نهاية الستينيات والسبعينيات أكثر المراحل تنوعا

الساحة الثقافية كانت تتنفس إبداعا

نورالدين لعراجي

تعتبر أحداث ٨ ما ١٩٤٥، وما شهدته  من مجازر، حدثا مفصليا في تاريخ الجزائر الحديث، خاصة أنها كانت فاصلا حقيقيا بين الحركة الوطنية، وبانتقالها إلى التكتل ثم التفكير في العمل المسلح، من جهة أخرى.
الكتابة التاريخية عن أحداث معلمية، تختلف عنها الكتابة الأدبية، سواء في الأجناس (القصة، الشعر، الرواية) أو على خشبة المسرح، أو الأفلام بنوعيها (السينما والتلفزة).
شهدت  الستينيات والسبعينيات إلى نهاية منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، تنوعا ثقافيا وأدبيا بشكل كبير، من حيث النّتاج الأدبي أو من حيث الفيلم الثوري، وكلها أعمال خلدت تاريخ الحركة الوطنية وما أعقبها من أحداث ومجازر، كان الشعب الجزائري ضحيتها، وكان المشهد الثقافي متنوعا بشكل لافت للانتباه، حيث لا تمر السنة دون أن تنجز أفلام ومسرحيات وتؤلف كتب في هذا المجال، وكانت الساحة الثقافية تتنفّس إبداعيا، لكن هذا العطاء اختفى تماما مع الأجيال الجديدة وأصبح نادرا، رغم أن الذاكرة الشعبية ساهمت في هذا المنحى التاريخي ووظفته في السياق التاريخي للأحداث.
وفي هذا الإشكال المطروح، رأت «الشعب» أنه من الضروري الحديث عن هذا الفاصل الثقافي من تاريخنا المجيد، أين تحدث إلينا كل من الدكتور فيصل الأحمر من جامعة جيجل (شاعر وروائي) والأستاذ عز الدين جلاوجي (جامعة برج بوعريريج - روائي) والأستاذ قيس راهم من (جامعة سطيف) (شاعر)، حيث عبر كل واحد عن ما يراه حول هذا الإشكال : أين اختفت الكتابة الأدبية عن تاريخ ثورتنا المجيدة، خاصة ونحن نعيش ذكرى أحداث ٨ ماي ١٩٤٥ من حيث النصوص الأدبية أو من حيث الإنتاج السينمائي، أو المسرحي أو حتى الفيلم، ومن ساهم في هذا التباعد.؟
الدكتور عزالدين جلاوجي :
الكاتب ليس من مهامه كتابة التاريخ
حاولت في كثير من نصوصي المسرحية والروائية أو أتقاطع مع التاريخ بشكل أو بآخر، وإن كنت من الذين يسعون إلى مساءلة هذا التاريخ والحفر فيه، إضافة إلى إعادة إحيائه في أبعاده الإنسانية ومعنى ذلك أن الكاتب ليس من مهامه كتابة التاريخ، ولا البحث عن الحقيقة التاريخية والتدليل عليها بالوثائق والقرائن، إنها مهمّة أعمق من ذلك وأسمى، ولذلك فالرواية لا تقول التاريخ فحسب، ولكن تقول السياسي والاجتماعي والديني والثقافي والنفسي و...وقد رصدت روايتي “حبوه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر”، واقع المجتمع الجزائري من سنة 1920 إلى غاية 1945، ومعنى ذلك أنها تبتدئ من نهاية جذوة المقاومة المسلحة (انتفاضة بريكة/ عين توتة)، حيث بدأ يشكل ما يسمى في التاريخ الجزائري بالحركة الوطنية والتي ظهرت خيبتها واضحة بعد مجازر 8 ماي التي كشف فيها الاستعمار الفرنسي عن براثنه وأنيابه المتوحشة.
إن روايتي “حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر” قد رصدت بدقة وتفصيل أحداث الثامن من ماي ومشاركة كل أبناء الشعب الجزائري في رسم لوحتها وأنا الآن عاكف على كتابة الجزء الثاني من الرواية من التاريخ الذي توقف عنده الجزء الأول والذي كان في 580 صفحة لأنهيها بتاريخ التحرر 1962.
ما أحوجنا إلى أن نحول هذا الجهد إلى السينما ولقد أجمع النقاد على أن الجزء الأول يمكن أن يحول إلى مسلسل طويل يرصد مقاومة الشعب الجزائري.
الأستاذ: قيس راهم (شاعر):
الجيل الجديد تناول الأحداث بفنيات مختلفة
إن أحداث الثامن ماي 1945 كان لها في الذاكرة الشعبية تأثير كبير والأدبية خصوصا، لذلك تناولها الجيل الأول والثاني من بعده بكثير من الاهتمام لأسباب كثيرة، أبرزها هو آنية الحدث، أو بمعنى آخر قربها الزماني.الأدباء والشعراء الذين عايشوا الأحداث تأثروا تأثيرا مباشرا بحكم أنهم عايشوا الأحداث ومستهم المأساة في أهلهم أو حتى تضرروا هم أنفسهم منها، بما أنهم كانوا مثلهم مثل عامة الشعب الجزائري يحلمون بنيل حريتهم، وطبيعي جدا أن يكون التأثر بالغا. فليس من يرى كمن لم ير. أما الجيل الثاني فتقريبا ينطبق عليه نفس الشيء القرب الزماني يبقى سائر المفعول، خصوصا وأنه الوارث الشرعي للحرية والجرح معا إن جاز لي التعبير. لأن جيل الاستقلال ومن عاصره أيضا يبقى متأثرا بآبائه وبطولاتهم وهو حق مشروع، فالثورة الجزائرية عموما ليست بالإنجاز الهيّـن ولم يأت هكذا فالليل الذي طال 130 سنة كاملة، لابد أن يستغرق شموسا مشرقة كي ينمحي أو يزول تأثيره من الوجدان الشعبي، رغم أن كل جيل أضاف للذاكرة ما يعايشه هو في وقته أيضا.
أما الجيل الجديد، في اعتقادي أنا، أنه تناول الثورة لأنها ميراث مشترك بين كل هذه الأجيال في كتاباته لكن بقراءة وفنيات مختلفة عمن سبقوه وبنظرة مغايرة، زد على ذلك أن الموضوع استهلك كثيرا فقلّ تناوله، ورغم ذلك فالجيل الحديث لايزال وفيّا لماضيه الأدبي.

