احتفت الجمعية الثقافية الجاحظية، بالتجربة الروائية للكاتب الجزائري المقيم بكندا، البروفيسور أحمد منور الذي قدم خلال أمسية أدبية روايته الجديدة «وحدها الجبال لا تلتقي»، مستعرضا مسار أحداثها الممتد بين جزر القمر وباريس والجزائر، وما تتيحه هذه الفضاءات من تقاطعات بين تجربة الهجرة وأسئلة الانتماء والذاكرة.
شكل اللقاء الذي احتضنه مقر الجمعية ونشطه البروفيسور أحسن تليلاني، فرصة للتعرف على ملامح من التجربة الأدبية لمنور الذي يجمع في مساره بين الكتابة الروائية والقصة والدراسة النقدية والمسرح والترجمة، إلى جانب اشتغاله أستاذا للتعليم العالي بجامعة الجزائر، قبل تقاعده سنة 2013، وإقامته في مقاطعة كيبيك الكندية منذ سنة 2012.
وفي تقديمه للضيف، استعرض أحسن تليلاني جوانب من مسيرته العلمية والإبداعية، مشيرا إلى تنوع إنتاجه الذي يضم نحو 22 مؤلفا في أجناس أدبية ومجالات معرفية مختلفة، فضلا عن اهتمامه بالكتابة للفتيان والترجمة. كما توقف عند روايته «كما عرفتهما»، التي تتناول سيرة العلامة عبد الحميد بن باديس، والصادرة سنة 2019 في نحو 576 صفحة، بما تعكسه من اهتمام بالتاريخ والشخصيات الجزائرية.وفي حديثه عن روايته الجديدة، أوضح منور أن أحداثها تتوزع على ثلاثة فضاءات جغرافية هي جزر القمر وباريس والجزائر، مستثمرا معرفته بهذه الأمكنة وتجربته في الإقامة ببعضها. ويجري جزء من الأحداث في جزر القمر، حيث عاش الكاتب مدة عامين، فيما ينتقل جزء آخر إلى باريس التي أقام فيها أكثر من ثلاث سنوات، قبل أن تعود الأحداث إلى الجزائر، وتحديدا إلى مناطق بولاية جيجل التي تربطه بها معرفة وثيقة.
وتتبع الرواية مسار شخصية أستاذ يعيش في جزر القمر في إطار مهمة مهنية، قبل أن تقوده التحولات السياسية التي يشهدها البلد إلى مغادرته، لتتواصل الأحداث في باريس، حيث تتشابك تجربة الابن مع البحث عن جذوره العائلية ووطنه الأصلي. ومن خلال هذا المسار، تتقاطع الأمكنة في بناء الحكاية، مستفيدة من تجربة الكاتب في مجتمعات مختلفة ومن معرفته بتفاصيلها الاجتماعية والثقافية.
واستحضر منور، في كلمة افتتاحية بمناسبة اليوم الوطني للهجرة، دلالات الهجرة الجزائرية ودورها في الكفاح من أجل تحرير الوطن، مستذكرا ضحايا مظاهرات 17 أكتوبر 1961 بباريس، وما تعرض له المتظاهرون الجزائريون من قمع استعماري، أفضى إلى إلقاء عدد منهم في نهر السين. كما دعا إلى تخصيص لقاءات بحثية وتاريخية وأدبية تتناول موضوع الهجرة، بما يسمح بالتعمق في أبعادها التاريخية والإنسانية.
وعرفت الأمسية نقاشا أدبيا تناول، من خلال أسئلة تيلالاني، أبجديات الكتابة لدى أحمد منور وخصوصية أسلوبه وجمالية اللغة في أعماله، إلى جانب تعقيبات لأساتذة وباحثين وأدباء استعادوا محطات جمعتهم بالكاتب، وطرحوا رؤاهم بشأن واقع الإبداع الأدبي وما ينتظره من آفاق. وأكدت المداخلات أهمية تجاوز الاكتفاء بالتأثر بالتجارب الأدبية الغربية، والانطلاق من الإمكانات التي يزخر بها المشهد الثقافي الجزائري لبناء رؤية إبداعية وفلسفية تعكس خصوصية المجتمع وأسئلته. وبهذا، تحولت الأمسية إلى مساحة للحوار حول تجربة كاتب يواصل الكتابة من المهجر، ويستعيد في أعماله صلات الإنسان بالمكان والهوية والوطن.
للإشارة، ألقى رئيس الجاحظية، عبد الحميد سحراوي، كلمة مقتضبة ثمّن فيها مسيرة الكاتب أحمد منور وإسهاماته الأدبية، مستحضرا في سياق اللقاء دلالات اليوم الوطني للهجرة، وما يحمله من رمزية في الذاكرة الوطنية.



