عن «جدار برلين» الوهميّ بين الأدبيّ والعلميّ

أسامة إفراح

هنالك اعتبار سائد بأنّ دراسة العلوم الإنسانية ضرب من ضروب المتعة والترفيه الفكري، على عكس العلوم الطبيعية والتجريبية التي تعتبر ضرورة لتقدّم البشرية العلمي. دراسة الطب مثلا تتطلّب تحضيرا شاقّا في العلوم الدقيقة التي تحتاج إلى إبداع وابتكار، على عكس العلوم الإنسانية المبنيّة على الحفظ والتكرار..ولكن، ماذا لو قلنا إن العديد من مدارس وكليات الطب في الولايات المتحدة الأمريكية تشترط، من أجل الالتحاق بها، سنة دراسية في الأدب الإنجليزي؟ ثمّ، هل هذا التشاحن / التنافس بين العلوم الإنسانية والطبيعية مستجدّ، أم أنه وليد مسار تاريخي؟
كثيرا ما نسمع بدروس وورشات أدبية، تحمل عناوين مثل «كيف تصير كاتبا؟»، أو «كيف تكتب رواية أو قصة؟»، وكأنّها تسوّق لقوالب جاهزة من الكتابة والتفكير..وعلى العكس تماما، يُنظر إلى كلّ ما يتصل بالعلوم الدقيقة على أنه رياضة عقلية وابتكار وإبداع وإمعان في الخيال، وأن النهوض بمقدّرات الأمة إنما يكون بالتركيز الحصري على هذه المجالات، وهي النظرة التي كثيرا ما انعكست في تصريحات مسؤولين، بل وفي تصريحات أهل الأدب والإبداع أنفسهم.
ولكن، ماذا لو كانت نظرتنا إلى هذه العلوم خاطئة؟ وماذا لو كانت المقاربة التي ندرّس بها العلوم الإنسانية والتجريبية خاطئة أيضا؟ ماذا لو كان تدريس العلوم الإنسانية على أنها مجرّد حفظ وتكرار واسترجاع، لا نقد وإعمال فكر، مقاربة خاطئة؟ وماذا لو كان الفصل بين خصائص ما هو أدبي وعلمي، بدل الجمع بينها والاستفادة منها، تجنّيا على الأدبي والعلمي معا؟

«الأدب في خدمة الطب»

في هذا الصدد، لفت انتباهي مساهمة كاسي كوساريك، نشرها الموقع الأمريكي «يو أس نيوز» قبل أيام، جاء فيها أن معظم كليات الطب تطلب التعرض للأدب، وهو ما يمكن أن يساعد في تطوير عين ناقدة ومهارات بحثية. كما أن الطلاب المبتدئين سيواجهون في دورات الأدب أفكارًا وثقافات ووجهات نظر جديدة عليهم.
وأشارت كوساريك إلى أن معظم الناس، حينما يسمعون مصطلح «فصول ما قبل الطب»، يفكرون في دورات الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا التي تشترط كليات الطب على الطلاب إكمالها قبل التسجيل، ولكن الحقيقة، المفاجئة لكثيرين، هي أن معظم هذه الكليات والمدارس تشترط أيضًا إكمال عام من الدروس الجامعية في اللغة الإنجليزية (في الجامعات الأمريكية يمكن التسجيل في مقياس معيّن بشكل مستقلّ ودراسته والنجاح فيه وهو أمر غائب في جامعاتنا). وقد يكون ذلك مفاجئا لكون التكوين الجيد في المواد العلمية يبدو منطقيا في حال اختيار مسار علمي مثل الطب، فيما تبدو أهمية بناء أساس متين في العلوم الإنسانية أقل وضوحًا لطلاب الطب المستقبليين.
وتشرح كوساريك سبب أهمية العلوم الإنسانية عموما والأدب على وجه الخصوص، بالنسبة لطلّاب الطب، فالمشاركة في دروس الأدب على مستوى الجامعات تعزّز مهارات الطالب (الطبيب والباحث المستقبلي) التحليلية، وتعزّز القدرة على فهم وتوليف وتلخيص النتائج في البحوث الأخرى، وتقدم الفرص لتوسيع وجهة النظر حول القضايا الاجتماعية والعاطفية والاقتصادية.
وتلخّص كوساريك فوائد التسجيل في دورة دراسة الأدب فيي ثلاثة أسباب: فهي تساعد على تطوير عين ناقدة، وتعلّم الطالب كيف يكون باحثًا، وتعرضه للأفكار والثقافات والآراء التي قد تفوته.
أما تطوير الرؤية النقدية، فهو يُعزى إلى تمحور دورات الأدب حول التفسير والتأويل، وعلى عكس دورات العلوم، التي تتطلب حفظ الحقائق والمبادئ ومعالجتها، فإن فصول الأدب تتطلب تحديد ما يقوله المؤلف، وما لا يقوله، وفهم النصّ بشكل يتجاوز ما هو أمام القارئ مباشرة على الصفحة.
وتقول كوساريك: «بالاعتماد على تجاربك، والنصوص الأدبية الأخرى والعدسات متعددة التخصصات، تتطلب دورات الأدب استعمال عدسة مكبرة على جملة ــ أو حتى كلمة ــ مع الوصول في الوقت نفسه إلى مساحة شاسعة من الأوساط الأكاديمية والثقافية. في أي مجال آخر، لن تجد نفسك تتعامل ليس فقط مع المواد الدراسية الموجودة، ولكن أيضًا مع السياقات الفلسفية والاجتماعية والنفسية والأنثروبولوجية والتاريخية والاقتصادية التي تعيش فيها هذه المواد». وقد يساعد تعزيز المهارات التفسيرية بهذا الشكل على فهم الحالات السريرية المعقدة التي سيقابلها الطبيب.
وبالنسبة للنقطة الثانية، فإن الباحث الجيد يجب أن يعرف كيفية استخدام معدات المختبر، وتحليل الأرقام، وتلخيص البيانات. وبما أن كل الأبحاث الجديدة مبنية على تراكمات الأعمال المنجزة سابقا، فإن القدرة على فهم وتلخيص مجمل الدراسات السابقة أساسية للمساهمة في تقدم أي مجال معين.
أما فيما تعلّق بالنقطة الثالثة، فإن الطبيب سيقابل خلال مزاولة مهنته العديد من المرضى والزملاء الذين تتناقض وجهات نظرهم مع وجهة نظره. وجزء من كونه طبيبًا جيدًا هو القدرة على الإجابة على وجهات النظر المتناقضة بتعاطف وانفتاح، مع الاهتمام والإحساس بالسياق الثقافي الذي نشأ فيه هؤلاء.

