في الذكرى 63 لإستشهاد أحمد زبانة

أرسى قاعدة ثورية صحيحة في الغرب الجزائري

سهام .ب

 مرة أخرى تحل علينا ذكرى أحد أبطال الجزائر الذي أعدم بالمقصلة، ووهب حياته لإستقلال الجزائر، فشتان بين رجال أمس ورجال اليوم الذين يقدمون مصلحتهم الشخصية على حساب الوطن الذي منحهم كل شيء وبالمقابل لم يعطوه شيئا ، عدا الأسلاك الأمنية وعلى رأسهم الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني والذين لا يزالون على العهد باقون، هو أحمد زهانة المدعو أحمد زبانة والملقب بـسي أحمد أو سي حمودة، ولد سنة 1926 بالقصر زهانة حاليا بولایية معسكر ، عاش الشهيد احمد زبانة بناحية سانت لوسيان وانتقل مع أسرته وعائلته بحي الحمري، سمي أحمد زهانة بزبانة من قبل إخوانه من المناضلين في السجن باعتباره كان سهلا من ناحية النطق بإضافة انه كان له عبارة ومعنى.
نشأ أحمد زبانة كغيره من أبناء الشعب الجزائري محروما من جميع وسائل الحياة التي یتمتع بها المستعمریين، حیيث ترعرع في أحضان أسرة ميسورة الحال متكونة من ثمانية أشقاء، كان هو رابعهم من ناحية الترتيب ومارس مهنة التلحيم وكان أحمد زبانة من أولائك الشبان الوطنين الذين تغلي دمائهم كلما استعرضوا قصة الاحتلال المشئوم ، ومقاومة الشعب الجزائري تلك القصة التي شوهها لهم معلموهم الفرنسيون بالمدارس . لقد نشأ الشهيد احمد زبانة كارها للمستبد الفرنسي الذي طمس الهویة الجزائریة.
 لما بلغ 15 سنة من عمره رمى احمد زهانة بطفولته وأحلام المراهقة خلف ظهره وقرر أن یكون قبل الوقت رجلا بأتم ما تحمله هذه الكلمة من معنى، كما أن احمد زبانة عند بلوغه سن العشرين خطب إبنة خاله لكنه لم یتزوج لأنه كان رافضا رفضا قاطعا للزواج، لأنه كان یؤمن بأن الحیاة وبلده الجزائر تحت رحمة المستدمر الفرنسي لا معنى لها تماشیا مع شعاره «أنا راضي إذا عاش شعبي سعيدا فأنا إذا مت فالجزائر تحيا حرة مستقلة لن تبيدا «وكان یتقن اللغتين الفرنسية والعربية وهو متكون سياسيا ولم یيؤد أحمد زبانة بالخدمة العسكریة.
دخل الشهيد المدرسة حين بلغ سن 16 سنة، حيث تابع دراسته إلى أن تحصل على الشهادة الابتدائية باللغة الفرنسية، ولما كان هذا المستوى الدراسي غير  مسموح به بالنسبة للجزائرين إلى القليل منهم بمواصلة الدراسة،  فتم طرده من المدرسة وقد كان في نفس الأثناء یقصد كتاب الناحية لحفظ ما تيسر من الذكر الحكيم وتعلمه مبادئ في اللغة العربية والدين الحنيف وذلك في أوقات الفراغ والعطل المدرسية، وفي عام 1940 غادر زبانة مقاعد الدراسة ليزاول مهنة حرة للعمل على كسب قوته وقوت عائلته لكن هذا العمل لم یيكن هدفه ولم یيلبي له رغباته ویحقق له أحلامه فإلتحق الشهيد  بعد مغادرته لمقاعد الدراسة بمعهد ومركز التكوين المهني، حيث تخرج منه لحاما وزاول العمل بنفس المعهد في نفس التخصص، وخلال عمله في هذا التخصص كان على اتصال بجماعة من المناضلين في الحركة الوطنية فتأثر بهم وحببوا له روح النضال من اجل حریة البلاد واستقلالها.

