اللّغة بين النّشأة والتطوّر

د. محمد عبد الكريم مسعود – مدرسة النهضة الأدبيّة الحديثة في الوطن العربي - سورية

لم يستعمل العرب كلمة (لغة) في كلامهم، وإنما كانوا يستعملون كلمة (لسان) للدلالة على اللغة، والقرآن الكريم لم يستعمل هذه اللفظة بالمعنى المعروف عندنا، وإنما استعملت بمعنى الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته.
كما جاء في سورة فصلت {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلّكم تغلبون}، واستعملت بمعنى القول الباطل، كما جاء في قوله تعالى: {والذين هم عن اللّغو معرضون}.
واستعملها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في معنى ما لا يحتاج إليها من الكلام في قوله: “إذا قُلت لصاحبك أَنْصت، والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لَغْوت”.
واللٍّسن (بكسر اللام) بمعنى اللغة، ويقال لكل قوم لِسن، أي لُغْةٌ يتكلمون بها، وقد وردت كلمة لسان في القرآن الكريم بمعنى (اللغة) كما في قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم فَيضِلْ الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم}، وكقوله تعالى: {ولقد نعلم أنّهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}.
ثانيا: تعريف اللّغة
لقد أصبح من الثابت اليوم إن تعد اللغة إحدى أشد الظواهر الإنسانية تشعبا وتعقدا، لذا يصعب أن نكوّن تعريفا شاملا دقيقا للغة. ويعود سبب ذلك لقيام اللغة أساسا على مظهرين متقابلين أحدهما موضوعي ملموس، وهو اللفظ الذي تلتقي فيه اللغة بعلوم أخرى وفنون كالغناء والموسيقى التي تعتني بها من حيث كونها مجموعة أشكال صوتية وكذلك بعلم الكتابة وفني الخط والطباعة، وثانيهما ذاتي مجرد وهو المعنى الذي تستوعب فيه اللغة ميادين المعرفة الإنسانية المختلفة من أدب وفن ودين وفلسفة وعلوم متنوعة.
وتعد اللغة من أهم مميزات الإنسان الاجتماعية. كونه من خلالها هو الوحيد الذي يتمكن من ترجمة أفكاره ومشاعره إلى ألفاظ وعبارات مفهومة مع أبناء مجتمعه.
وعلى هذا الأساس تعرف اللغة بأنها ((ظاهرة فكرية عضوية خاصة بالإنسان دون غيره من الكائنات الحية، فهي إذن صفة مميزة للجنس البشري)).
واللغة هي الوسيلة الوحيدة لنشأة المعرفة الإنسانية وتكوينها وتطورها، والتي ينقل المرء خلالها إلى الآخرين المعاني والأفكار التي تدور في رأسه، التي هي أصوات ملفوظة مرتبة يفهم السامع المراد منها ويختل الفهم إذا تغير ذلك الترتيب.
إن انتقاء تعريف محدد للغة ليس بالعملية اليسيرة، نظرا لتعدد تعريفاتها، ومن ثم يفضل البعض أن تعرف اللغة من خلال استعمالاتها المختلفة، ولهذا فإن اللغة تأخذ عدة معاني بالنسبة لعلماء اللغة. يقول “اوتويسبرسن: “إنّ اللغة ليست في حقيقتها سوى نشاط إنساني يتمثل من جانب في مجهود عضلي يقوم به فرد من الأفراد، ومن جانب أخر يتمثل في عملية إدراكية ينفعل بها فرد أو أفراد آخرون”.
ويذهب محمد عبد العزيز إلى أن اللغة “هي نظام الأصوات المنطوقة، له قواعد تحكم مستوياته المختلفة، الصوتية والصرفية والنحوية، وتعمل هذه الأنظمة في انسجام ظاهر مترابط وثيق، ولهذا فهي نظام الأنظمة”، أو هي “نظام من الرموز الصوتية”.
ويرى فردينان دي سوسور، أنها – أي اللغة – نظام أو نتاج اجتماعي لملكة اللسان، وهي مجموعة من التقاليد الضرورية التي تبناها مجتمع ما ليساعد على ممارسة هذه الملكة.
واللغة كما يراها ابو الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ) “هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”. ويشير ابن جني في تعريفه هذا للغة إلى جانبين هما: اجتماعية اللغة بمعنى أن اللغة لغة القوم نتيجة ممارسة أفراد المجتمع للغة، والجانب الثاني هو صلة اللغة بالتفكير، والصلة بينهما كما يرى كثير من علماء اللغة صلة وثيقة ضرورية.

الحلقـــة 2

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018