تراتبية العلوم..صراع على الرّيادة

قد يرى البعض أن كلام كوساريك أمْيلُ إلى الخطاب الترويجي لدورات تدريبية بجامعتها، كما قد يستشهد البعض الآخر بأمثلة تدعم هذا الخطاب، على غرار لويس كارول (واسمه الحقيقي تشارلز لودفيج دوغسون) مؤلف «أليس في بلاد العجائب»، الذي كان أستاذ رياضيات بجامعة أوكسفورد، أو جول فيرن الذي غاص في أعماق الفيزياء والجغرافيا والجيولوجيا وعلم الفلك، رغم أنه بعيد عنها، ليعطي مصداقية أكبر لكتاباته في الخيال العلمي، أو مالك بن نبي الآتي من تخصص الإلكتروميكانيكا، بعد أن رُفض ترشحه لمعهد اللغات الشرقية دون أسباب واضحة.
كلّ هذه أمثلة صحيحة وقيّمة، ولكن الأمر أعمق من هذا بكثير، لا ولعلّه يتعلّق بتاريخ العلوم والمعرفة في حدّ ذاتها، والتراتبية التي نشأت بين العلوم والتخصصات داخل المنظومة المعرفية.
في هذه الطريق يسير مايكل كان، حينما يرى بأن النظام الداخلي للمعرفة، الذي احتلت فيه الفلسفة الرتبة الأولى طويلا، سيكون دوما موضوع جدل وخلافات، كونه يحدّد أيضا حالة العمل العلمي. ويقدّم مصطلح «العلوم المساعدة» تعدد التخصصات على أنه حالة استعباد، لأنه يصوغ العلاقة بين العلوم وكأنها علاقة بين سيد وعبد. ومقابل هذا المصطلح، نجد «العلوم المستقلة» الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، حينما ارتسمت معالم التمييز بين «علوم عليا» أو «أسمى» ومجرد مجاميع بسيطة من المعرفة، كما يقول هيغل في موسوعته للعلوم الفلسفية.
ويرى «كان» أنه، على عكس ما كان في السابق من «احتقار يكنّه الباحث في العلوم الإنسانية لنظيره في العلوم الطبيعية»، نشهد اليوم شكوى الأول من ازدراء الثاني له، وكثيرا ما يبحث عن تأكيد شرعيته في عالم تحكمه التقنية أكثر فأكثر. ويعتبر مايكل أن الصراع اليوم هو على احتلال الصفّ الأول في المعرفة، وأن العلوم الإنسانية تناور من موقع ضعف. ويخلص مايكل كان إلى أن السؤال المجرد للأولوية الواجب إعطاؤها للثقافة الأدبية أو الثقافة العلمية، والذي يتصور هاذين النموذجين على أنهما غريبان عن بعضهما البعض، هو سؤال يجب التغلب عليه بمنظور يفهم الخطابين على أنهما نموذجان، لم ينفصلا أبدا بشكل تام، لإنتاج المعنى. وبذلك، وجب «التحرر من قيود اقتراح هيراركية (تسلسل هرمي) للمعرفة والبحث عن قواعد لإنتاجيتها (أي المعرفة) الداخلية».
في الأخير، نقول إنّه مهما تعدّدت الرؤى والقراءات، فالجليّ هو أنّ عهد الدراسات البحثية أحاديّة النظر قد ولّى، وشُرع الباب أمام الدراسات متعددة التخصصات، التي تجمع بين مختلف الأدوات والمقاربات والمدارس، من أجل الوصول إلى نتيجة علمية أكثر دقّة وموضوعية، ولا يتأتّى ذلك إلّا بهدم «جدار برلين» الوهمي بين مختلف التخصّصات. من جهة أخرى، صار جليّا الدور الذي يلعبه المُعطى الثقافي في فهم الظواهر وتفسيرها، وهو أمر إن نحن غفلنا عنه، فاتنا خير كبير، وأوغلنا أكثر في التخلّف العلمي.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18325

العدد18325

الأحد 09 أوث 2020
العدد18324

العدد18324

السبت 08 أوث 2020
العدد18323

العدد18323

الجمعة 07 أوث 2020
العدد18322

العدد18322

الأربعاء 05 أوث 2020