مع الباحث دغبار عبد الحميد : «ثورات التّغيير السّلمي والإصلاح الشّامل الدّيمقراطي في الوطن العربي..المسار والعوائق»

الحركة الفكرية العربية وجها لوجه مع الجيوش

تقديم: عبد الرحمن عزوق

ضمن منشورات دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، صدر كتاب بعنوان «ثورات التّغيير السّلمي والإصلاح الشّامل الدّيمقراطي في الوطن العربي...المسار والعوائق» للأستاذ دغبار عبد الحميد.يقع الكتاب في (204) صفحة، الحجم (٢٤ X 5 ، 16)، ويضم مقدمة في (25) صفحة للدكتور العيد حداد تساعد القارئ على فهم مضامين الكتاب، وفصلا تمهيديا وأربعة فصول وملاحق، وقد جعل الفصل التمهيدي الأساس النظري للبحث، أما الفصل الأول فجاء بعنوان: الدول العربية تجربة ناجحة في العمل العربي التوافقي، بينما جاء الفصل الثاني بعنوان: جامعة الدول العربية، مسار وتحديات، في حين حمل الفصل الثالث عنوان: جامعة الدول العربية، ظلال الماضي وآفاق المستقبل، أما الفصل الرابع فقد جاء بعنوان: استنتاجات وملاحظات عامة واجتهادات في اقتراح الحلول، وتندرج تحت هذه الفصول الأربعة عدّة مطالب، وأحيانا مطالب وفروع، حسب طبيعة الفكرة المعالجة.
عالج الباحث عبد الحميد دغبار في هذا الكتاب القيم أربعا وثلاثين (34) فكرة أساسية، وثلاثمائة وست وتسعين (396) فكرة جزئية، وهذا مجهود كبير جدا يشكر عليه.
ويقول صاحب مقدمة الكتاب القيّمة الدكتور العيد حداد: «وكما عوّدنا الكاتب دوما في كل الدراسات العلمية والبحوث الأكاديمية التي يعدّها، لا يترك كبيرة ولا صغيرة لها علاقة بموضوع بحثه، إلا وعرضها، وهذا ما وقفنا عليه في كتابه هذا، حيث واصل الحديث في هذا الفصل الأول، طارحا ما رآه قابلا للطرح من مشاهد وصور، ودارسا ومحلّلا من زوايا مختلفة وبمنهجية دقيقة...».
اعتمد الكاتب على أربعة وستين (64) مرجعا بين كتاب عام وبحث ودراسة ومقال، جعل منها مدار البحث الذي أقام منهجه على ما أفاده من مجموعة من المناهج التي شكلت منهجا تكامليا، يتحدّث الباحث عن جوانب متعدّدة في الوطن العربي ومنطلقاته، من خلال جامعة الدول العربية النظرية وطروحاتها الفكرية، على الصّعيدين الإقليمي والدولي، ويورد لذلك نماذج من آراء الكتّاب العرب الذين خصّصوا كتبا كاملة لهذه الهيئة العربية الهامة، في مختلف مجالات الحياة السياسية في الوطن العربي، ولماذا يخشى الأعداء الوحدة العربية، ثم يربط ذلك بالظروف التي تمر بها الأمة العربية، حين وجدت نفسها في حاجة إلى قائد يوجه سيرها نحو الأمان والاطمئنان، ومن ثم استعادة مكانتها الرائدة بين الأمم.

