الأكاديمية د . غزلان:

تغيير للخارطة المعرفية وتعزيز للرّوابط العلمية

باتنة: حمزة لموشي

كشفت الدكتورة غزلان هاشمي، أستاذة محاضرة بجامعة الشريف مساعدية بولاية سوق أهراس، أن موقع التأليف الجماعي ببلادنا اليوم على خارطة التأليف العربية، لم نصل بعد إلى درجة الوعي بأهمية التعاون العلمي ،فمعظم الباحثين يحملون عقلية إقصائية، تتحسس من المغايرة ولا تحترم ثقافة الاختلاف والتعدد، حسبما أفادت به في حوار مع جريدة «الشعب».

 الشعب: كيف هو واقع التّأليف الجماعي ببلادنا؟
 غزلان هاشمي: التأليف الجماعي في بلادنا لا يزال قليلا مقارنة بباقي الدول،ربما لانعدام حس الاشتراك وثقافة التعاون المعرفي، ولكونه يظل رهين تحيز الذات لذاتها ولبعض من تربطهم بها علاقات صداقة، هذا وبعض المسؤولين عن المؤلف الجماعي يتخيرون أسماء محددة، وقد لا يلجأون إلى تحكيم المواد المقدمة من قبل خبراء أكفّاء مما يسهم في انحسار التأليف الجماعي ورفضه من قبل البعض، ناهيك عن العراقيل التي تتعلق بدور النشر كالارتكاز على العلاقات الشخصية وارتفاع تكلفة الطبع مقارنة بالدول العربية، كلها تخلق راهنا مشوشا وتشي بمستقبل مجاوز للجدة والأصالة والإضافة المعرفية التي تأملها مثل هذه الجهود المعرفية.


 تحدّثي لنا قليلا عن تجربتك في هذا المجال؟ وكيف تقيّمينها؟
 شاركت في عدد من الكتب الجماعية منها: كتاب جماعي عنوانه «الأدب وفلسفة اللغة» تحت إشراف الناقد المغربي الدكتور مصطفى شميعة،والدراسة موسومة بـ «المثول المحايث للذاكرة ومركزية الغياب ـ قراءة في رواية ذاكرة للنسيان» عن دار نيبور بالعراق. وكتاب نقدي مشترك مع مجموعة من الباحثين المغاربة والعراقيين والأتراك موسوم بـ «مرثية دم على قميص قتيل» بدراسة تحت عنوان بدراسة موسومة بـ «مكي الربيعي: مرثية دم من تخطي المرجعيات إلى الانفلات السلطوي» عن مطبعة الديار بالعراق،
وكذلك كتاب جماعي عنوانه «شهادات في سميح القاسم» عن جامعة النجاح الوطنية بفلسطين بمساهمة تحت عنوان»سميح القاسم مركزية مثول في ذاكرة نصية».
ـ الكتاب الجماعي «مغامرة المقاصد وأسرار الوعي: قراءات في رواية طيش الاحتمالات:عن دار ماشكي للطباعة والنشر والتوزيع بالعراق تحت إشراف الدكتور جاسم خلف إلياس...بدراسة موسومة بـ «من العقل الاصطفائي إلى التجاوز:نحو خرق الأحادية والجاهزية في الخطاب الروائي النسوي ـ رواية طيش الاحتمالات أنموذجا ـ ولو أني ضد التقييم الذاتي لأن المتلقي هو الذي يختص باختبار نوعية هذه الكتب وجدوى هذه العملية ككل ،إلا أني أجدها تجربة مميزة بما تتيحه من تعدد وجهات النظر النقدية أو التغاير القرائي إزاء نص معين أو إشكالية بحثية ما.


 كيف يساهم هذا الأخير في إنعاش الحركة الثقافية والأدبية، خاصة في ظل العزوف الكبير عن القراءة؟
 يساهم الكتاب الجماعي في تغيير الخارطة الإدراكية والمعرفية الجمعية،من خلال تعزيز الروابط العلمية وإشاعة جو من المنافسة، فتعدد الإسهامات وتنوعها يرافقه تعدد الانتقاء والاقتناء، وهذا يساعد قليلا في التخفيف من وطأة السبات المعرفي الذي يشهده وطننا.


 في رأيك ماذا أضاف هذا النوع من النشر للأدب والثقافة بالجزائر؟
 حتى وإن كان التأليف الجماعي في الجزائر كما ذكرت سابقا قليلا مقارنة بدول العرب ،إلا أنه من باب الإنصاف ذكر تجارب ناجحة،استطاعت أن تقدم إضافات وإضاءات معرفية وفكرية مختلفة، مثل الكتب التي نشرتها دار الاختلاف، والتي تضمنت احتفاء بأسماء فكرية إشكالية كجاك دريدا أو علي حرب أو ثيودور أدورنو ...أو خاضت في إشكالات فلسفية عميقة ،كقضايا التفكيك والهوية والغيرية...


