نظمت “الشعب” بالتعاون مع النقابة الوطنية لناشري الكتب، ندوة فكرية بعنوان “الذكاء الاصطناعي.. سؤال المجتمع الخامس”، ضمن الفعاليات المصاحبة للطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، نشطها الأستاذ يزيد أقدال والدكتور عبد القادر دحدوح، وأدارها الأستاذ بدر مناني.
وعرفت الندوة تفاعلا من الحضور، من خلال تدخلات عدد من الأساتذة والمهتمين الذين طرحوا تساؤلات وانشغالات حول انعكاسات الذكاء الاصطناعي على المجتمع، ومستقبل الكتابة والإبداع والنشر، إلى جانب التحديات المرتبطة بأخلاقيات الاستخدام وحماية الهوية والخصوصية. كما انصبت النقاشات على سبل مواكبة التحولات الرقمية والاستفادة من إمكاناتها، دون التفريط في دور الإنسان ومكانته في إنتاج المعرفة وصون القيم الثقافية.
الذكاء الاصطناعي في خدمة المعرفة.. الرهان
في مداخلته، توقف الأستاذ يزيد أقدال عند جملة من التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والجيل الخامس، مشيرا إلى أن التحولات التكنولوجية المتسارعة لم تعد تقتصر على تطوير وسائل الاتصال وتسهيل الوصول إلى المعلومات، بعد أن امتدت آثارها إلى سوق العمل وطبيعة الوظائف، وأصبحت الآلة قادرة على أداء عدد من المهام التي كان الإنسان يتولاها، وهو ما يفرض التفكير في مستقبل المهن ومدى قدرة المجتمعات على التكيف مع هذه التحولات.
وأكد أقدال أن الرهان لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو الابتعاد عنها، وإنما في حسن توظيفها لبناء مجتمع المعرفة، دون فقدان السيطرة على أدواتها أو التنازل عن القيم الإنسانية التي ينبغي أن تظل حاضرة في مختلف مجالات الاستخدام.
واعتبر أقدال أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي يستدعي وعيا بطبيعته وحدوده، خاصة أن ما يبدو اليوم من إمكانات واسعة لا يلغي وجود إشكالات تتعلق بدقة المعلومات ومصداقية المخرجات.
وفي السياق، أوضح أقدال أن أدوات الذكاء الاصطناعي تعتمد على التعلم الآلي والتدرب على كميات هائلة من البيانات، مذكرا بأن هذه التكنولوجيا ليست وليدة السنوات الأخيرة، ذلك أن جذورها تعود إلى عقود سابقة، غير أن الجديد يتمثل في إتاحتها على نطاق واسع أمام الجمهور، من خلال تطبيقات وأدوات أصبحت متاحة للجميع، على غرار “ChatGPT” و«Gemini” و«Claude”.
هلوسة الذكاء الاصطناعي
ولفت أقدال إلى أن الإجابات التي تقدمها هذه الأدوات قد تختلف باختلاف المستخدم والسياق الجغرافي والثقافي، كما أنها ليست معصومة من الخطأ، إذ قد تقدم معلومات غير دقيقة فيما يعرف بـ«هلوسة الذكاء الاصطناعي”، الأمر الذي يجعل التحقق من المعطيات ضرورة أساسية، خصوصا عند استخدامها في المجالات التي تتطلب الدقة والمعرفة المتخصصة، كما أشار إلى أن مستوى الموثوقية قد يختلف من مجال إلى آخر، وحتى بين الخدمات المجانية والمدفوعة، داعيا إلى عدم التعامل مع هذه التطبيقات باعتبارها مصادر مطلقة للحقيقة، مع استحضار طبيعتها التجارية وارتباطها بشركات تسعى إلى تحقيق الأرباح.
ومن بين الإشكالات التي طرحها أقدال مسألة التبعية التكنولوجية، محذرا من أن الاعتياد المفرط على استخدام هذه الأدوات في الصحافة والتعليم والطب وغيرها من القطاعات قد يتحول تدريجيا إلى شكل من أشكال الارتهان لها، خاصة إذا أصبحت المؤسسات والأفراد عاجزين عن أداء مهامهم دون الاستعانة بها، وأضاف أن الاعتماد المتزايد على هذه الخدمات قد يطرح مستقبلا إشكالية الكلفة، لاسيما في ظل الاستثمارات الضخمة التي تتطلبها البنية التحتية ومراكز البيانات، وهو ما يفتح النقاش حول الجدوى الاقتصادية لهذه الاستثمارات وإمكانية تحقيقها عوائد تتناسب مع حجم الأموال المرصودة لها.
