تراثنا باقٍ ما بقيت الحكاية.. من الحكاية الشعبية والتطريز والدبكة إلى المدن التاريخية والمواقع الأثرية
في السابع من تشرين الأول/أكتوبر من كل عام، يحيي الفلسطينيون يوم التراث الفلسطيني، وهو يوم أقرّه مجلس الوزراء الفلسطيني عام 1999 بناء على توصية وزارة الثقافة، بهدف الحفاظ على الموروث الثقافي وصونه وحمايته، واختير السابع من أكتوبر تحديدا لارتباطه ببداية انتظام الطلبة في مدارسهم، وبموسم قطاف الزيتون بما تحمله شجرة الزيتون من دلالات العطاء والصمود والتجذر في الأرض.
لكن يوم التراث في فلسطين ليس مناسبة احتفالية عابرة، ولا موعدا لاستعراض الأزياء الشعبية والدبكة والأغاني فحسب؛ إنه مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق: كيف نحمي ذاكرة شعب بأكمله من النسيان، وكيف نحول التراث من ذاكرة معرضة للاندثار إلى مشروع وطني مستدام للتوثيق والتعليم والحماية؟
فالتراث الفلسطيني، بشقيه المادي وغير المادي، يمثل أحد أهم مكونات الهوية الثقافية والاجتماعية للشعب الفلسطيني. وهو يشمل المدن والقرى والبيوت القديمة والمقامات والمساجد والكنائس والمواقع الأثرية، كما يشمل الحكاية الشعبية، والأمثال والأغاني والأهازيج، والدبكة، والتطريز، والحرف التقليدية، والأكلات الشعبية، والعادات والتقاليد والمعارف المتوارثة. وتدرج وزارة الثقافة الفلسطينية هذه المكونات ضمن مفهوم التراث الشعبي الفلسطيني الذي تسعى إلى الحفاظ عليه من النسيان والضياع.
التراث الفلسطيني.. ذاكرة تتجاوز الحجر
الخطأ الأكبر هو اختزال التراث في قطعة أثرية أو ثوب مطرز أو مبنى تاريخي، فالتراث، وفق اتفاقية اليونسكو لعام 2003، يشمل الممارسات والتعبيرات والمعارف والمهارات التي تعترف بها الجماعات والأفراد باعتبارها جزءا من تراثهم، وهي تنتقل من جيل إلى آخر، وتتجدد باستمرار في علاقتها بالبيئة والتاريخ، وتمنح المجتمعات شعورا بالهوية والاستمرارية. وتشمل مجالاته التقاليد الشفوية والفنون الأدائية والممارسات الاجتماعية والطقوس والمناسبات والمعارف المتعلقة بالطبيعة والحرف التقليدية.
وهذا التعريف الدولي مهم جدا في الحالة الفلسطينية؛ لأن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده في صورة الماضي، وإنما يعني إبقاءه حيا وقابلا للتناقل والتجدد بين الأجيال.
ومن هنا فإن الجدة التي تتعلم التطريز من جدتها، والشاب الذي يتعلم الدبكة، والحرفي الذي يحافظ على صناعة تقليدية، والباحث الذي يسجل رواية كبار السن، والطالب الذي يتعرف إلى تاريخ مدينته، جميعهم شركاء في حماية التراث.
فلسطين على خريطة التراث العالمي
لم يعد حضور التراث الفلسطيني مقتصرا على الذاكرة المحلية؛ فقد أصبح جزءا موثقا من منظومة التراث العالمي لدى اليونسكو.
وتشير بيانات اليونسكو الحالية إلى إدراج تسعة عناصر من التراث الثقافي غير المادي الفلسطيني على القوائم، من بينها الحكاية الفلسطينية، وفن التطريز، والخط العربي، والنخيل، والدبكة، وفنون النقش على المعادن، والحناء، وصناعة الصابون النابلسي، والكحل العربي. كما توجد ملفات ترشيح جارية لعام 2026، من بينها العود وممارساته وفنونه، وكعك القدس بالسمسم.
التراث الثقافي غير المادي
أما على صعيد التراث الثقافي المادي، فتشير اليونسكو إلى وجود ستة مواقع فلسطينية مدرجة على قائمة التراث العالمي، هي: بيت لحم ومسار الحج، البلدة القديمة في الخليل، المشهد الثقافي في جنوب القدس/بتّير، أريحا القديمة «تل السلطان»، دير القديس هيلاريون/تل أم عامر، وسبسطية التي أدرجت عام 2026.