  انخراطه في الكشافة الإسلامية
 له دور في نمو الروح الوطنية لديه

في مطلع عام 1940 انظم لفوج الكشافة الإسلامية الجزائرية بمدينة وهران، ومن خلال الأنشطة المتنوعة التي كان یقدمها أعضاء الفوج كالأناشيد الوطنیة مثل شعب الجزائر مسلم، فداء الجزائر روحي ومالي، والمسرحیات التي كانت تجسد بحق وصدق الوضعیة المزریة التي تعیشها الأمة الجزائریة، وكذلك الزیيارات التي كان يقوم بها الفوج للمناطق الجبلية لتدرب على تحمل الصعاب وتعلم كيفية عبور المسالك الوعرة والإطلاع على ما تزخر به الناحية من مناظر طبيعية كالجبال والسهول والوديان وتبادل الزيارات بین الأفواج الموزعة عبر ناحية الغرب الجزائري، معسكر. سيدي بالعباس، تيموشنت...وذلك للاستفادة من تجارب الغير وخبراته.
 وبالإضافة إلى ذلك، ما كان یشاهده یيوميا من أثناء تعلمه وتجواله من فروق شاسعة بين أبناء بلدته وأبناء الأجانب. وما حقد وقسوة الفرنسين على أبناء البلاد والأصلين وكل هذه العوامل كان لها دور في بلوره أفكاره الوطنية ونمو وعيه وغرس الروح الوطنية الصادقة في نفسه فأصبح یعتز بالقيم العربية الإسلامية.
كان انضمام وانخراط أحمد زبانة في الكشافة الإسلامية، دورا في نمو الروح الوطنية الصادقة لديه، زيادة على شعوره بما كان یعانیه أبناء وطنه من قهر وظلم و احتقار فكانت  هذه العوامل وراء انضمامه إلى صفوف الحركة الوطنية عام 1941.
حنكة زبانة وخبرته، كان لها دور كبير في الحركة الوطنية التي أثبتت بحق وجدارة أهلته في التوعية السياسية والتنظيم العسكري بالنواحي، نشط السي حميدة في صفوف الحركة الوطنية ولم یتجاوز سنه آنذاك الأربعة عشر عاما، وكان عنصرا فعالا فيها ووسط هذا الجو القاسي والمتاعب المتعددة من طرف السلطات الاستعمارية ضد الشهيد ، إلا انه عمل دون هوادة على نشر مبادئ الحركة الوطنية، وتعميق أفكارها في أوساط الشباب الجزائري الذین كان یلتقي بهم في أوقات الفراغ وفي المناسبات لنشر وتوعية الشعب الجزائري من خلال المبادئ التي تقوم عليها الحركة الوطنية ، والتنديد بالأعمال الوحشية التي یقوم بها العدو الفرنسي وهذه المواقف التي كانت سببا وجيها بالنسبة للسلطات الاستعمارية لوضعه تحت المراقبة المستمرة، بهدف إیقافه ومضایقته والتقلیل من نشاطاته السياسية ولكن لم یوقفه بقدر ما زاده قوة وعزیمة وثباتا، وبعد أن اثبت بحق أهلیته في المیدان العملي وبرهن على شجاعته وصلابته، والتي كانت لها دور في اختیاره في المنظمة الخاصة في الجناح العسكري ليكون عضوا من أعضائها.
بفضل خبرته تمكن من تكوین خلایا وتنظیمها من خلال استراتيجيه خاصة مع المناضلين، حيث كان عضو خلية جمعته مع إخوانه المناضلين من خيرة أبناء الناحية، حيث كانوا یيجتمعون في مخبزة وكان عمره 20 سنة في هذا المكان یقام التدريب على السلاح بالإضافة إلى التخطيط للعمليات ضد العدو.
وبعد أن برهن زبانة على مدى شجاعته وقدرته على اتخاذ القرارات وتطبیقها، عین مسؤول فوج حيث تميز و اتسم نشاطه بالعمل الجاد في تواضع كان لا یيعرف الحقد لقلبه سبيلا وصفاته الأخلاقية الراقية ، هي التي جعلت منه موضع ثقة واحترام، وقد شارك الشهيد بنفسه في عملية البريد  بوهران عام 1949 وتزاید الحاجة إلى تمویل فروعها عبر أرجاء الوطن ومن هنا یتبين لنا أن زبانة كان له دور كبير ومهم في المنظمة الخاصة، وذلك بإرساء قاعد ثوریة صحيحة كانت كفيلة، في ضمان نجاح العمل المسلح .
وبعد اكتشاف المنظمة الخاصة، وقبل وصول السلطات الاستعمارية إلى عمالة وهران تم إلقاء القبض على احمد زبانة في 2 مارس 1950 ،وذلك بعد مشاركته في اقتحام برید عبد الواحد بوجابر، الجانب العسكري لثورة الجزائریية المنطقة الخامسة الولاية الأول التاریخية، وصدر الحكم ضده بثلاث سنوات سجنا، وبعدها نفي من وهران، وتمت محاكمته وسجنه، حیث قاموا بتعذیبه وكانت ثلاث سنوات سجن ونفي وعمل شاق.
 وأثناء فترة سجنه قام زبانة بإضراب لمدة 37 يوما، وقد سلط عليه الاستعمار أشد أنواع التعذيب، قصد استنطاقه إلا أنه قاوم بشدة وشجاعة وصبر وتمسك بالصمت، وحفظ السر ووفاء للعهد.
 
