«الشعب» تنقل آراء المختصين في اليوم العالمي للأسرة

الأسرة.. حلقة مفصليـة في الاستقـرار الاجتماعـي

استطلاع: فتيحة / ك

تعد النواة الأولى للمجتمع و حجر الأساس الذي لا يبنى دونه، ان صلحت صلح المجتمع كله و إن فسدت كان هلاكه  وضياعه، هي الأسرة العالم الصغير الذي يولد فيه الإنسان ويترعرع داخلها يُلقن دروس الحياة الأولى...، سألت «الشعب» المختصين بغية تشريح الواقع الذي تعيشه والرهانات و التحديات التي تواجهها على أرض الواقع.

مسعود بن حليمة «الأسرة مشروع بناء مجتمع»

قال مسعود بن حليمة المختص في الطب النفسي العيادي أن الحديث عن الأسرة يجعلنا نتكلم عن مشروع بناء أمة أو مجتمع على أسس معينة، أهمها علاقة وطيدة وقوية قاعدتها الاحترام و المودة بين أفرادها، فهذه الأخيرة تعطي الدفء  والحب و التماسك العاطفي بينهم والذين يجدون أنفسهم معا تربطهم علاقة دم واحد، ما يجب ألا ننسى أننا مجتمع مسلم تعلمنا منذ صغرنا الآية الكريمة التي وضّح فيها الله تعالى نوعية وحقيقة العلاقة التي تربط بين الزوجين المكون الأساسي لها و التي يقول فيها سبحانه: «وجعل بينكم موّدة ورحمة»، لذلك علينا أن نعي أهمية هذين العاملين لوضع نواة المجتمع في الخط الصحيح.
الى جانب ذلك يجب أن نعلم- أو ما قال مسعود بن حليمة-  أنها تبنى أيضا على التفاهم و الحوار و غيابهما يخلق مشكلا حقيقيا داخلها لغياب التواصل بين أفرادها ما يعني تنشئة أطفال أو لنقل جيل غد غير مستقر نفسيا و هذا له اثر مدمر على مستقبل المجتمع كلبنة متماسكة، يجب أن يمتد هذا الحوار من الرجل إلى المرأة إلى الأطفال، ثم الأحفاد و أخيرا إلى الأجيال القادمة والى ما لا نهاية، لأنه المفتاح الأساسي لحل جميع القضايا و المشاكل التي يتعرض لها الفرد، كما اعتبرها أهم خطوة لتعزيز ثقته في الآخر وجعله في تواصل ووفاق دائم معه، ما يحسّن نفسية الاطفال و يؤهلهم إلى الانخراط في التركيبة الاجتماعية بكل سهولة.
لاحظ مسعود بن حليمة في هذا الصدد أن الأسرة الجزائرية اليوم، تخلت عن الكثير من هذه الأسس وأصبحت مفككة ومعرضة إلى هزات متعددة قد تعصف بنسيجها الإنساني فهي تتخلى تدريجيا عن مبادئ التضامن و الرحمة فبعدما كانت في السابق تشمل الجد و العم والخال و حتى الجار تلاشت، اليوم، هذه الصورة لتصبح  محصورة في أب و أم يعملان طوال النهار وأبناء تائهين بين خصام الأولياء الذي غالبا ما ينتهي بالطلاق،  أي تدمير الأسرة من أساساتها ليصبح في الأخير الأبناء مهددون بالتشرد و الانحراف و كل الآفات التي يعانيها المجتمع حاليا.
هنا يمكننا القول بحسب بن حليمة أن الأسرة أصبحت تعيش ظاهريا لا باطنيا تتنافس على الامور المادية ، الاجتماعية،السياسية، الاقتصادية ما أدى إلى تجردها من السلوكيات الحضارية واكتسابها لأخرى متهورة  ما يعني ابتعادها عن الوظيفة الحقيقية التي تؤديها في بناء مجتمع سوي و مستقر و تربية أطفال على مبادئ الحب و التفاهم و قبول الآخر.

