أمام ضعف التخزين مقابل تحسن الإنتاج

إلى متى تبقـى الجزائــر أكبر مستورد للحبـوب؟

سعيد بن عياد

 «للديوان المهني للحبوب مسؤولية في التحوّل من مجرّد زبون، إلى متعامل كامل بصفة شريك في إطلاق مشاريع مندمجة، إنتاجية وتخزينية تشاركية، حتى يمكن تحقيق الأهداف المالية والتسويقية والإنتاجية، وبالتالي تعزيز خيار انجاز الاستقلال الاقتصادي «
معضلة التخلّص من التبعية لأسواق الحبوب العالمية لا تزال تؤرق القائمين على تسيير الخزينة العمومية في ظلّ اختلال معادلة الوفرة المحلية مقارنة بحجم الطلب المتزايد لعوامل عديدة، منها النمو الديمغرافي والاحتياجات المرتبطة بالصناعة التحويلية التي تدخل في خانة تأمين الغذاء. ومرّة أخرى يخشى أن تضيع محاصيل معتبرة من الحبوب التي تحقّقت في مسوم فلاحي ايجابي تميز خاصة بتحسن مؤشرات إنتاج الحبوب المختلفة، وبالذات مادة القمح بنوعيه اللين والصلب، وذلك بالنظر لضعف القدرات التخزينية بالرغم من تخصيص الدولة لهذا الفرع موارد وبرامج لا تزال نتائجها محدودة وفي بعض المناطق أقل بكثير من المتوقّع.
أكثر من هذا تشتم رائحة فساد كريهة تنبعث من قطاع حيوي يستنزف موارد بالعملة الصعبة، تجد فيها بلدان لا تزال تهيمن على السوق الجزائرية للحبوب مصدر استرزاق وفيرة، ولا يبدو أنها تقبل التفريط فيها ولو بعرقلة كل مساعي التخلص من التبعية عن طريق تحريك وسائل وأدوات في المنظومة الاقتصادية وبالأخص الفلاحية. ويتوقّع أن يبلغ إنتاج محاصيل الحبوب هذا الموسم أكثر من 60 مليون قنطار (لا يزال مشكل التحكم في الأرقام ودقتها محل نقاش) وهو رقم قياسي يتطلب المتابعة والمرافقة على مختلف مستويات السلسلة الإنتاجية وبالأخص التخزينية منها ويتعلّق الأمر هنا بمدى إمكانيات توفير صوامع التخزين والمطامير، خاصة في مناطق بعيدة على امتداد شساعة الأراضي الفلاحية.
في هذا الإطار من المفيد أن تسلط الأضواء على ملف مشاريع انجاز مواقع تخزين الحبوب في ضوء ما يثار بشأن ممارسات تمّت أو تتم حولها من جهة وحجم التأخر الزمني في تجسيدها من جهة أخرى. كما أن الخيارات المطروحة لإنجاز الوحدات سواء بالإسمنت المسلح أو الفولاذ، تتطلّب أيضا توضيحات حتى يدرك عالم زراعة الحبوب الحقيقة في الميدان، فيمكن إثرها إعادة رسم التوجهات وضبط الأهداف. إلا أن السرعة التي يسير بها مسار الإنتاج مقارنة بسرعة إنجاز البنية التحتية للتخزين تعرف تفاوتا معتبرا يستدعي تكثيف العمل بني مختلف الشركاء والمتدخلين لتقليص هامش الفارق في ظلّ محدودية قدرات التخزين إلى حوالي 30 مليون قنطار منها 17 مليون على عاتق الديون المهني للحبوب، الذي أصبح يتطلب إعادة تنظيم وفقا لخيار هيكلة ذات أبعاد اقتصادية تتطابق مع واقع التحديات الراهنة.
ومن شأن مراجعة طبيعة وهوية المؤسسة لتأخذ طابع المدرك للصعوبات المالية ومن ثمّة المساهمة الايجابية في المجهود الوطني لترشيد النفقات عن طريق تقديم الإضافة المطلوبة في تنمية القدرات الوطنية، سواء في إنتاج وتخزين ثروة توصف بسلاح الغذاء وتستعمل في دواليب العلاقات الدولية بنفس قوة المحروقات والأدوية. وبهذا الخصوص فإن للديوان مسؤولية ليتحوّل أكثر من مجرد زبون لدى الفلاحين والتعاونيات أو وسيط في معادلة الحبوب، إلى متعامل بصفة شريك في إطلاق مشاريع مندمجة، إنتاجية وتخزينية تشاركية، حتى يمكن تحقيق الأهداف المالية والتسويقية والإنتاجية، وبالتالي تعزيز خيار انجاز الاستقلال الاقتصادي والتحرر من التبعية المفرطة لبلدان تراقب سوق الحبوب المحلية وتترصد لكل مسعى ترى فيه خطرا على مصالحها.
إن مثل هذه المؤسسات التي تتعامل بحكم المهمة المنوطة بها بالعملة الصعبة، لا ينبغي أن تستمر في العمل كجهاز بيروقراطي تقليدي، كأنه منعزل عن المنظومة الاقتصادية وتحدياتها المالية، وإنما يمكنه، بل يجب، أن يعيد التموقع في المشهد الفلاحي كمحرك ومحفّز للرّفع من القدرات الوطنية في الإنتاج  والتخزين، غير أن هذا الطموح يحتاج في الأساس، إضافة إلى تصويب السياسة المنتهجة في هذا النشاط الحيوي، إلى موارد بشرية لديها قناعة راسخة بضرورة تغيير الصورة النمطية من ذهنية زبون إلى متعامل يجيد حساب أموال الدولة الموضوعة تحت تصرفه، من خلال التعامل مع السوق بأكثر مبادرة نحو معالجة انشغالات المنتجين المزارعين، سواء في تنمية توفير البذور الجيدة إلى تخزين المحاصيل مرورا بالمساهمة في الاستصلاح والتجهيز بوسائل الإنتاج أو قدرات الجمع والتخزين.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18126

العدد18126

الأحد 15 ديسمبر 2019
العدد18125

العدد18125

السبت 14 ديسمبر 2019
العدد18124

العدد18124

الجمعة 13 ديسمبر 2019
العدد18123

العدد18123

الجمعة 13 ديسمبر 2019