د/ فيصل الأحمر :
من الصعب أن ننتظر ردود فعل مفصلية إبداعية للشاعر

إن خوض الأدباء الشباب اليوم في موضوعة هامة مثل أحداث 8 ماي 1945 يظل محدودا محتشما بسبب غياب الواقعة التاريخية المفصلية عن المجال الشعوري لهؤلاء الشباب...
إن الشعر ينطق دائما ببنات أفكار الإنسان... يترجم الهواجس المركزية لفكره، أحلامه مخاوفه... والتاريخ المذكور أعلاه، بالرغم من كونه هاما ومفصليا في تاريخ أمتنا الحديث، إلا أن تقديمه لأجيال الاستقلال لم يتم على أحسن وجه... والغالب عندي أن المدرسة والأجهزة الرسمية هي المسؤولة عن هذا التردي في عالم القيم...
إذا نظرنا إلى الأمم المتطورة،نجد الأحداث التاريخية عموما والأحداث ذات الطابع الوطني والحاملة لشحنة قومية قوية أو المكتسبة لرمزية معينة، هي مادة مستمرة لتطعيم فكر المواطن منذ نعومة أصابعه... يراها على التلفاز وفي السينما ويسمع عنها أغاني متنوعة... كل ذلك هو سلوك ذو طابع وطني قومي يعمل على إذكاء جذوة الشعور الوطني متى ما خَبَت... ويعيد بعث القيم والأحداث عالية الرمزية التي هي إسمنت يضم بعض أجزاء الوطن إلى بعضها...
في ظل الصمت الذي يغلف موضوعة 8 ماي 1945 في عالم الطفل الجزائري، من الصعب أن ننتظر ردود فعل إبداعية للشاعر الشاب إزاء لحظة مفصلية في حياة الجزائر ومصيرها تحولت، للأسف الشديد، إلى نكرة لا غير...
الأحداث التاريخية عموما والأحداث ذات الطابع الوطني والحاملة لشحنة قومية قويّة أو المكتسبة لرمزية معينة، لدى الأمم المتطورة، هي مادة مستمرة لتطعيم فكر المواطن.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18269

العدد18269

الأربعاء 03 جوان 2020
العدد18268

العدد18268

الثلاثاء 02 جوان 2020
العدد18267

العدد18267

الإثنين 01 جوان 2020
العدد18266

العدد18266

الأحد 31 ماي 2020