ثورات التّغيير السّلمي والإصلاح الشّامل الدّيمقراطي في الوطن العربي

والحديث عن ثورات التغيير السّلمي والإصلاح الشامل الديمقراطي في الوطن العربي، حديث عن مستقبل هذه الأمّة، ومن ثم الحديث عن الحياة الجديدة للعرب كافة، وعلى هذا الأساس خصّص الكاتب عبد الحميد دغبار أكثر من ثلاثمائة صفحة للحديث عن هذا الموضوع بأسلوب لا مبالغة فيه. وظلّت مسألة الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، تشغل ذهن الكاتب؛ لذا فهو يشير إلى ذلك في أكثر من مكان في هذا الكتاب، باعتبار هذه القضايا الثلاث من المسائل بالغة التعقيد، وتبقى في حاجة إلى الرعاية من طرف الجميع، كلٌّ من موقعه وبالممارسة السليمة لها، ولأن هذه المسائل الثلاث مسائل إنسانية، في الوقت الذي هي مسائل سياسية كبرى، وهي مسائل مركزية في سياسة كل الأنظمة الديمقراطية؛ ولذلك يؤكّد الكاتب على أهمية إيجاد التقاليد الديمقراطية على مختلف المستويات، بالمناقشة الديمقراطية والنقد والتصويب، وطرح الآراء دون قيود تؤثّر على حرية التعبير.
أن تعرض مثل هذا الكتاب المتميز، وتفي القارئ حقه، يعني أن تبذل جهدا كبيرا، ومع ذلك، فإن هذا الجهد قد يجيء دون المطلوب، لغزارة أفكاره وتنوّعها، وتحتاج كل فكرة منها إلى صفحة كاملة أو أكثر؛ ولذلك أصبح لزاما عليّ أن أقول إنّ هذا الكتاب يحتاج إلى قراءات متعدّدة، ولا تكفي قراءة واحدة، وأنصح القارئ الكريم بالرجوع إلى الكتاب الذي سيجد فيه ما يروي شغفه. والكاتب دغبار عبد الحميد يعمد في هذا الكتاب إلى التعريف بجامعة الدول العربية تعريفا شاملا بالتحليل والوقائع وبالمناقشة، من خلال الإجابة عن أسئلة كثيرة، وضعها الكاتب في ذهنه، ومنها على سبيل المثال: حفظ السلم والأمن، أي دور للجامعة؟
وماذا عن الفشل المسجّل؟ وماذا عن المعوقات والحلول؟
هذه الأسئلة، وغيرها، أجاب عنها الكاتب في هذا الكتاب الهام جدّا إجابة كافية.
إنّ قراءة أولى في كتاب من هذا النوع يمتاز بغزارة الأفكار وتنوّعها، كما قلت، أمر صعب، فمن الصعب أن أعطي هذا الكتاب حقه في قراءة واحدة، وقد شعرت بهذا في بداية تسجيل هذه السطور.
لقد أمضيت ساعات لقراءة الكتاب، لم أترك فقرة واحدة، إلا وتوقّفت عندها، وبعدها انتهيت إلى هذه القراءة الأولى المتواضعة. إن الكاتب عبد الحميد دغبار موفّق في كتابه هذا إلى حد كبير، وأملي كبير في أن يوزّع في جميع البلدان العربية.
والسّؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف تأتي لهذا الكتاب القيّم الذي يعتبر من أهم الكتب التي تناولت جامعة الدول العربية، أن يصبح مطلوبا، وأن يتحوّل إلى مرجع يرجع إليه الباحثون؟
للإجابة عن هذا السؤال أقول: إنّ ميزة هذا الكتاب النوعي، تكمن في أنه يتناول هيئة لها دور كبير في العمل العربي التوافقي، والحفاظ على مظلّة العروبة الجامعة، وهذه الميزة تجعله مطلوبا. إنّني أشعر، وأنا أخطّ هذه السّطور، أمام عدة كتب في كتاب واحد، فأنا مثلا، لو كنت بصدد عرض كتاب واحد له ميزة واحدة، لكتبت عنه دون صعوبة، ولكن وجدت نفسي بصدد عرض كتاب من هذا النوع، وجدت أمامي عددا من الكتب في وقت واحد ولكاتب واحد، لكثرة الأفكار القيمة وتنوعها.
قرأت الكتاب باهتمام كبير؛ لأنه يطرح رؤية واعية متفتّحة لدور جامعة الدول العربية وأهميتها، خاصة في الظروف الحالية، واتّضح لي أنّ مؤلّف هذا الكتاب صاحب فكر نيّر وواع بمشكلات الأمة، ومتطلّع لوحدتها، فلا يقدّم في كتابه هذا النصائح والمواعظ؛ وإنما يحلّل ويرسم الطّريق عبر فصول الكتاب الهامّة، معتمدا على ركائز قوية، أهمها إيمانه بقدرة أمّته والتزام منهج الباحثين الأكفاء، وهو أيضا من الجنود الفاعلين والطّليعة المقدامة التي تحمل أخلاقيات جامعة الدول العربية. ويستعرض الكاتب الأسباب التي أدّت إلى ضعف الأمة في ميادين شتى، وأولها تقاعس العرب عن أداء واجبهم وابتعادهم عن الطّريق الوحدوي، الأمر الذي أدّى بهم إلى تخبّطهم في مسارات الحياة وتشتّتهم، وسيطرة بعض الحكام ضعفاء النّفوس على شعوبهم.
ينادي الكاتب ابتداءً من مطالب الفصل الأول بالتغيير السّلمي والإصلاح الشامل الديمقراطي، وينادي الحكومات العربية، بانتهاج السلم والديمقراطية، ويحدّد طريقة عملها، ويشترط وجوب أن تكون مسيرتها سلمية؛ لأن السلم أفضل عاقبة، السلم دائما قولا وفعلا، وفي كل موقع، مع كل الناس؛ لأنّ السّلم ضمان بقاء المبادئ التي أنشئت جامعة الدول العربية من أجلها، هذه المبادئ واجبة بين أعضاء المنتمين إليها؛ إذ يتحتّم عليهم أن يكونوا على وفاق دائم فيما بينهم. إنّ الذين كتبوا عن جامعة الدول العربية فريقان...فريق قدحها وفريق مدحها، لكن العرب خسروا مع الاثنين، وهذا ما دعا الكاتب عبد الحميد دغبار، في نظري، إلى أن يكتب عنها، لقد كانت كتابته عنها تحديا لكل أنماط التحامل عليها، والكذب على هذه الهيئة المضيئة في المسيرة العربية الحديثة.
لقد أدّت جامعة الدول العربية دورا كبيرا في إبطال مخطّطات أعداء وحدة الأمة، في تشويه قاعدة النهوض القومي في البلاد العربية للتقليل من أهمية المكاسب التي حققتها جامعة الدول العربية، فبسبب الطبيعة العنصرية لدعاية أعداء الوحدة وتوجّهها للنيل من الوحدة العربية، واستخدام ناكري الجميل الذين تمتّعوا بخيرات البلاد العربية وتنكّروا لها، للقيام بكتابات التضليل والتشكيك؛ فإنّها تلتقي مع أدوات تنفيذ مخطّطات الأعداء لإيقاف عجلة النمو والازدهار في البلاد العربية، مثل شنّ الحرب على أكثر من بلد عربي وضرب منشآته المدنيّة والاقتصادية، الذي جاء منسجما مع مخطّطات هؤلاء في تدمير ما أحرزه العرب من تقدم اقتصادي واجتماعي، ولتعزيز هذا الجانب، أي التكامل الاقتصادي بين الدول العربية يذكّر الكاتب بموقع البلاد العربية وشساعتها، وتوافر خيراتها وتنوعها، الأمر الذي يحتم على أبنائها الاهتمام بتلك الناحية، والاعتماد على أنفسهم، لا على الأجانب، كما هو واقع الآن، لتكون حاجاتهم من إنتاجهم المحلّي، ولكن كما يستنتج من الكتاب، يتطلب ذلك تشجيع الأعمال والصناعات المحلية والقومية.
ويستنتج من مضامين الكتاب، أيضا، أن الباحث عبد الحميد دغبار يشترط أن يكون البناء القومي العربي سليما قويا، لا شائبة فيه، مع إعطاء الحرية الكاملة للشعوب العربية، كي تنتخب قيادتها انتخابا ديمقراطيا، حتى لا يتحول مسؤولوها إلى استبداديين.

