الإبداع تجربة متعالية عن أتمتة المشاعر الإنسانية
الذّكاء التوليدي يفرض ابتكار أدوات فرز دقيقة لحماية التّجربة الإنسانية
أثار نقاش ندوة جريدة “الشعب” في الصالون الدولي للكتاب حول موضوع “النّصوص المولّدة أدب أم أدب شبيه” جملة من التساؤولات وكشفت عن رؤى متعددة قدمت قراءة تحليلية معمقة في إشكاليات “الأدب الشبيه”، وانتصرت للقيمة الذاتية وللإنسان باعتباره المصدر الأول والأخير للإبداع، ووحده من يؤلف أدبا إنسانيا مفعما بالقيم و ينبض بالمشاعر.
نظّمت جريدة “الشعب” ندوة فكرية بقصد تفكيك واحدة من أكثر الإشكاليات الراهنة في المشهد الثقافي المعاصر، وتتعلق بمسألة “النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي”، وموقعها في المشهد الأدبي، حيث طرحت الندوة سؤالا حول إمكانية اعتبارها أدبا، أم أنها “أدب شبيه”، أي مجرد كلام مرصوف لا يرقى إلى مستوى ما أنتجت العبقرية الإنسانية.
وقد جذبت هذه الندوة التي نشطها الدكتور فيصل الأحمر والدكتورة نجوى منصور، أكاديميين وكتاب وشعراء ومترجمين، عكفوا على طرح تساؤلات وجودية حول ماهية الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي، ولم يكن النقاش المستفيض مجرد ردود فعل انفعالية تجاه التكنولوجيا، لأنه انطلق إلى فضاءات فلسفية ونقدية رصينة، حاولت رسم الحدود الفاصلة بين ما هو إنساني أصيل وما هو توليد آلي، في ظل صعود ما بات يوصف بـ«أدب الآلة”.
كاتب مصطنع ونصوص مزيّفة
جوهر الإشكالية يضع الأدب ذاته في مأزق، باعتبار أن الأدب في تعريفه الكلاسيكي ليس مجرد ترتيب للكلمات، وإنما هو “الكلام الذي يعبر به كل قوم عن أغراضهم” مثلما أكدت الدكتورة منصور، وهو حامل للقيم، ومفعم بالجانب الجمالي، ووعاء للأساليب الفنية التي تنبع من تجربة إنسانية خالصة.
وفي السياق، طرح المشاركون التساؤل الجوهري والحاد، والمتمثل في: ما هي الغاية التي يعبر عنها الذكاء الاصطناعي؟ في ظل وصف النصوص المولدة آليا بأنها مفرغة من القيم، ومن الجانب الجمالي الحقيقي، ومن العمق الذي ينبثق من اللاوعي البشري. ذهبت الناقدة نجوى منصور في تحليلها إلى توصيف هذه المخرجات بـ “الأدب الشبيه” أو “الأدب الدخيل” و«الهجين”، ووصفت النصوص المولدة بأنها “النصوص المزيفة” أو “نصوص ما بعد الذكاء الاصطناعي”. وترى أن الكاتب الذي يلجأ إلى هذه الأدوات ويعتمد عليها يتحول بفعل ذلك إلى “كاتب مصطنع”، تمر نصوصه عبر عمليات “تجميل لغوية” افتراضية تفقدها روحها وجوهرها، مما ينذر بأزمة حقيقية في أصالة النص الأدبي.
نصـــــوص بلا نبـــض
ومن زاوية فلسفية أعمق، قاربت الندوة الفارق الجذري بين فعل “الصنع” وفعل “الإبداع”، مستحضرة في ذلك رؤية المفكر تشانغ الذي أضاء على الطبيعة الجوهرية للكتابة الإنسانية. وحسب هذا الطرح، فإن الذكاء الاصطناعي يظل حبيس دائرة “المحاكاة” للكتابة الإنسانية، ولكنه يعجز عن “إبداعها”؛ لأن الآلة تصنع وتركب، لكنها لا تبدع من العدم الوجداني.
ويكمن الفارق الأهم في العلاقة بين الفكرة والإنجاز؛ أن الجميع يملك أفكارا، إلا أن الكاتب الحقيقي هو من يكبد نفسه عناء تحويل الفكرة إلى “إنجاز” أدبي عبر المعاناة الوجدانية والتجريب الحي.
