شهادات من عمق المعاناة

حورية تقاوم المرض منذ 14 عاما

فتيحة /ك

هي سيدة تتخفى وراء جدار الصمت كاتمة أنفاسها وآلامها حتى لا يعرف المحيط الذي تعيش وسطه إصابتها بداء الايدز الذي له نظرة دونية من المجتمع، رغم أن الطب اثبت أن أسبابه متعددة و ليس فقط العلاقات الغير شرعية ، هذا الحكم المسبق منعها من البوح بسرها.

رفضت حورية لقائي حتى لا ترتسم تقاسيم وجهها في ذهني فأكون سببا في كشف سرها، لذلك حدثتني عبر الهاتف لتخبرني قصتها مع داء العصر الذي احكم قبضته عليها ، فكانت كلماتها الأولى تروي تفاصيل خوف من ان اعتبرها واحدة ممن كانوا لا يبالون بأعراف وتقاليد المجتمع.
وبدأت كلماتها تخرج من فمها بخجل لتخبرنا عن سبب إصابتها بالمرض فقالت أنها تربت في عائلة محافظة منعتها من مواصلة دراستها في الثانوية خوفا عليها فما كان منها سوى الرضوخ لرغبة الاب والأخ الأكبر ، وهكذا مرت الأيام تنتظر فارس الأحلام الذي سيخرجها من السجن الذي عاشته لسنوات طويلة في إحدى الولايات الداخلية. وبالفعل عند بلوغها الثانية والعشرين تقدم لخطبتها احد أقاربها المغترب بفرنسا حيث جاءت والدته لتطلب يدها ، وافق الاب و كل إخوتها ، وكان الأمر بالنسبة لها يشبه الحلم الصعب تصديقه، وبالفعل بعد سنة جاء العريس ليأخذ عروسه من بيت أهلها لتتحقق بذلك أمنية حورية في أن تفرد جناحيها وتطير إلى  عالم لم تعرفه من قبل.
كان زوجها دائم التنقل إلى فرنسا لذلك كانت تبقى مع أهله طوال فترة غيابه، ولكن وبعد سنتين من الزواج حملت بطفلها الذي انتظرته يوما بعد يوم وشهرا بعد شهور، عمت الفرحة العائلة وكان الزوج اكبرهم سعادة عاد الى ارض الوطن في اليوم الموالي ليكون برفقة زوجته ، و لكن لم يكن احد يعلم ان الطفل سيكون السبب في اكتشاف الحقيقة المميتة.
بعد إجراء الفحوصات الطبية العادية للحامل ،طلب من حورية إجراء تحاليل إضافية لها ولزوجها، وبالفعل كانت النتيجة كما توقع الأطباء، فقد كشفت التحاليل اصابتهما بالايدز ، نزل الخبر عليهما كالصاعقة التي حطمت كل الاحلام والامال، قالت حورية انها لم تفكر في نفسها بل في طفلها الذي تحمله في احشائها كيف سيكون مصيره… لم تفكر حتى في الطريقة التي اصيبت بها، لان عاطفة الامومة سيطرت عليها… زوجها المدهوش بدأ بالصراخ والقاء اللوم عليها وكأنها من اصابه بالعدوى، بل اكثر من ذلك اتهما بانها امراة لعوب وانها كانت تفعل ما يحلو لها في الفترة التي يغيب عن المنزل رغم انه يدرك علم اليقين انها كانت تبقى مع والديه ولا تخرج دون احدهما،...وسط هذا اللغط تدخل الطبيب قائلا ان الزوج من نقل العدوى لأن أعراض المرض عنده متقدمة مقارنة بزوجته ، ولكن رغم ذلك أصر على ما قاله ، بل طلب منها إجهاض الطفل لانه ثمرة سوء يجب التخلص منها.
عادت الى البيت وهي تجر امراة ثكلى لا تدري ما تفعل و لا كيف ستبرأ نفسها امام المجتمع الذي سيعلنها صراحة عندما يعلم بالحقيقة انها امراة لا عفة لها ، لذلك تكتمت على الحقيقة وجاراها زوجها في ذلك واخبرها انه سيذهب الى فرنسا بلا رجعة ، وأنها حرة في البقاء في البيت أو العودة إلى بيت اهلها، بالنسبة لها كان البقاء او العودة امرا مستحيلا، لانها تستطيع الاحتفاظ بسرها طويلا ان فعلت اي واحد منهما، لذلك اتصلت باخيها من والدها المقيم بالعاصمة، وطلبت منه لقاءه ، تنقل الى حيث تقيم مع اهل زوجها
لتخبره بالحقيقة التي لم تأتمن أحدا غيره عليها و طلبت منه السماح لها بالبقاء عنده لتكون اقرب إلى الأطباء و بعيدة عن أنظار من يعرفونها فقد اخبرها الطبيب انه بالإمكان أن تلد طفلا سليما رغم إصابتها بالمرض.
اقنع أخوها والدها وأخبرته أن حملها صعب و يجب تتلقى العلاج العاصمة، و بذلك بدأت حورية مرحلة جديدة لا أحلام ولا آمال فيها سوى أن ينقذ الله طفلها من براثن المرض، و هكذا مرت الأيام و الشهور ووصل موعد الولادة الذي اشرف عليه فريق أطباء يدركون أنهم ينقذون طفلا من الموت المحتم ، وخرج الطفل سليما معافى و كأنه المعجزة التي أعادت إلى حورية الحياة، ...طفلها اليوم يبلغ من العمر أربعة عشر سنة ، هو مقبل على شهادة التعليم المتوسط ، أخبرته والدته منذ سنتين عن حقيقة مرضها  وعن دعم خاله لها ولولاه ربما لم يكن ليرى النور يوما.
استغربت حورية من القوة التي واجه بها ابنها الحقيقة وأخبرها أنه يحبها وأنه سيكبر ليكون الطبيب الذي سيداويها، .... وتمنت ألا يحكم عليها بالسوء عندما يكبر ويعي ما هو مرض الايدز.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18265

العدد18265

السبت 30 ماي 2020
العدد18264

العدد18264

الجمعة 29 ماي 2020
العدد18263

العدد18263

الأربعاء 27 ماي 2020
العدد18262

العدد18262

الثلاثاء 26 ماي 2020