جمال عاصمة الهضاب يلهم مبدعي الملحون

أغنية السراوي قاعدة الشعر الشعبي بسطيف

سطيف: نورالدين بوطغان

لاشك أن ولاية سطيف، المشهورة ثقافيا بالأغنية السطايفية المحبوبة في الأعراس على المستوى الوطني، لطابعها الراقص والمميز، الشيء الذي يستوجب على هذا الفن العريق مواكبة العصر والحفاظ على قيمته ومكانته، باعتباره رافدا أساسيا من روافد هذه الثقافة المتجذّرة في أعماق أهالي عاصمة الهضاب.

الغريب أن العديد من شعراء الملحون ينتشرون في ربوع الولاية، إلا أن الجهات المعنية لم تفكر يوما في لمّ شملهم، واستحداث فضاء ثقافي يجمعهم في مهرجان ولو بطابع محلي، وهذا ما ينقص هذه الفئة لصقل مواهبها أكثر.
ولعل قصة الشعر الملحون بسطيف، والمرتبط بالأغنية السطايفية يتجلّى بوضوح، ومنذ الزمن الغابر، من خلال طابع أغنية السراوي التي تشتهر بها عاصمة الهضاب، وهو النوع الغنائي الذي يؤدّى في الحفلات والمناسبات، ويعرف بـ«العيطة السطايفية”، يتميّز بمواويله المؤثرة وهو فنّ عريق بسطيف ومناطق من الأوراس الجزائري، وقيل إنه يعود إلى القرن 12 الميلادي، حينما جلبه معهم العراقيون في رحلاتهم إلى بلادنا، كما قيل إنه فن غنائي لمنطقة المغرب العربي، وهناك من يقول إنه فن جلبه بنوهلال الذين استقرّوا بسطيف. وتؤدي هذا النوع من الغناء النسوة والرجال، فإذا قالت المرأة عبارة موزونة شعريا بألحان العيطة والموال، فإن الأخرى في الجهة المقابلة تردّ عليها بعبارة غنائية من نفس الوزن الشعري، لينطلق الحشد النسائي الحاضر الحفل في إعادة ترديد الأشعار الملحّنة، وينطبق نفس الأمر على الرجال. وعادة ما تتناول أشعار الغناء السراوي مواضيع الحب، والشوق، والغزل، والحقول، باعتبار المنطقة تشتهر بزراعة الحبوب، كما تتناول أفراد الأسرة مثل الأب والأخ والأم وخاصة الخال، حيث تكثر كلمة ياخالي في الأغنية السطايفية القديمة والحديثة، حيث يمكن القول إن أغنية السراوي تشكل قاعدة الشعر الملحون بالمنطقة والنواة الصلبة له.
وتتميز سطيف بعديد الحكايات والحقائق التي تعكس الحس الفني لسكان المنطقة، من بينها حكاية تلك المرأة التي اتّخذت من السراوي سبيلا لها للتعبير عن ما في داخلها من حزن، حيث كانت حاضرة في حفل زفاف، وطلب منها أن تؤدي أغنية من هذا النوع أي السراوي، وكانت حالتها النفسية ليست على ما يرام لفقدها زوجها، إلا أنها أمام الإلحاح، نظمت عبارات موزونة أكدت من خلالها اعتذارها لأن حالتها النفسية لا تسمح، ما يؤكد أن الحس الإبداعي الشعري لدى المرأة السطايفية كان يتجلّى بشكل واضح في الأغنية السراوية، التي، للأسف، بدأت تنقرض شيئا فشيئا، لأنه حتى الأعراس بدأت تأخذ طابعا عصريا في كل شيء.
ورغم ذلك، مازالت عاصمة الهضاب تلهم رواد الشعر الملحون بسطيف وضواحيها، الذين يتغنّون بجمالها في العصر الراهن، نذكر منهم شاعر عين ولمان الشهير أحمد مخلوفي الذي نظم واحدة من قصائده ضمّنها جميع بلديات الولاية ومما يقوله فيها:

عاصمة بالقد بربع بيبان
تراسم ستة في الوقت الحالي
القلب النابض لجميع الجيران
 ابحث في التاريخ متحف وطني
الطبيعة زينة واللي زرع
يجني فيها تضاريس وعيون وويدان

أما شاعر آخر وهو الصادق غربي، فيتغنى بجمال سطيف الحالي بقصيدة جميلة.
وفي مجال الأغنية السطايفية الحالية، التي حافظت على إيقاعاتها وألحانها بشكل عام، إلا أنها بدأت بإدخال بعض الآلات الموسيقية، علاوة على الكلمات التي أصبحت تتغنّى بها. وبرأينا أن الكلمات الجديدة لم تعد ترقى إلى مستوى هذه الأغنية المحبوبة، ما يحتم تنسيقا فعليا بين كتاب الشعر الملحون بالمنطقة وتوظيفه في الأغنية.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018