حركة قوميّة واحدة، تقف في وجه أعدائها كالبنيان المرصوص

ويفهم من مضامين الكتاب أن العمل الجاد، يجب أن يبذل لأجل أن تصب كل القوى الفاعلة، من جمعيات وأحزاب وهيئات أخرى، في تيار واحد عام، تنصهر في بوتقة نضالية واحدة، فتكوّن حركة قوميّة واحدة، تقف في وجه أعدائها كالبنيان المرصوص، تقاوم كل المؤامرات.
ولكي يتحقّق ذلك، لا بدّ من وضع منهاج عمل دقيق ومراحل عملية مدروسة.
ولا شك في أن القضايا التي تطرّق إليها الكاتب، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، قدمت الكثير من الأضواء الإضافية لحاضر العرب ومعاناتهم، على أكثر من مكان من البلاد العربية؛ الأمر الذي يجعل هذا الكتاب مساهمة نوعية في إيقاظ الوعي العربي، واستشعار المسؤولية، ووضع العربي في صورة إخوانه في الانتماء؛ كما يعتبر الكتاب دليل عمل يمكن أن يؤصّل أكثر مستقبلا، إن هذا الجهد الكبير للباحث عبد الحميد دغبار، قد ضمّن له مكانا محترما بين كتّاب الفكر السياسي؛ الأمر الذي يجعلنا نشد على يديه، طالبين منه المزيد.
وعلى سبيل الختام، إنّ هذا الكتاب يدخل في إطار الحركة الفكرية العربية التي لا ندّعي أنّها حركة مترفة، ولكنّنا نقول إنّها حركة فكرية مناضلة تقتحم الأسوار، وتقاتل جنبا إلى جنب مع أفراد الجيوش العربية ضد الأعداء.
وإذا كان الجندي العربي يقاتل العدو على الجبهة من الجبهات العربية بالبندقية، فإنّ رفاقا له يقاتلون في ساحات الوطن العربي بالكلمة وبالفكر، وهذا الكتاب يدخل في هذا الإطار؛ لأنّه يتعامل مع هذا الموضوع المتشعّب من منظار قومي، ويسعى لإيصال كلمة الحق والعدالة والحرية إلى كل عربي في الأقطار العربية،

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018