هذه الأرقام ليست مجرد إنجازات رمزية؛ فهي تؤكد أن التراث الفلسطيني يمتلك مكونات ذات قيمة ثقافية وتاريخية معترف بها على المستوى الدولي.
الحكاية الفلسطينية.. عندما تتحول الذاكرة الشفوية إلى وثيقة
من أبرز عناصر التراث الفلسطيني الحكاية الفلسطينية، التي أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2008.
التراث الثقافي غير المادي
والحكاية الشعبية ليست مجرد قصة تُروى للتسلية؛ فهي تختزن تصورات المجتمع وقيمه ولغته وذاكرته الاجتماعية، وتحمل تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا نجدها في الكتب الرسمية.
وهنا تبرز مسؤولية الباحثين والمؤرخين والصحفيين وأبناء المدن والقرى في تسجيل شهادات كبار السن، وتوثيق أسماء الأماكن والعائلات والمهن والحرف والمناسبات والأمثال والأغاني، مع التمييز العلمي بين الرواية الشفوية التي تحتاج إلى التحقق والمعلومة الموثقة بالمصادر والوثائق.
إن حفظ الذاكرة لا يعني تحويل كل رواية إلى حقيقة تاريخية دون تمحيص؛ بل يعني حفظ الرواية أولا، ثم إخضاعها للتحقيق والمقارنة والمصادر، حتى يتحول التراث الشفوي إلى مادة علمية قابلة للدراسة.
تراث حي لا متحف صامت
أثبت تسجيل التطريز الفلسطيني لدى اليونسكو أن التراث يمكن أن يكون جسرا بين الأجيال.
فالقرار الخاص بالتطريز الفلسطيني أشار إلى انتقال المعرفة والمهارات داخل العائلات من الجدات والأمهات إلى البنات، وإلى استمرار ممارسة التطريز في فلسطين وفي أوساط الشتات. كما أكدت عملية الترشيح أهمية مشاركة المجتمعات المحلية والنساء والمؤسسات في إعداد ملف الترشيح.
التراث الثقافي غير المادي
وهذا النموذج ينبغي أن يتحول إلى منهج عام: المجتمع ليس متلقيا للتراث فقط؛ بل هو شريك في تعريفه وحمايته ونقله.
طولكرم.. الذاكرة المحلية جزء من الذاكرة الفلسطينية
وفي هذا الإطار تكتسب مشاريع توثيق الذاكرة المحلية، ومنها مشروع «ذاكرة طولكرم»، أهمية خاصة؛ فكل مدينة وقرية فلسطينية تختزن طبقات من التاريخ لا يمكن اختزالها في الكتب العامة.
طولكرم، بما تحمله من تاريخ اجتماعي وثقافي وتعليمي واقتصادي، تحتاج إلى مشروع أرشيفي علمي واسع يوثق المدارس والمعلمين والعلماء والأطباء والمهندسين والمحامين والحرفيين والتجار والمزارعين والشخصيات العامة، إضافة إلى المباني التاريخية والمواقع الأثرية والأسواق القديمة والأوقاف والعادات والتقاليد والمهن التي تغير كثير منها أو اختفى.
والشعار الذي يلخص فلسفة هذا العمل:
«نحفظ التاريخ… نوثّق الحكاية… ونصون الهوية»
ليس شعارا أدبيا فقط، بل يمكن أن يتحول إلى برنامج عمل يبدأ بجمع الوثائق والصور، ثم تصنيفها ورقمنتها، وتسجيل الروايات الشفوية، ومراجعتها، وربطها بالمصادر الرسمية والأرشيفية.
التراث في زمن الحرب.. حماية الذاكرة تصبح ضرورة مضاعفة
تزداد مسؤولية حماية التراث في ظل الحروب والنزاعات المسلحة، لأن الخطر لا يطال الأرواح والممتلكات فحسب، وإنما يمكن أن يمتد إلى الذاكرة الثقافية نفسها.
وقد وثقت اليونسكو وجود أضرار واسعة لحقت بالمشهد الثقافي والتراثي في غزة خلال الحرب، بما شمل مؤسسات ثقافية ومتاحف ومكتبات ومبانٍ تاريخية ومواقع دينية ومقتنيات تراثية، مع الإشارة إلى صعوبة الوصول إلى حصيلة شاملة ودقيقة للخسائر.
ومن الناحية الدولية، توفر منظومة حماية التراث في النزاعات المسلحة أطرا قانونية مهمة، أبرزها اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، إضافة إلى بروتوكولها المتعلق بمنع تصدير الممتلكات الثقافية من الأراضي المحتلة أثناء النزاع المسلح.