 هناك من ينظر للعملية على أنها تجربة بحتة لا تخدم سوى دور النشر..ما رأيك في هذا؟
 معظم دور النشر عندنا تفتقد للاحترافية في التعامل مع النصوص المعرفية الأصيلة،إذ تجد أن هدفها تجاري، ومنهجها في ذلك تصيد الموضوعات الراهنة والفورية والعناوين ذات الصبغة التجارية المتوهجة التي تلفت نظر العامة، ويتم ذلك غالبا دون تمحيص أو نقد، وهذا يجعلها تقع في فخ الابتذال، لذلك الكتب الجماعية ليست استثناءا. كما أن إفراد الكتب الجماعية بتهمة المصلحة المادية فيه نوع من المبالغة، فحتى الكتب الفردية لا تسلم من هذا الاستغلال الذي يبلغ درجة كبيرة من الإسفاف والتسطيح الثقافي، لكن ذلك يجعلنا نجاوز التعميم إلى القول أن بعض التجارب التي تبنتها بعض دور النشر تجاوز ذلك نحو تأكيد الوعي الثقافي وتعزيز السؤال المعرفي..


 هل هو فعلا فرصة حقيقية للمؤلفين والمبدعين الشباب للظهور واقتحام عالم التأليف؟
 يمكن عدها كذلك ،فالمبدعون الشباب الذين يمتلكون موهبة في القراءة والتنقيب ،يحتاجون إلى من يؤمن بقدراتهم ويعزّز ثقتهم بإمكاناتهم، ويساعدهم على الظهور والدخول إلى عالم النشر وإلى مغامرة التأليف، إذ غالبا ما تكون الكتب الجماعية تحت إشراف أسماء علمية وازنة ومعروفة، ذلك ما يعد فرصة للطاقات الشبابية حتى تبرز وتؤكد ذاتها وتفرض أسماءها.


 هل جاء هذا النوع من النشر الجماعي لمواجهة «صعوبات وعوائق» النشر الفردي؟
يسهم النشر الجماعي في التخفيف من هذه العوائق والعراقيل،والتي كنا قد ذكرناها في بداية الحوار، وإن لم يقض عليها نهائيا، إذ يكفي تكفل اسم معروف أو من له علاقات كثيرة مع دور النشر بالمؤلف حتى يسهل من عملية طبعه وقبول محتوياته، كما أن ذلك يخفف من وطأة التكاليف الباهظة التي ترهق بها بعض دور النشر في الجزائر كاهل الباحث  المبتدئ خاصة، والذي لا يستطيع احتمالها وتكفلها.


 هل صحيح أن اشتراك مجموعة من المؤلفين في كتاب واحد هو تعزيز للرداءة وتعويم للساحة الثقافية والأدبية من خلال منح فرصة الظهور والنشر لأي أحد بغض النظر عن جودة ومضمون المحتوى المنشور؟
 كنت ألمحت سابقا إلى أن استسهال عملية النشر وغياب الرقابة وعدم وجود لجان قراءة متخصصة في معظم دور النشر، تسهم كلها في خلق راهن ثقافي مشوش، وتساعد على تكريس الرداءة، بغض النظر عن نوعية الكتاب المؤلف (سواء كان فرديا أم جماعيا)، لذلك يصبح التعميم مجانبا للصواب، ومغالاة تجاوز الموضوعية.


 هل أصبح التأليف الجماعي أصبح ظاهرة إشهارية فنية أكثر منها ثقافية؟
 التأليف الجماعي يصبح كذلك في حال انعدام الحس بالمسؤولية وقبول الأعمال بالارتكاز على الواسطات والمعارف الشخصية، أما إذا كان خاضعا لضوابط النشر وموضوعية الاختيار، فإنه سيتجاوز كونه مجرد مظهر إشهاري، وسيؤسّس وعيا بالمشاركة الثقافية الفاعلة وبالحوارية المعرفية الخلاقة.


 هل من كلمة أخيرة أو نصيحة من فحوى تجربتك توجّهينها للقراء خاصّة الشباب الذي يخطو خطواته الأولى في عالم الكتابة والنشر؟
 أرجو أن يعزّز الشباب فعل الكتابة بالقراءة المتواصلة، فهي كفيلة بأن تصقل موهبتهم وبأن تساعدهم على تعزيز قاموسهم اللغوي، هذا وأنصحهم بعدم الاستعجال حال النشر لأنّ تشكّل النظرة القرائية والانطباعات حول الكاتب رهين النص الأول في غالب الأحيان.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18299

العدد18299

الأربعاء 08 جويلية 2020
العدد18298

العدد18298

الثلاثاء 07 جويلية 2020
العدد18297

العدد18297

الإثنين 06 جويلية 2020
العدد18296

العدد18296

الأحد 05 جويلية 2020