وتوقف أقدال عند مسألة الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، موضحا أن مشاركة الصور والمحادثات والمعلومات الخاصة مع التطبيقات الرقمية قد تعرضها للاختراق أو الاستغلال، ما يستدعي توعية المستخدمين بحدود ما يمكن مشاركته، وتجنب إدراج المعطيات الحساسة في هذه المنصات. وشدد في هذا الإطار على أهمية التفكير في تطوير أدوات ذكاء اصطناعي محلية، بما يسمح بتعزيز الاستقلالية التكنولوجية والتحكم بصورة أكبر في البيانات.
انعكاسات الذكاء الاصطناعي
وعلى مستوى الإبداع والمهن، حذّر أقدال من أن الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تنميط الإنتاج الصحفي وتكرار الأساليب والمعلومات، بما يؤثر في خصوصية النصوص ويضعف حضور التجربة الإنسانية فيها، كما أثار مسألة الاستعانة بهذه الأدوات في المجال الطبي، متسائلا عن حدود دورها في التشخيص، وعن المكانة التي ينبغي أن يحتفظ بها الطبيب في ظل توسع استخدام التكنولوجيا في هذا المجال.
وتطرق أقدال إلى انعكاسات الذكاء الاصطناعي على الكتاب والنشر، مشيرا إلى أن انتشار بعض الإصدارات ومبيعاتها لا يرتبط بالضرورة بجودتها الأدبية أو المعرفية، إذ قد تستند أحيانا إلى شهرة أصحابها وعلاقاتهم بمتابعيهم على منصات التواصل الاجتماعي. وحذر من أن يؤدي ذلك إلى تمييع مفهوم التأليف وإضعاف معايير النشر، مؤكدا أن إشكالات حقوق الطبع وأخلاقيات النشر كانت مطروحة حتى قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، غير أن الأدوات الجديدة زادت من تعقيدها، خاصة فيما يتعلق بمصدر المحتوى وطبيعة المساهمة البشرية في إنتاجه.
وفي حديثه عن مستقبل الصحافة، أشار إلى أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بالتكيف مع التحولات التي طرأت على طرق تلقي المعلومات، من خلال تقديم محتوى نوعي ومتميز يمنح القارئ قيمة مضافة لا يجدها بسهولة في الفضاء الرقمي المجاني. كما أشار إلى أن الكتاب الرقمي في الجزائر لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بحقوق النشر والقرصنة، فضلا عن الحاجة إلى توفير وسائل دفع إلكتروني سهلة تشجع على اقتناء المحتوى الرقمي بصورة قانونية.
ولم يغفل أقدال تأثير منصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها في توجيه سلوك المستخدمين، موضحا أن هذه المنصات تعتمد على تحليل اهتمامات الأفراد وتفضيلاتهم لاقتراح محتويات تدفعهم إلى البقاء أطول وقت ممكن، باعتبار أن وقت المستخدم وانتباهه يمثلان مجالا للتنافس بين الشركات، خاصة في ما يتعلق بالإعلانات.
واعتبر أن ما يحدث اليوم يمثل معركة على الانتباه، في ظل الساعات الطويلة التي يقضيها الأفراد أمام الشاشات، وما ينجم عنها من تراجع التواصل المباشر، حتى داخل اللقاءات العائلية.
تقييد الفئات العمرية الصغيرة
وفي هذا الإطار، أثار أقدال مسألة استخدام الأطفال للهواتف والمنصات الرقمية في سن مبكرة، مشيرا إلى توجه بعض الدول نحو وضع قيود على استعمالها من طرف الفئات العمرية الصغيرة، إلى جانب منع الهواتف داخل المؤسسات التعليمية. وأكد أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يقتصر على التشريع وحده، بل يستدعي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمنصات الرقمية، مع الانتباه إلى الآثار التي قد تترتب عن الاستخدام المبكر والمفرط، خاصة ما يتعلق بالتركيز والانتباه.
وخلص المتحدث إلى أن مواجهة هذه التحديات لا تكون بالانغلاق أمام التكنولوجيا، بل بنشر الوعي وتوجيه الاستخدام نحو ما يخدم المعرفة والثقافة والإبداع، مع الحفاظ على الخصوصية والهوية والقيم الإنسانية، حتى تظل التقنيات الحديثة وسيلة لتطوير المجتمع لا عاملا في تكريس التبعية أو إضعاف قدراته الإبداعية.





