تعزّزت الساحة الفكرية والأكاديمية بصدور باقة من المؤلفات المرجعية المتخصصة التي تتقاطع في دراسة التحولات الإنسانية والمعرفية، حيث تغطي هذه العناوين ميادين العلوم النفسية السريرية، ومناهج الفكر الإسلامي المعاصر، واللسانيات التاريخية المقارنة، فضلا عن فضاءات الأمن السيبراني وصناعة الصورة في عصر الإعلام الافتراضي.
وتشكل هذه الإصدارات رافدا للمكتبة التخصصية، لكونها تستند إلى أبحاث ميدانية وتحليلات استقرائية تستحضر قضايا العصر وتطرح مقاربات علمية تهم الباحثين والمختصين وصناع القرار في مختلف الحقول الثقافية والتقنية.
آليات التمكين الذاتي وإدارة القلق
في طليعة هذه الأعمال، يبرز الكتاب الحائز على جائزة أحسن كتاب مترجم في الفنون والآداب والإنسانيات بعنوان “التعايش مع الخوف: فهم القلق ومكافحته”، للمؤلف الدكتور إيزاك م. ماركس (Isaac Meyer Marks)، ونقله إلى اللسان العربي الدكتور محمد عثمان نجاتي، عبر دار “أقلام عربية للنشر والتوزيع”.
وينطلق هذا المؤلف من تجربة عيادية رصينة، حيث أهداه واضعه إلى المتألمين ولمعالجيهم الذين أسهمت ملاحظاتهم وتجاربهم الإكلينيكية في بلورة أساليب عملية لعلاج التوتر العصبي وتخفيف حدته، ويجمع الكتاب بين البعدين الإرشادي والتطبيقي تحت شعار “هذا الكتاب يساعدك على أن تساعد نفسك”، مقدما منظومة علاجية تسهم في تفكيك بنية المخاوف المرضية بمختلف أشكالها، بما في ذلك حالات الخواف الشديد، واضطرابات الوسواس القهري، والطقوس السلوكية القهرية، والقلق بمستوياته المتعددة.
ويؤكد المترجم الدكتور محمد عثمان نجاتي القيمة العلمية للمرجع، موضحا أنه يمثل أداة عمل تخدم الأطباء النفسيين، والمختصين في الرعاية الصحية، والمشتغلين في الخدمة الاجتماعية، إضافة إلى طلبة كليات الطب والعلوم الإنسانية، وتتيح للمتخصصين دليلا إرشاديا لمساعدة مرضاهم على استعادة التوازن النفسي.
استقراء معالم البناء عند محمد عمارة
وفي سياق الدراسات الحضارية والفكرية، أصدرت دار “مفكرون الدولية للنشر والتوزيع” كتابا استقصائيا بعنوان “المشروع الفكري للدكتور محمد عمارة”، وضعه الباحث الدكتور يحيى رضا جاد، وقدم له المستشار طارق البشري.
ويجسد الكتاب تتبعا استقرائيا شاملا للمتن المعرفي الضخم الذي تركه المفكر الراحل، إذ عمل المؤلف على استخلاص الأركان الكبرى والمفاصل الهيكلية التي نهض عليها هذا البنيان الفكري الممتد لعقود. ويتتبع العمل الخريطة الفكرية والعقلية والروحية لصاحب المشروع، مبرزا ملامح السيرة الذاتية التضمينية المأخوذة من كتاباته ومواقفه مباشرة.
ويعتمد العمل على منهجية معرفية تلتقط الجواهر والدرر الفكرية من رحاب مؤلفات الدكتور عمارة، مستفيدا من الاحتكاك المباشر والعميق بعطائه العلمي؛ ما جعل الكتاب وثيقة تبرز منهج المفكر الراحل في معالجة إشكاليات الأصالة والمعاصرة، وتأصيل قضايا التجديد ومواجهة التحديات الحضارية المعاصرة بمداد العقل وحبر الوجدان.
مساءلة المصطلح واستعادة الهوية
وفي دائرة اللغات القديمة وفيلولوجيا النصوص، يأتي كتاب الباحث عمرو السباعي الموسوم بـ«الهيروغليفية والعربية.. لغة واحدة وأبجدية واحدة: تفسير الحروف المقطعة في القرآن”، الصادر عن “أقلام عربية للنشر والتوزيع”.