  عملية لاماردو ومعركة غار بوجليدة أشهر عملياته الناجحة

 وفي یيوم 01 ماي 1953 ،تم الإفراج عليه فبقي مدة قصيرة بمستغانم ولم يكن يعمل لأنه كان منفي من السلطات الاستعماریة تلاحقه وتراقبه وبعدها ذهب إلى معسكر، وسيدي بلعباس وعمل في لاكادو وقبل أن يستقر في بلدة سان لوسیان التي تحمل اسمه حاليا، وهي مسقط رأسه مر بملاحقات ومضایقات من  السلطة الاستعماریية كغيره من المناضلين، وهكذا نجده نفي من مدیينة وهران متنقلا إلى الأصنام، البليدة، مستغانم، سيدي بلعباس، وأخيرا نجده استقر في هذه المنطقة سان لوسيان سابقا زهانة حاليا.
شرع في تنفيذ العمليات الهجومية على الأهداف الفرنسية المتفق عليها ، اجتمع زبانة مع قادة وأعضاء الأفواج المكلفة بتنفيذ العمليات لتقييمها والتخطيط فيما يجب القيام به في المراحل المقبلة . ومن العمليات الناجحة التي قادها زبانة هي عملية لاماردو في 4 نوفمبر 1954 ومعركة غار بوجليدة في 8 نوفمبر 1954 التي وقع فيها أحمد زبانة أسيرا بعد أن أصيب برصاصتين .
نقل زبانة إلى المستشفى العسكري بوهران ومنه إلى السجن ، وفي 21 أفريل 1955 قدم للمحكمة العسكرية بوهران فحكمت عليه بالإعدام. وفي 3 ماي 1955 نقل زبانة إلى سجن برباروس بالجزائر وقدم للمرة الثانية للمحكمة لتثبيت الحكم السابق الصادر عن محكمة وهران. ومن سجن برباروس نقل إلى سجن سركاجي  وفي يوم 19 جوان 1956 في حدود الساعة الرابعة صباحا أخذ زبانة من زنزانته وسيق نحو المقصلة، وهو يردد بصوت عال أنني مسرور جدا أن أكون أول جزائري يصعد المقصلة ، بوجودنا أو بغيرنا تعيش الجزائر حرة مستقلة ، ثم كلف محاميه بتبليغ رسالته إلى أمه .
 وكان لهذه العملية صداها الواسع على المستوى الداخلي والخارجي ، فعلى المستوى الخارجي أبرزت الصحف ، صفحاتها الأولى صورة زبانة وتعاليق وافية حول حياته ، أما داخليا فقد قام في اليوم الموالي أي 20 جوان 1956 جماعة من المجاهدين بناحية الغرب بعمليات فدائية جريئة كان من نتائجها قتل سبعة وأربعين عميلا وإعدام سجينين فرنسيين.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18003

العدد 18003

السبت 20 جويلية 2019
العدد 18002

العدد 18002

السبت 20 جويلية 2019
العدد 18001

العدد 18001

الخميس 18 جويلية 2019
العدد 18000

العدد 18000

الثلاثاء 16 جويلية 2019