وهذا يجعل حماية التراث الفلسطيني مسؤولية وطنية ودولية في آن واحد، وليس مجرد شأن ثقافي داخلي.
من الاحتفال إلى الاستراتيجية الوطنية
إن إحياء يوم التراث الفلسطيني ينبغي ألا يتوقف عند تنظيم فعالية ليوم واحد.
المطلوب هو استراتيجية وطنية متكاملة للتراث تقوم على خمسة مسارات متوازية:
أولا: التوثيق.
إنشاء أرشيف وطني رقمي للتراث، يجمع الوثائق والصور والمخطوطات والروايات الشفوية والتسجيلات الصوتية والمرئية.
ثانيا: التعليم.
إدماج التراث المحلي في المناهج والأنشطة المدرسية والجامعية، بحيث يتعرف الطالب إلى تاريخ مدينته وقريته وموروثه قبل أن يصبح هذا التاريخ مجرد ذكرى بعيدة.
ثالثا: حماية المواقع.
تحديث سجلات المواقع الأثرية والمباني التاريخية، وتحديد أولويات الترميم والصيانة، وربط حماية التراث بالتخطيط العمراني والسياحة الثقافية.
رابعا: دعم الحرفيين.
فالتراث الذي لا يوفر للحرفي قدرة على الاستمرار معرض للانقراض. ولذلك فإن دعم الصناعات والحرف التراثية يجب أن يكون جزءا من الاقتصاد الثقافي والسياحة، وليس مجرد نشاط موسمي.
خامسا: إشراك المجتمع.
وتؤكد اتفاقية اليونسكو لعام 2003 أهمية المشاركة الواسعة للمجتمعات والجماعات والأفراد الذين ينتجون التراث ويحافظون عليه وينقلونه. كما تدعو إلى إعداد قوائم وطنية وتحديثها، وإنشاء مؤسسات للتوثيق، وإدماج الشباب في برامج التعليم والتوعية.
المطلوب فلسطينيا.. سجل وطني للذاكرة
ربما تكون الخطوة الأكثر إلحاحا هي إنشاء سجل وطني رقمي شامل للتراث الفلسطيني، لا يقتصر على المواقع المدرجة دوليا.
سجل يضم كل قرية ومدينة وموقع ومبنى وحرفة ومهنة وأكلة ولباس وأغنية وحكاية ومثل شعبي وشخصية علمية وثقافية، مع تحديد مصدر كل معلومة ودرجة توثيقها.
وهنا يمكن للجامعات الفلسطينية والبلديات والمجالس القروية والمؤسسات الثقافية والباحثين والصحفيين والمؤرخين أن يعملوا ضمن شبكة وطنية واحدة.
كما ينبغي وضع معايير واضحة للتوثيق، لأن حماية التراث لا تنجح إذا تحولت إلى روايات متناقضة غير قابلة للتحقق. الذاكرة تحتاج إلى الأمانة العلمية بقدر حاجتها إلى الانتماء الوطني.
التراث مشروع للمستقبل
تؤكد اليونسكو أن صون التراث غير المادي لا يعني تجميده في شكل ثابت، بل ضمان استمرار ممارسته ونقل المعرفة والمهارات والمعاني إلى الأجيال المقبلة.
التراث الثقافي غير المادي
وهذه الفكرة تحمل دلالة فلسطينية عميقة.
فالفلسطيني لا يحافظ على تراثه لأنه يعيش في الماضي، بل لأنه يريد أن يدخل المستقبل وهو يعرف من أين جاء.
البيت القديم ليس حجارة فقط، والزي الشعبي ليس قماشا فقط، والحكاية ليست كلمات، والدبكة ليست مجرد حركة جماعية، والزيتونة ليست شجرة فحسب.
كل ذلك يمثل ذاكرة مجتمع، واستمرارية شعب، وهوية ثقافية.
وفي يوم التراث الفلسطيني، تصبح الرسالة واضحة:
لا يكفي أن نقول إن لنا تراثا؛ علينا أن نوثقه ونحميه وندرّسه وننقله ونمنحه حياة جديدة.
فالشعوب لا تحفظ أوطانها بالحدود الجغرافية وحدها، وإنما تحفظها أيضا بالذاكرة واللغة والثقافة والتاريخ.
ولهذا فإن «ذاكرة فلسطين» ليست أرشيفا للماضي، بل جزء من بناء المستقبل.
وفي السابع من تشرين الأول، يبقى المعنى الأعمق للشعار الذي تختصره الصورة:
تراثنا باقٍ ما بقيت الحكاية
نحفظ التاريخ.. نوثّق الحكاية.. ونصون الهوية
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة






