عالم التحولات الكبرى بين عالم غائب وقوى تعود وتدخل السباق الحضاري

نموذج مثلث القوة الصين روسيا و الهند

د.محمد العربي ولد خليفة

III- عندما يستيقظ العملاق الآسيوي
بالنسبة للصين ليس في الأمر معجزات وخوارق، فبالإضافة إلى اٌنجازاتها التاريخية السابقة مثل اٌختراع البارود والورق والحبر والاستراتيجية الحربية بعنوان فن الحرب، التي وضعها سون تزو خمسة قرون قبل الميلاد، وهي أساس علم النفس العسكري في العصر الحديث الذي يستهدف إضعاف معنويات العدو وهزيمته من الداخل ورفع قدرة الطرف الآخر على الصمود والثقة في الانتصار، فإن نهضتها الحالية تعود إلى إدراك قيادتها أن الإنغلاق (قصّة عصابة الأربعة بقيادة زوجة ماوتسي تونغ التي دمّرت قسما كبيرا مما يُسمّى بالثقافة الدخيلة)وأنّ ضعفها وهجمة القوى الكبرى الغربية واليابان عليها عن طريق تقسيمها إلى محميات تجارية(Comptoirs) وتنويم شعبها بالأبيوم يتطلب يقظة تستمدّ طاقتها من تعاليم كونفشيوش الحكيم وأفكار ماوتسي تونغ الثورية واٌنفتاح واسع على العالم الخارجي والاستفادة من كلّ اٌنجازاته المعرفية والتكنولوجية ومما حققته جالياتها الكبيرة من تقدّم وثروة ونفوذ من سنغفورة إلى قلب البلدان الغربية والولايات المتحدة بوجه خاص، ونشير في سياق التحوّلات الكبرى في الصين إلى أن هذا البلد تعرّض لما يشبه الربيع العربي خلال أحداث ساحة تيان آن مين سنة 1989 التي أدّت إلى فرض الغرب لعقوبات اقتصادية وعزلة سياسية ممّا دفع الصين إلى توثيق العلاقات مع روسيا وخاصة في مجال الطاقة وتأسيس معاهدة شانغاي سنة 2011 التي تجمعها مع روسيا وكازاخستان وطاجاكستان وأوزباكستان.
IV – روسيا: مؤشرات العودة إلى المنافسة الدولية
ومن بين التحولات الكبرى التي يشهدها العالم منذ بداية هذا القرن يقظة عملاق آخر هو روسيا الفيدرالية، بعد اٌنهيار الاٌتحاد السوفياتي وتصفيه ما ورثه من اٌمتداد جغرافي ونفوذ سياسي إيديولوجي بعد الحرب العالمية الثانية أعلن التصفية والإفلاس رئيسها الأسبق غورباتشوف وعريضة اٌتهاماته للنظام الشيوعي في كتابه البريسترويكا أو المكاشفة الذي اٌعتبره خصوم النظام السوفياتي أكبر اٌنتصار للنظام الليبرالي طيلة القرن الماضي والملاحظ أن غورباتشوف الذي يبلغ الآن 85 سنة من العمر قد إعترف في حديث مع بي بي سي البريطانية في أوائل ديسمبر 2016 أنّه اٌرتكب خطأ كبيرا في تشخيصه السابق وأن الرئيس الحالي فلاديمير بوتين يستحقّ كلّ التأييد والإعجاب.
نحن نتابع في هذه السطور أطروحتنا المتمثلة في عنوان هذه الورقة وهي تحوّل مؤشرات التقدّم والقوّة والنفوذ نحو القارة الآسيوية وما تتمتّع به من ثوابت القوّة Constantes de puissance وهي كثيرة بالنسبة لروسيا الفيدرالية نذكر منها:
من الناحية التاريخية الحضارية لروسيا تاريخ عريق يعود إلى 868 عاما قبل الميلاد وفي سنة 882م تكوّنت الدولة السلافية الشرقية الموحّدة التي اٌعتنقت المسيحية وجعلت من الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية المذهب الرسمي للدولة ولم تتأثر بالغزو المغولي لروسيا بين 1237 و 1240.
وروسيا الفيدرالية هي الآن أكبر دولة مساحة على الإطلاق فهي تقترب من ضعف مساحة الصين بما يزيد على 17 مليون كم2 وبالتحديد 17.075.200 كم2 وتحتل المرتبة التاسعة من حيث عدد السكان حسب إحصاء مارس 2016 (146.6 مليون نسمة).
لروسيا الفيدرالية موقع جيوسياسي متميز إذ لها حدود مع 14 دولة ويشكل القسم الآسيوي 75%  من مساحة روسيا ويعيش فيه 23% من سكانها و77% من بقية السكان من القسم الأروبي ويفصل بين القسمين سلسلة جبال أورال.
لروسيا حدود بحرية تمتد على 37653 كم من الهضبة الآسيوية إلى الولايات المتحدة والصين واليابان وحدود برية بـ: 20.241كم.
الإسلام هو الديانة الثانية في روسيا بنسبة 14% من مجموع السكان وقد وصل إلى جنوب روسيا أثناء الفتوحات الإسلامية الكبرى لفارس وبيزنطا، وينتشر الإسلام بوجه خاص بين الشعوب الداغستانية والتتار وكل الشعوب الناطقة باللغة التركية وبوجه عام توجد الأغلبيات المسلمة في منطقة شمال القوقاز بين البحر الأسود وبحر القوقاز والإسلام في فيدرالية روسيا هو مزيج من التأثير العربي الفارسي التركي السلافي المتأثر بنظام التربية والتعليم الروسي. D.V.Mukhetdinov: Russian muslim culture: social reality and concept.
يسمى مجموع هذه الشعوب بدياناتها وثقافاتها ولغاتها بالحضارة الأوراسية Eurasian civilisation، ولروسيا مساهمات كبيرة في روائع الفنون والآداب العالمية نذكر منها على سبيل المثال في الآداب بوشكين Pushkin وغوغول Gogol وتولستوي Tolstoy وداستويسكي Dostoevsky وباليه البولشؤي الذي استضفناه سنة 1981 عندما كنت على رأس وزارة الثقافة والفنون الشعبية.
 تعود روسيا اليوم إلى المنافسة على تصدر العالم لما تتوفر عليه من عمق استراتيجي وصناعات متطوّرة فقد تفوّقت في بداية السباق على اٌكتشاف الفضاء الخارجي بأول رائد فضاء غاغارين وتكنولوجيات الصواريخ العابرة للقارات ومحطة الفضاء بايكونور وثاني مصدر للطاقة في العالم وأساطيل تجوب البحار والمحيطات وهو من بين المصدرين الكبار للسلاح حسب مركز استوكهولم SIPRI، وقد اٌرتفع حجم صادراتها بـ 37% بين 2010-2014 مقارنة بالفترة 2005-2009. وله علاقات تعاون قديمة ومتجدّدة مع الجزائر وخاصة في مختلف ميادين التكوين والتدريب قبل الاستقلال وبعده والطرف الروسي يظهر اٌستعدادا ورغبة في تطوير علاقات التعاون والصداقة مع الجزائر وفي إطار الاحترام المتبادل كما أكّد ذلك رئيس الدوما (غرفة البرلمان الأولى) في فيدرالية روسيا في زيارته للجزائر بدعوة من المجلس الشعبي الوطني بتاريخ 04 و05 نوفمبر2015.
V- وجهان للقوة الصاعدة في سهول الهندوس
القطب الآخر الذي تتصاعد قوته الإقتصادية والتكنولوجية ويتزايد وزنه السياسي على الساحة الدولية هو الهند يعود حضورة الحضاري إلى 2800 و 1800 قبل الميلاد في منطقة سهل الأنديس بين المحيط الهندي وجبال الهمالايا التي تسمى سقف العالم، بالإظافة إلى ثروة مائية بعدة أنهار من أهمها نهر الكانج وبراهمابوترا..التي تمتد في الأراضي الهندية شرقا وغربا.
من بين مقوّمات الصعود أو مؤهّلات القوّة: مساحة شاسعة تزيد على ثلاثة ملايين كم2 (3.287.263) وهي البلد الثاني بعد الصين من حيث عدد السكان الذي يزيد على مليار نسمة (1.293) ولها حدود بريّة وبحرية مع 14 بلدا في شبه القارة الهندية تزيد على 15 ألف كلم (15.163) كلم وللهند علاقة وثيقة بالحضارة الإسلامية بدأت في القرن الأول للهجرة منذ فتح ما وراء النهر أو ما يسمى بلاد السند وما وراء النهر في النصوص التاريخية القديمة للكتاب والرحالة المسلمين.
وكانت الهند في التاريخ الوسيط مركز تلاقي الطرق التجارية الكبرى عن طريق تجارة التوابل والحرير، وإلى جانب الأغلبية التي تدين بالهندوسية (79.8%) من السكان تمثل الديانة الإسلامية (14.2%) حسب إحصائيات 2011 إلى جانب ديانات أخرى مثل السيخية والزرادشتية التي أوشكت على الانقراض وكانت ديانة فارس (إيران الحالية) قبل الإسلام، وفي الهند الحالية 23 لغة رسمية و4000 لغة أخرى هي لهجات، غير أن لغة الدولة الرسمية هي الهندية بأبجدية خاصة لا علاقة لها بالحروف اللاتينية إلى جانب الإنكليزية.
يظهر اٌهتمام العلماء المسلمين بالهند في الدراسة العلمية الهامة التي قام بها العالم الموسوعي أبو الريحان البيروني في أواخر القرن الرابع الهجري منتصف الحادي عشر ميلادي ولد البيروني في مدينة خوارزم في جمهورية أوزباكستان الحالية، نرى أنه قد يكون من المفيد التعريف بأهم دراسة له مازالت مرجعا موثوقا للعلماء الهنود والمهتمين بماضي الهند القديمة، عنوانها تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذوله قام فيه بدراسة مسحية شاملة وموضوعية عن العقائد الشائعة في الهند وتنظيم العائلة وعادات الأكل والأعياد الهندوسية وخصائص اللغات السائدة، قد لا نبتعد عن موضوع هذه السطور، إذا أشرنا إلى أن هذا العالم الموسوعي قد سبق عصره بقرون عديدة فقد جمع بين عقلانية إيمانويل كانط 1724-1804 ومقولاته عن العقل الخالص وتجريبية ديفيد هيوم 1711-1776 التي جعلت من الحس والمشاهدة المباشرة أساس كل العلوم التطبيقية.
فقد ألف هذا العالم أكثر من 100 كتاب في الجغرافيا والفيزياء والكيمياء والفلك ومن بين آثاره العلمية المعتمدة إلى اليوم إكتشافه لكثافة المعادن مثل الحديد والزئبق واللؤلؤ...
ومن بين الشواهد على حضور الحضارة الإسلامية في الهند القلعة-القصر تاج محل الذي شيّده الإمبراطور المغولي المسلم شاه جهان تخليدا لذكرى زوجته وهو من التحف المعمارية التي جمعت بين فنون المعمار الإسلامي الذي بلغ ذروته في العصور الإيرانية والعثمانية والهندية.
وقد أكّد نائب رئيس جمهورية الهند السيد محمد حميد انصاري الذي زار الجزائر بتاريخ 17إلى19 أكتوبر 2016 أن بلاده لا تستورد شيئا من المواد الفلاحية ولكن اٌستطلاعات بعض المؤسسات الدولية تشير إلى أن الفوارق الطبقية مازالت شاسعة وكذلك تشغيل ملايين الأطفال بأجور زهيدة فقد بقي حسب تلك المؤسسات الممهراجا في كلّ سلطته وامتيازاته وبقي الكثيرون يولدون ويموتون على الرصيف وفي الفقر المدقع Intouchables.
تسارع صعود الهند منذ 1991 نتيجة سلسلة من الإصلاحات الإقتصادية والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية وفي بداية العشرية السابقة 2002 انخفض العجز التجاري إلى 1%  وتزايد النمو في السنوات التالية ليتجاوز الصين ويقترب من رقمين في سنة 2015 وهي على وشك أن تتصدر البلدان الغربية (الولايات المتحدة والإتحاد الأروبي) في تصدير المواد الصيدلانية والسيارات والالكترونيات والبرمجيات وتتقدم بخطى واثقة نحو صناعات الفضاء وخاصة الأقمار الصناعية وقد تمّ في أواخر 2016 إطلاق ثلاثة أقمار صناعية أنجزها مهندسون مختصون جزائريون من قاعدة إطلاق هندية، ومن المعروف أن للهند ما يماثل سيليكم فالي الأمريكي لصناعات الالكترونيات والبرمجيات وهي أكبر منتج للأفلام السينمائية بمعدّل فلم كل يوم.
حول مثلث القوة السابق (الصين-روسيا-الهند) وهي كلها قوى نووية بالإضافة إلى باكستان وربما كوريا الشمالية، تدور مجموعة النمور السبعة المعروفة، ولكن ينبغي أن نشير إلى بلدان صاعدة أخرى في مقدمتها الفيتنام التي سارت على منوال الصين: حزب واحد هو الحزب الشيوعي في البلدين لا تعددية ولا منابر خارج منظومة الحزب (الأعضاء المنخرطون في الحزب الشيوعي الصيني في مختلف درجات المسؤولية هو 80 مليون منخرط كما أخبرني السيد تشانغ ده شيانغ، رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الشعبي الوطني الصيني)، وهناك مؤشرات على أن فيتنام سوف تلحق في العقد القادم بماليزيا وأندونيسيا في مجالات التكنولوجيا المتقدّمة والمركّبات الصناعية وخاصة عن طريق نقل المصانع Délocalisation  والمزيد من الانفتاح على العالم، بعد حربين مدمرتين ضد الاستعمار الفرنسي والتدخل الأمريكي لفصل جنوبه عن شماله، وللتذكير فإن الجزائر ساندت كفاح الشعب الفيتنامي بقوة مباشرة وعلى المنابر الدولية.
وبالتالي يمكن القول بأن الحضارات ليست محصورة في مجال جغرافي واحد ولا تقتصر على فترة واحدة من تاريخ الأمم والشعوب، وبالنسبة للمنطقة العربية والإسلامية التي يصنّف أغلبها في صف بلدان العالم الثالث، ولم تتحرر من التبعية الطوعية أو المفروضة من القوى التي هيمنت عليها ولم تقيم في أغلب الأحيان ما ربحته وما خسرته من جراء تلك التبعية، وهي تغرق بعد استقلال بلدانها في حروب جانبية داخلية تدور حول التشدّد الديني والتطرّف العنيف الذي يصدره البعض منها إلى بلدان شقيقة وقارات أخرى ويسعى بعضها لإضعاف البعض الآخر للتقرّب من قوى أخرى، ليس للدفاع عن مصالح مشروعة بل بإيعاز من قوى خارج المنطقة والهدف إضعاف الجميع من الخبراء والمنظرين المختصين في شؤون الإرهاب يتصدّرون شاشات التليفزيون والمخابر الأمنية في أروبا والولايات المتحدة والجرائد في المشرق والمغرب ويتولون إصدار النصائح والفتاوى على المباشر حول «علم» الإرهاب «وفقه» الجماعات المسلّحة، ومن بينها ما هو شرح مبسط لمقولات المنظرين في غرب أروبا والولايات المتّحدة عن أصل العنف في القرآن والسنة وتاريخ المسلمين.
 أما البعض الآخر من تلك البلدان فهي تشغل رأيها العام بمسائل الحلال والحرام في المأكولات واللّباس، مع أن القيادات المستنيرة من الفقهاء قبل عدة قرون نبهوا إلى أنّ الحلال بيّن والحرام بيّن، أي ما هو حرام يقتصر على كل ما يضر بالشخص ومحيطه ونظام العلاقات التي يقبلها العقل السليم، وما سوى ذلك فهو حلال، وذلك في غياب عدد من منظمات المجتمع المدني في العمق الريفي وحتى في الأحياء الشعبية حول وداخل المدن الكبيرة، التي تنتشر فيها الشعوذة والخرافات.
 هذه الوضعيات التي قلل منها التطوّر السريع في مختلف العلوم خلال القرنين الماضيين في حاجة إلى دراسات سوسيولوجية وخاصة في فروع علم النفس الاجتماعي المعتمد على استطلاعات ميدانية بواسطة الاستبيان ودراسة الحالة case study تساعد على  التشخيص قبل العلاج بالتوعية والتثقيف العام وهي من مهام أهل الذكر والفكر، وليس المتواجدين وراء المتوسط والمحيط بحثا عن الشهرة وانتقاد أوطانهم وأنظمتها بما يرضى أهل الدار في مراكز الدراسات ووكالات الاستطلاع الأمني وغيره، ولو أن للبعض ما يدفعهم لليأس والاضطرار للهجرة بحثا عن الاهتمام والتشجيع، كيف تستفيد بلداننا، والجزائر بوجه خاص، من ذخيرة العلم والخبرة المتوفرة عند النخبة المتواجدة في بلاد المهجر؟ الجواب من باب السهل الممتنع: السهل هو العلاقة الطبيعية مع الوطن الأصلي ولو بعد تعاقب أجيال (مثال الهجرة الصينية إلى مختلف بلاد العالم) والممتنع أو الصعب دور الدولة ومؤسساتها في إيجاد التواصل والاتصال والاشتراك الفعلي في شؤون وشجون الوطن الأصلي.
VI- اٌستراتيجية الوجهين
هناك وجهان للسياسة والدبلوماسية في التكتل الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة: الوجه الأول والأكثر توظيفا يحمل شعارات الديموقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان، وليست كلها مجرد خطاب إشهاري، ففيها ممارسات فعلية بشرط أن لا تمس بالمصالح الحيوية لتلك البلدان، ولحد ما، لا تكون على حساب عضو آخر من التكتّل في قطبية الاتحاد الأروبي (UE) والولايات المتحدة وحلفائها في القارات الخمسة تُسمى الواقعية السياسية Real Policy.
أما الوجه الآخر فهو يتمثّل في اليمين السياسي والديني الذي يتغلغل بقوّة في مفاصل الدولة والمجتمع فقد حاصر الأحزاب الشيوعية وقضى على بعضها نهائيا، ومن المفارقة أن النظرية الماركسية نشأت في أهم البلدان الغربية وهي ألمانيا أين صدر أول مؤلف لكارل ماركس بعنوان رأس المال Das Kapital 1867 وبريطانيا، وفيهما نشر ماركس مؤلفه الشهير وإعلانه المسمى المانفيسيت، وتنبأ بأنها ستكون من البلدان الأولى التي ستنشأ فيها سلطة البروليتاريا، وليس في المجتمعات الفلاحية مثل روسيا القيصرية، أما الجزائر التي زارها وأقام لمدّة في مدينة بسكرة لغرض التداوي 20 فبراير 1882-2 ماي 1882، فهي لا تدخل في أي تصنيف لأنها أمة في طور التكوين، ولم ير ماركس  شيئا من البؤس الذي كان عليه المجتمع الجزائري.
ومن المعروف أن الحزب الشيوعي ممنوع بالقانون والعضوية فيه تعني الخيانة للوطن والمحاكمات والتصفيات السياسية الشهيرة المعروفة في عهد الماكارثية (Mc carthyism) التي حصدت العديد من ضحايا الرأي والانتماء السياسي وأحيانا بمجرد الشبهة بين 1950و1956 فهي تعتبر صفحات سوداء في تاريخ الولايات المتحدة، وبالإضافة إلى التعديلات العشرة التي تحمل عنوان قانون الحقوق Bill of Rights هناك إلزامات الدفاع عن الوطن Patriot act الذي يؤدي إلى إلزام وسائط الإعلام والمؤسسات الأخرى بالتأييد المطلق لسياسات الرئيس السابق بوش الاٌبن.
أما داخل أعضاء الاتحاد الأروبي قبل وبعد انسحاب بريطانيا من المجموعة بما يسمى الخروج  Brexitفإن أحزاب اليمين تزداد يمينية وكراهية للآخر، والمقصود الجاليات من أصل غير أروبي، وخاصة إذا كانوا من المسلمين والعرب، تيارات تمزج بين العداوة للإسلام (Islamophobie) والعنصرية وذاكرة الصراع القديم بين الإسلام والمسيحية في زمن الحروب الصليبية والملاحظ أن البابا الحالي يغلب نشاطه السياسي باٌسم المسيح عليه السلام على نشاطه الروحي، كما فعل سلفه البولندي الذي ساهم في تغيير النظام في بولنده وتفكيك الاٌتحاد السوفياتي.
وتتوجه أغلب التيارات الحزبية التي تحمل عنوان الاشتراكية الموصوفة باليسارية إلى الخطاب المزدوج ومنافسة اليمين في يمينيته في كثير من سياساته، فقد تمّ قمع كل الانتفاضات ضدّ التوجهات اليمينية وطغيان الرأسمالية المتوحشة في إسبانيا وفرنسا وحتى في الولايات المتحدة في حركة ما يسمى اٌحتلوا وول ستريت (Occupy Wall street)رمز سلطة رأس المال والشركات العملاقة والاقتصاد النقدي والنفوذ العالمي للدولار، وقد تمّ التضييق عليها وخنقها وساهم الإعلام القوي في تشويهها، كما تنتعش وتزداد قوّة حركات سياسية دينية مثل حزب الشاي Tea party في الولايات المتحدة وحزب النجوم الخمسة في إيطاليا.
خلاصة:
إن التوجّه العام في عالم اليوم هو بناء الجدران وغلق الأبواب على الفقراء كما هو الحال في التعامل مع المهاجرين بلا رحمة، في أغلب بلدان أروبا الغربية، وخاصة أروبا الشرقية باٌستثناء ألمانيا، وربما لتبييض السواد الذي شاب تاريخها في العهد النازي، ويظهر ذلك بوضوح في شعارات الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الجديد المعادية للمهاجرين وإعلانه عن بناء جدار على الحدود الأمريكية مع المكسيك بمئات الكيلومترات، تدفع ثمنه المكسيك.
 إن المسؤولية لا تقع على أروبا المنغلقة على نفسها وحدها لحماية رفاهيتها، إن المسؤولية تقع أيضا على البلدان مصدر الهجرة التي اشتغلت نخبها بالصراعات الجانبية وتناست دعائم الحكم الراشد، وشروطه الأساسية هي الحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم والمراهنة الجسورة على مستقبل تصنعه بعقول وسواعد أبنائها.
إنتهى

الخلقة الأخيرة

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018