هندسـة قنــوات مستدامــة لنقــــل مهـــارات التدريـــس والبحـــث والتكنولوجيـا
أوضح الباحث في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، البروفيسور أحمد عبدلي، أنّ المجلس الأعلى للكفاءات العلمية في الخارج يندرج ضمن رؤية استشرافية أشمل، ترمي إلى ترسيخ السيادة المعرفية للجزائر، وبناء منظومة علمية وطنية قادرة على استثمار كل طاقاتها البشرية أينما كانت في كل أصقاع العالم.
كشف البروفيسور أحمد عبدلي في تصريح خصّ به “الشعب”، أنّ القدرة على تعبئة العقول واستقطاب الخبرات باتت أحد أهمّ مؤشرات القوة والنفوذ والسيطرة والتحكم في العلوم والتكنولوجيا في الفضاء الدولي، ومجلس الجالية العلمية الوطنية بالخارج يعدّ موردًا معرفيًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الثروات الطبيعية، مشيرًا إلى أنّ الجزائر أدركت هذه الأهمية فبادرت بتأسيس هذه الهيئة من أجل ضمان رفعة الوطن بين الأمم.
وأفاد عبدلي أنّ استقبال رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لأعضاء المجلس الأعلى للكفاءات العلمية الجزائرية في الخارج، يكتسي دلالة تتجاوز البروتوكول والمجاملة؛ إلى رسالة واضحة بأن الدولة تنتقل بهذه الرؤية من مرحلة القرار إلى مرحلة التنفيذ، وأنّ الكفاءات المهاجرة شريك أصيل في بناء السيادة المعرفية الوطنية، لا مجرد ضيف شرف أو رمز للاعتراف. وأفصح محدّثنا أنّ هذا الاستقبال الرئاسي رفيع المستوى يمنح المجلس ثقلاً معنويًا وعلميًا وتنمويًا، من شأنه تسهيل عمله، ويفتح أمامه الأبواب المؤسساتية.
وأكّد البروفيسور أحمد عبدلي، أنّ قرار رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، القاضي بإنشاء المجلس الأعلى للكفاءات العلمية الجزائرية في الخارج، يعدّ امتدادًا طبيعيًا لمسار إصلاحي شامل انطلق مع الالتزامات الأربعة والخمسين (54) التي أعلن عنها سنة 2019، والتي شكّلت الإطار المرجعي للجزائري، واستلهمت رمزيتها من بيان أول نوفمبر 1954، باعتباره المشروع التاريخي الذي أسس لقيام الدولة الوطنية المستقلة، وتحوّل إلى برنامج عمل يهدف إلى تحقيق الإقلاع الاقتصادي، وترسيخ الحوكمة الحديثة، وتعزيز مكانة العلم والمعرفة في مسار التنمية الوطنية.
مدّ جسور المعرفة والتّأثير بالخارج
وتُشكِّل الخطوة الرئاسية بإنشاء مجلس علمي للكفاءات الجزائرية بالخارج، مثلما أبرز عبدلي، رسالة عميقة مفادها أنّ الجزائر المنتصرة لا تكتفي ببناء جسور التنمية داخل حدودها الجغرافية، بل تعمل أيضًا على مد جسور المعرفة والتأثير مع أبنائها المنتشرين عبر أنحاء العالم، ليكونوا شركاء فاعلين في صناعة مستقبل بلد الشهداء، وتعزيز مكانته في زمن التنافس العلمي والتكنولوجي الحاد.
وأتى الاهتمام الرّئاسي بنخب الخارج كاستجابة علمية ظرفيّة، وتتويج لمسار طويل من التقدير والاحترام الذي دأب عليه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تجاه هذه الثلّة المعرفية عبر استقباله وتكريمه المستمر للعلماء والباحثين الجزائريين في كل المحافل والمناسبات، سواءً داخل الجزائر أو خلال تنقلاته وزيارته التاريخية الخارجية، بحسب قوله.
وبالعودة إلى قرار رئيس الجمهورية، القاضي بإنشاء المجلس الأعلى للكفاءات العلمية المهاجرة، أوضح عبدلي، أنّه يُمثِّل واسطة عقد استراتيجي شامل، لافتا إلى أن الأبعاد والأهداف الأعمق وراء تأسيس هذه الهيئة تتجاوز مجرد نقل المعرفة والتكنولوجيا.
ومن بين هذه الأبعاد، تأسيس لوبي دبلوماسي علمي قوي عبر الاستفادة من شبكة العلاقات المعرفية والاقتصادية والثقافية الواسعة التي تمتلكها هذه النخب في بلدان الإقامة، ممّا يؤسّس لجماعة ضغط علمية وحتى اقتصادية تدافع عن المصالح العليا للجزائر، وتدعم صوتها في المحافل الدولية. بالإضافة إلى تعزيز النفوذ داخل المنظمات الدولية، من خلال استثمار قوّة تأثير هذه الشخصيات الأكاديمية والبحثية داخل الهيئات والمنظمات الكبرى، لتكون صوتا جهوريا يُرافع للقضايا العادلة، ويصون توجّهات سياسات الجزائر الخارجية الاستراتيجية، وفقًا له.
واستنادًا إلى البروفيسور عبدلي، سيسهم هذا المجلس في نقل خبرات التسيير والتكوين الحديثة في الدول المتقدمة، وهندسة قنوات مستدامة لنقل مهارات التدريس، والبحث العلمي، وإدارة المشاريع التكنولوجية عالية الدقة التي اكتسبتها العقول الجزائرية في أعرق الجامعات العالمية، وضخّها في شريان المنظومة العلمية الجامعية والإدارية والاقتصادية الوطنية.