ويطرح هذا الإصدار رؤية تبحث في قضايا الهوية التاريخية، متسلحا بتكوين علمي للمؤلف الذي مارس التحقيق بوزارة العدل قبل تفرغه لدراسة الكتابات المصرية القديمة والقبطية وتلقي تكوينه بكلية الآثار ومدرسة المتحف المصري، ويسائل الكتاب جملة من المفاهيم التاريخية والتسميات الشائعة، متناولا مدى دقة إطلاق وصف “الحضارة الفرعونية” من الزاوية اللغوية والتاريخية، ووضعية “اللغة القبطية” وتوصيفها كمرحلة من مراحل اللسان المصري القديم، والبحث الدقيق في الأصل اللغوي للفظ “فرعون”.
ويفرد العمل مساحة تحليلية لربط الكتابات التصويرية القديمة بالنظام اللساني العربي، واضعا مقاربة لسانية تؤكد عمق الصلات بين هذه النقوش والأبجدية العربية، وصولا إلى تقديم قراءة بحثية لافتة لدلالات وتفسير الحروف المقطعة في النص القرآني.
الذكاء الاصطناعي ورهانات الحماية
واستجابة للتسارع التكنولوجي العالمي ومخاطر الثورة الرقمية، يطرح الدكتور المهندس أيمن أحمد فؤاد راشد، استشاري الذكاء الاصطناعي، كتابه الصادر عن دار “ضاد للنشر والتوزيع” تحت عنوان “الأمن السيبراني ومخاطر الذكاء الاصطناعي.. التحديات والحلول”.
ويعالج المؤلف في هذا الإصدار المشهد الأمني المعقد الذي أفرزه اندماج الأنظمة الذكية المستقلة في شبكات الاتصال وقواعد البيانات الحيوية، ويفكك الكتاب حزمة المخاطر السيبرانية الناشئة عن تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في الهجمات الرقمية المعقدة، مستعرضا أبرز الثغرات والتهديدات التي تواجه المنظومات المؤسسية والمالية والحكومية.
ويقدم الكتاب أطرا فنية وحلولا هندسية استباقية تسعى لبناء منظومة أمان سيبراني قادرة على صد الاختراقات والتكيف مع أشكال الجريمة المعلوماتية الحديثة، مما يجعله مرجعا يدمج بين الرؤية التقنية الهندسية والمتطلبات الاستراتيجية لحماية البنى الرقمية.
عمارة الإعلام الحديث..
ويكتمل المشهد بدراسة إعلامية متخصصة أصدرتها دار “العلا للنشر والتوزيع” للدكتورة فيروز عبد الحميد جابر، عميدة كلية الإعلام والاتصال بجامعة أكاديميون العالمية ونائب رئيس اتحاد الإعلام العالمي، والمعنون بـ “المدن الإعلامية.. القوة وراء الشاشات في عصر الإعلام الذكي والافتراضي”.
ويتناول الكتاب المنظومة الإدارية والفنية لمدن الإنتاج الإعلامي ومجمعات البث العالمية، كاشفا البنى التحتية والهندسية التي تقف خلف الشاشات وتدير آلاف التفاصيل التصويرية والإنتاجية، بدءا من البلاتوهات، ومواقع التصوير الحية والمتحركة، وتجهيزات الكاميرات الحديثة، واستوديوهات المعالجة الرقمية، وصولا إلى المسارح ودور العرض والمؤسسات التعليمية المتخصصة في تأهيل الكوادر الفنية.
وتحلل الباحثة آليات إدارة هذه المنشآت الضخمة والشركات الخدمية المرتبطة بها، مع إجراء مقارنة بين واقع هذه المدن وما يتطلبه النموذج المثالي في ظل الإعلام الذكي والبيئات الافتراضية الحديثة. كما يضع الكتاب آليات لتطوير العمل الإعلامي المؤسسي ورفع كفاءته ليكون رافدا في برامج التنمية الوطنية الشاملة وبناء المشهد الاتصالي المستقبلي.