سيد علي لعبادي: «انهيارها يؤدي إلى الانحراف و الآفات الاجتماعية»

قال سيد علي لعبادي، رئيس جمعية حماية الأحداث من الانحراف و الاندماج في المجتمع، أن الأسرة الجزائرية اليوم تعيش رهانات حقيقية وسط الآفات الاجتماعية التي أصبحت تهدد نسيجها الداخلي، بسبب الإهمال السائد داخلها لغياب الأب و الأم الدائم عن الأبناء بسبب العمل، فالطفل و منذ نعومة أظافره و في سن صغيرة لا تتعدى في بعض الأحيان ثلاث سنوات يجد نفسه في الروض يتلقى دروس الحياة الأولى خارج إطار الأسرة المكان الطبيعي لتعلمها.
حتى ندرك خطورة استقالة الأولياء من مسؤولياتهم و التزاماتهم اتجاه الأسرة، أكد لعبادي أن 75 بالمائة من العائلات تعاني الإهمال و الطلاق على المستوى الوطني، حتى أننا اليوم نشاهد حالات طلاق بعد سنوات طويلة من العشرة الزوجية تتعدى العشرون سنة ، وهي ظواهر لم نكن نراها سابقا في مجتمعنا، في هذه الحالة يجب ان نعلم ان الابناء بعد ان اصبحوا شبابا يجدون أنفسهم في الشارع مع والدتهم، لأن العائلة اليوم لا تقبل الاخت او الابنة المطلقة، وفي طرفة عين يتعين عليهم الانتقال من بيت الى أخر في احسن الاحوال وألا يكون الشارع مستقرهم ما يعرضهم الى خطر الانحراف وهو بالضبط العامل المدمر للمجتمع واستقراره، فضرب الأسرة و تكسير بناءها هو هدم لمجتمع كامل.
 اقترح سيد علي لعبادي أن نقلب المعادلة الموجودة ونجعل أساسها الحب و الحنان والتعامل مع الأبناء برفق و مودة، طبعا مع المراقبة المستمرة لهم من طرف الآباء داخل الأسرة وخارجها، ليشعروا بحب الآباء لهم، مع مشاركة كل الأطراف المعنية في المجتمع، فالمدرسة تربي و الإمام يربي و المحيط بصفة عامة يجب ان يكون له اثر فعّال في تربية النشء و ذلك بتفعيل الدور الاجتماعي لكل واحد معني بهذه المهمة، كما أكد على الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في توعية المجتمع بالأخطار التي سيواجهها، إن لم يتم تدارك الأمر بتهيئة الظروف الملائمة لبناء أسرة آمنة ومستقرة.

القانونية ليندا سعد العود«القوانين موجودة ...لكن تطبيقها صعب»

