.
وقد سجّل القطاع الفلاحي نموا بنسبة 4.5 بالمائة خلال الفصل الثاني من 2025، في وقت تتواصل فيه الجهود الرامية إلى رفع الإنتاج وتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء في عدد من المنتجات.
ولا تتوقّف أهمية النشاط الفلاحي عند توفير المنتجات للسوق الوطنية، بل تمتد إلى الصناعات الغذائية والتخزين والنقل والتسويق، بما يسمح بتشكيل سلاسل قيمة متكاملة ورفع القيمة المضافة. كما تفتح زيادة الإنتاج المجال أمام تصدير الفوائض وتعزيز حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية.
الصـادرات خـــارج المحروقـــات تتوسّـــع
تواصل الجزائر العمل على رفع صادراتها خارج المحروقات، التي تجاوزت 5 مليارات دولار خلال 2025، وقد سجّلت الصادرات خارج المحروقات نموا بنسبة 16 بالمائة خلال الثلاثي الأول من 2026. ويعكس هذا المسار تنامي قدرات الإنتاج الوطني وتوسّع قاعدة المصدّرين، بالتوازي مع توجّه متزايد نحو السوق الإفريقية، مستفيدا من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، إلى جانب تعزيز المبادلات مع دول الجوار وشركاء من أوروبا وآسيا.وتسمح هذه الديناميكية بانتقال المنتوج الجزائري تدريجيا من تلبية حاجات السوق الوطنية إلى إنتاج فائض قابل للتصدير، بما يعزّز مداخيل البلاد من العملة الصعبة.
وتعكس توقّعات صندوق النقد الدولي تحسّنا في مؤشّرات التجارة والمالية بالجزائر، مع ارتفاع الصادرات من 15.8 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في 2025 إلى 19.3 بالمائة في 2026، وفقا لتوقّعات صندوق النقد الدولي من 2023 إلى 2031. مقابل تراجع الواردات من 21.9 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في 2025، إلى 18.5 بالمائة، في 2026 بما يعزّز موقع التجارة الخارجية في دعم النمو.
ويتزامن ذلك مع تراجع العجز الميزانياتي خلال 2025، مدعوما بتحويلات استثنائية من أرباح الشركات العمومية وبنك الجزائر، إلى جانب استمرار تمتع البنوك بالسيولة والربحية وكفاية رأس المال. كما يبرز صندوق النقد أهمية تعزيز الرقابة المصرفية وإدارة الأزمات والسيولة وحوكمة البنوك العمومية، فضلا عن الإشادة بالخروج السريع للجزائر من قائمة «غافي»، بما يعكس تطور المنظومة المالية والرقابية. ويحمل خروج الجزائر من قائمة مجموعة العمل المالي «غافي» دلالة اقتصادية مهمة، لأنه يعزّز الثقة في المنظومة المالية والمصرفية الجزائرية، ويعكس تطور آليات الرقابة والإمتثال للمعايير الدولية. كما يساهم هذا التطور في تحسين بيئة التعاملات المالية مع الخارج، ويدعم صورة الجزائر لدى المؤسّسات المالية والمستثمرين، بما يخدم مسار جذب الاستثمارات وتوسيع المبادلات الاقتصادية والاندماج في النظام المالي الدولي.
الإنتـــاج الوطنـــي يعزّز السيـــادة الاقتصاديــة
بالتوازي مع المشاريع الكبرى، أولت السلطات العليا في البلاد، أهمية متزايدة لدعم الإنتاج الوطني وتشجيع المؤسّسات الجزائرية على توسيع نشاطها، باسم «صنع في الجزائر».وأفرز هذا المسار توسّعا في عدد من الأنشطة وظهور منتجات وطنية في قطاعات الصناعة الغذائية والإلكترونية ومواد البناء وغيرها، إلى جانب دعم المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة والمؤسّسات الناشئة.كما ساهمت إجراءات ترشيد الواردات في توجيه الطلب نحو الإنتاج المحلي وتعزيز قدرات المؤسّسات الوطنية، بما يدعم إنشاء سلاسل إنتاج جديدة ويوفّر فرصا إضافية للاستثمار والتشغيل.وتترافق هذه الديناميكية مع تشجيع الابتكار وربط التكوين باحتياجات سوق العمل، بما يعزّز دور الكفاءات الوطنية والمؤسّسات الناشئة في الاقتصاد الجديد.
الإصلاحـــات تواكــــب التحــوّل
تستند هذه التحولات إلى سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي مسّت مختلف جوانب الاقتصاد، من خلال تحديث الإطار القانوني للاستثمار وتوفير تسهيلات وضمانات للمستثمرين، إلى جانب إنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار. كما شهدت الإدارة توسّعا في الرقمنة وتبسيط الإجراءات، بما يدعم تحسين مناخ الأعمال وتسريع معالجة ملفات المستثمرين وتعزيز الشفافية.
الطاقــة.. دعـــــــم إضافـي لمســار النمـــو
يمثل قطاع المحروقات، بالتوازي مع مسار التنويع، رافعة مهمة للاقتصاد الوطني، خصوصا في ظل الظرف السعري المواتي خلال 2026.وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أنّ ارتفاع أسعار المحروقات من شأنه تحفيز الصادرات والإيرادات الميزانياتية، وإتاحة فرصة لإعادة بناء الهوامش المالية.
وتواصل الجزائر في الوقت نفسه تطوير قطاع الطاقة، من خلال رفع قدرات الإنتاج والتكرير والمعالجة، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وتطوير الطاقات المتجدّدة والهيدروجين منخفض الكربون، بما يفتح مجالات جديدة للاستثمار والقيمة المضافة.





