السينما الجزائرية / مسيرة حافلة ومستقبل لا يزال غامضا

اللغة ساهمت في تقويض حدود مشاهدتها...

عنابة: سمير العيفة

وصلت السينما الجزائرية إلى العالمية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، واستطاعت أن تقارع الكبار بإمكانيات أقل ما يقال عنها أنها محدودة للغاية، وحصدت أول سعفة ذهبية في مهرجان لتفتكها الجزائر كدولة عربية  بجدارة واستحقاق، وإلى حد اليوم لم تمنح أي سعفة ذهبية لأي منتوج  سينمائي عربي آخر.

وكاد أن يفعلها المخرج الجزائري الكبير رشيد بوشارب في فيلمه الأخير “الخارجون عن القانون” لو لم تتدخل الحسابات السياسية الضيقة للدولة الفرنسية، على اعتبار أن الفيلم يعالج مرحلة مظلمة من التاريخ الفرنسي الاستعماري في شمال إفريقيا.
حقيقة تاريخ حافل إذا رجعنا إلى السينما الجزائرية في بداياتها، يقول النقّاد “إن الجزائري أقرب إلى تقمص الأدوار السينمائية الحية، الغارقة في الواقعية، وهذا سر قوة الأداء الجزائري، لكن يبقى مشكل اللغة في السينما الجزائرية، من بين أهم الإشكالات التي تعترض تطور الفن السابع الوطني.

محطات في تاريخ الفن السابع الجزائري

الانطلاقة الفعلية للأفلام السينمائية الخيالية المطولة، تعود إلى فترة الاستقلال مع الفيلم التاريخي “الليل يخاف من الشمس” لمصطفى بديع 1965، و«ريح الأوراس” للخضر حامينا 1966، مرورًا بـ«تحيا يا ديدو” لمحمد زينات سنة 1971، وغيرها من الأفلام الجادة بعدما كانت تحمل بوادر الانتعاش في السبعينيات والثمانينيات، انتابت السينما الجزائرية حالة من التدهور لتصل مع حلول التسعينيات من القرن العشرين إلى وضعية كاسدة من الناحية الميدانية، فصدور أي فيلم جزائري جديد لم يعد يحدث لا ضجة إعلامية ولا فكرية، بل لم يعد يلفت الانتباه، والسبب الأساسي يعود إلى إهمال السوق الداخلية بالإعداد الجيد لقاعات العرض وكذا الجانب الإشهاري، الذي يلعب دورا مهما في توجيه فكر وذوق المشاهد، وجل الأفلام الجزائرية الحديثة العهد تعرض أول ما تعرض خارج الجزائر، إما في المهرجانات الدولية أو في قاعات العروض العادية، ولا يتعرف عليها الجمهور الجزائري إلا بعد مرور مدة غير قصيرة.
وما يقال عن السينما الجزائرية يسقط بصورة واقعية على الإنتاج الدرامي التلفزيوني، خاصة المسلسلات، إذ مازالت الدراما التلفزيونية الجزائرية هزيلة وهشّة البناء وذلك لغياب رؤية درامية، وغياب الاهتمام بكتاب السيناريو؟
كذلك غاب الاهتمام في الدراما الجزائرية بالمخرجين الأكفاء والممثلين والتقنيين، وكما قال المدير العام الأسبق للتلفزيون حمراوي حبيب شوقي “نحن ننام طيلة السنة ولما يقترب رمضان يشرع المهتمون بفبركة الأعمال الهزيلة وتقديمها للمسؤولين المعنيين وهم في لحظة حرجة، فيقبلون العمل دون أن يطلعوا عليه، ثقة في رجال الدراما الجزائرية”.
 إن كل متتبّع للإنتاج الفني الوطني في المدة الأخيرة، يعي جيدا أن الهاجس الذي يراود المنتجين ليس تقديم أعمال تروق الجمهور الجزائري، وبيعها للفضائيات العربية، وتقديمها للمهرجانات لتفوز بالجوائز، وإنما هاجسهم الوحيد هو محاولة ملء الفراغ الذي تعانيه الساحة الجزائرية من ناحية إنتاج وطني يمثل الجزائر ومن ناحية أخرى يشرف التلفزة الوطنية، وفي ظلّ التنافس الكبير القائم بين أبرز رواد الدراما في الوطن العربي بقي الخيار الوحيد للمشاهد الجزائري التوجه إلى الفضائيات العربية لإيجاد متنفسا بسيطا.

اللغة الهجينة أثرت سلبا على شهرة الأفلام

أثرت اللغة الهجينة، التي تتم بها أغلب الأفلام والمسلسلات الجزائرية بطريقة سلبية على شهرتها، حيث تقف هذه اللهجة في غالب الوقت عائقا أمام وصولها السريع إلى المشاهد العربي خاصة، فلا هي لغة عربية صرفة، ولا هي لغة فرنسية لاتينية يمكن أن تكسب الجمهور الناطق بالفرنسية.
الدراما مرتبطة بجمهورها، هكذا يقول النقاد، لا يمكن أن ترى جمهورا يتابع محتوى درامي لا يفهمه، لكن حاجز اللغة من الممكن أن تتجاوزه السينما والدراما الجزائرية، من خلال التقيّد بنوع لغوي واحد طيلة المشاهد السينمائية المعروضة، أو الاستعانة بعملية الدبلجة والترجمة من أجل إيصال المضمون إلى المشاهد بطريقة سهلة وبسيطة .
لو عدنا إلى لغة السينما التونسية، رغم التقارب بين البلدين لغويا ،استطاعت أن تتجاوز عائق اللغة، بالتقيد بأسهل اللهجات العربية والأقرب إلى اللغة العربية، والتغاضي عن الاستخدام الكثيف للكلمات الفرنسية.
كذلك لو عدنا إلى الدراما التركية، فرغم الاختلاف الجذري بين اللغة التركية والعربية استطاعت الدراما التركية الاستحواذ على المشاهد العربي خاصة، من خلال استعانتها بعملية الدبلجة والترجمة اللغوية للمحتوى الدرامي وفق الجمهور المستهدف وميولاته، ومقوماته اللغوية بهذه الطريقة استطاعت الدراما التركية أن تدخل كل بيت عربي، بل أزاحت الدراما العربية من الساحة الفنية بصورة كلية تقريبا، وهذا يعود إلى القوة في الإنتاج، والتحكم في الفنون الدرامية المعروضة على الجمهور من منطلق درامي إبداعي صرف.
ما نخلص إليه، أن اللغة ليست عائقا كبيرا أمام السينما، إذا أردنا أن نكون جادين في التكفل بهذا الموضوع، وأكبر تجربة هي التركية التي سبق وأن ذكرناها.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018