اكدت القانونية سعد العود ليندا ان ترسانة القوانين الموجودة  التي حرص المشرع الجزائري  على ايجادها لا تستطيع  حماية الأسرة وحدها، لأن تطبيقها على ارض الواقع صعب بسبب اصطدامها مع ذهنيات وعقليات كرست مبادئ خاطئة في المجتمع، وحتى يتمكن القانون من تحقيق غايته لا بد من تغييرها بما يخدم صالحهما.
في اتصال مع «الشعب» قالت القانونية ليندة سعد العود ان الواقع لا ينصاع بسهولة للقوانين وما نستطيع تطبيقه منها يكون قليل لان المستوى المعيشي في تدهور مستمر ، فمثلا قضايا النفقة في اغلبها لا يمكن تطبيقها بسبب عجز الاب عن صرفها لابنائه لانه لا يملك المال الكافي لإعطائه لهم، و صعوبة التسيير اليومي للحياة  اليوم أضفى بظلاله على القوانين بسبب الغلاء و المتطلبات اليومية التي صارت مكلفة ، الايجار مثلا مرتفع و لا يستطيع محدودي الدخل من توفيره للأم الحاضنة و ان ارادو ذلك، فيما يعمل اخرون في المقابل بطريقة غير مصرح بها ما يمكنهم من التهرّب من حق الأبناء في النفقة لان القانون عاجز عن إثبات دخلهم.
هذا ولاحظت القانونية ان المنحة العائلية التي لا تتعدى 300دج هي غير
كافية لسد واحدة من حاجيات الأطفال اليوم بل اعتبرتها فشل حقيقي لنظام الضمان الاجتماعي في الجزائر، لذلك اقترحت مراجعتها ورفعها بما يتماشى ومتطلبات الحياة اليومية للأسرة.
 أكدت في حديثها إلى «الشعب» أن الشق الاجتماعي مهم جدا حتى لا يبقى القانون حبرا على ورق، فمنذ الاستقلال عندما تطلق المرأة من الرجل تُلقى على عاتقها كل المسؤوليات المتعلقة بالأبناء و كأن الانفصال يعفي الرجل من أي التزام اتجاههم ورغم انه والدهم يترك كل الأمور المتعلقة بهم على عاتق المرأة أو الام التي تجد نفسها في معركة حقيقية لتأمين لقمة العيش لأبنائها فتصبح الأم والأب في نفس الوقت وهو أمر يحيلنا الى تصحيح هذا الخلل و اعادة النظر في مسؤوليات الاب المطلق اتجاه الابناء ، يجب الا يكون الطلاق سببا في انفصاله عنهم بل عليه ان يبقى على اتصال معهم و كأنهم يعيشون في أسرة واحدة كما كانوا سابقا.
في السياق ذاته، أرجعت التغيير الحاصل في المجتمع الى سنوات  الاستقلال اين وجدت الكثير من ارامل الشهداء انفسهنّ مطالبات بتأمين حياة كريمة لابنائهن بعيدا عن التفكير في الزواج لان القانون انذاك كان يحرمها من منحة الشهيد في حال ارتبطت برجل اخر، الامر الذي خلق طبقة كبيرة من النساء الارامل اللوتي صنعن صورة المراة التي تكابد الحياة وحيدة من اجل فلذات اكبادهنّ و شيئا فشيئا ترسخت هذه  الصورة داخل المجتمع، و عندما تخرجت و انضمت الى عالم الشغل زادت المسؤوليات الملقاة على عاتقها خاصة بعد الاستقالة الجماعية للرجل الذي اصبح يشعر بأن الانفاق على الزوجة او المراة بصفة عامة ليس مسؤولية بل هو «مزية « منه اتجاهها، هذا العبء الاجتماعي جعل المراة تكافح من اجل ابنائها خارج البيت وداخله و الا فهي تكسر الصورة النمطية لها في الذاكرة الاجتماعية ، ما جعلها تعيش حالة من الكبت و تحت ضغوطات كبيرة.
اعتبرت سعد العود هذا التحول في الضمير الجمعي للمجتمع خطير جدا على المراة  والرجل معا، لان حالة الاكتفاء الذي تعيشه السيدات اليوم اطاح باستقرار الاسرة و توازنها النفسي و لعل الازدياد الرهيب لحالات الطلاق و الخلع خير دليل على ذلك، فالمراة لم تخلق حتى تاتي بالمال و لعل المثل العربي القائل :» منها العيال و منك المال « يعبر عن هذه الحقيقة ، هي لم تخلق ابدا للعمل كالعبيد بل بما هو معقول و ليس العكس، و ان كانت تساهم في البناء الاقتصادي فلا يعني ذلك تخلي الرجل عن مسؤولياته، لان الحمل المادي اصبح لا يطاق و الطلبات اليوم في ارتفاع دائم، فالمراة الماكثة في البيت تشعر بانها في مأمن من الضغوطات.
في ختام حديثها مع «الشعب» اكدت ليندة سعد العود ان القانون يستطيع ان يجبر من هم تحت طائلته بفعل الصواب و لكن الأصح ان نقوم بالتوعية الاجتماعية التي تمكن الجميع من معرفة الدور منوط به في بناء مجتمع سوي، و لا يجب ان تقع المراة في فخ التحرر لأنها تدفع ثمنه غاليا فحتى و ان عملت كل ما تستطيعه لن تكون مساوية للرجل لأن كل واحد منهما له بنيته الفزيولوجية الخاصة به لذلك لا بد ان تعي ان العلاقة بينهما هي تكامل كل واحد منهما يرمم ضُعف الاخر، ما يسمح بتكوين أسرة قوية تكون لبنة بناء لا هدم للمجتمع.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018