واتّفق المتدخلون بالندوة على أن الآلة بطبيعتها “لا تتخيل”، بل هي مجرد أداة لـ “تراكم” البيانات والمعارف ومعالجتها إحصائيا، وهي قادرة على محاكاة مظاهر الحزن والفرح في النصوص، لكنها تظل عاجزة تماما عن معايشتهما أو الشعور بهما بشكل إنساني حقيقي، مما يجعل نصوصها تفتقر إلى “النبض” الحي الذي يميز الأدب الأصيل.
على صعيد الإشكاليات الأخلاقية والمهنية، انتقل النقاش إلى ما هو أخطر من الجانب الجمالي، ليتمحور حول “أزمة المؤلف” وهوية الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد طرح الحضور تساؤلا أخلاقيا بالغ الحساسية حول مصطلح “المؤلف” ذاته، خصوصا مع بعض الطروحات الغربية التي تتجه نحو التعامل مع “مؤلف مجهول” أو ذي طبيعة هجينة.
وبرهن المتدخلون على أن الاعتماد على الآلة في توليد النصوص يهدد مبدأ “الأمانة العلمية” والأدبية في صميمه. وهنا برز البعد الإنساني والجرأة الإبداعية كحاجز أخلاقي أخير، و تساءل المشاركون وعلى رأسهم الدكتورة نجوى منصور.. هل يمتلك أي كاتب في الوقت الراهن الشجاعة الكافية للإقرار علنا بأن واجهة كتابه تحمل نصا مولدا بالذكاء الاصطناعي، أو أن الآلة كانت شريكا أساسياً في إنجازه؟ وكان اتفاق ضمني بين المحاضرين والحضور هو غياب هذه الجرأة، ما يعني أن هذه النصوص تظل حبيسة الأدراج الرقمية أو تنسب زورا وبهتانا إلى مؤلفين بشر، وهو ما يطرح إشكالية “الاعتراف الاجتماعي والثقافي”.. فهل سيحظى هذا الإنتاج بالاعتراف باعتباره عملا ينتمي حقا إلى مؤلفه البشري؟ أم أنه سيبقى عملا هجينا منزوع النسب الحقيقي، يفتقر إلى الشرعية الأدبية والاجتماعية؟
الأدب في خطر..
وفي خضم السجال الفكري، تباينت المواقف النقدية وتدرجت بين اتجاهين رئيسيين يعكسان تنوع الرؤى داخل الندوة، فقد مثّل الدكتور فيصل الأحمر تيارا يتعامل مع الظاهرة بروح مرنة، تستكشف آفاق الأدب الجديد وتطوراته، وتنظر إلى إمكانية وجود “شراكة” أو تفاعل بين الإنسان والآلة للوصول إلى نص مقبول، وهو ما ينتج عنه مفهوم “الأدب الهجين”. في المقابل، مثلت الطروحات النقدية للناقدة نجوى منصور، تيارا يتعامل بحذر شديد مع النصوص المؤلفة بالذكاء الاصطناعي، دفاعا عن هوية الأدب الإنساني ومستقبله من الذوبان في بوتقة الآلة.
في ضوء هذا التباين، اتفق أغلب المتدخلين على موقف وسطي يدعو إلى “الحذر لا الرفض المطلق ولا القبول الأعمى”، لأن النص المولد ليس ظاهرة عابرة يمكن تجاهلها، ولا هو أدب حقيقي يمكن الاحتفاء به دون شروط.
وخلصت ندوة جريدة “الشعب” دعوة وجّهها المشاركون إلى المفكرين والنقاد الجزائريين كي يسهموا في معالجة السؤال، خاصة وأن عصر الذكاء الاصطناعي يتميز بسرعة خارقة، وقد زحف على جميع أنحاء الحياة، ما يقتضي تطوير “أدوات نقدية رصينة” تواكب هذا التحول؛ حاصة وأن الناقد مطالب بامتلاك أدوات فرز وتفكيك دقيقة للتعرف على طبيعة النص، والوقوف على آليات اشتغاله، والتمييز بين ما هو نتاج تجربة شعورية إنسانية خالصة، وما هو مجرد “أدب شبيه” تولد في أقبية الخوارزميات باعتبار أن الآلة مهما بلغت من التطور ستظل أداة، والأدب الحقيقي سيبقى مرآة للروح الإنساني بوجدانه، ومعاناته وبفرحه وحزنه، وتلك هي المناطق التي تعجز الآلة عن محاكاتها، ما يضمن بقاء الأدب الإنساني سيدا على عرش الإبداع، مهما طال زمن المحاكاة.





