جمع بين الحنكة السياسية والعسكرية

عبـد الحفيظ بوالصوف مـؤسّس جهـــــــاز الاستعلامات الجزائريـة

سهام بوعموشة

مسار نضالي تحت المجهر
عبد الحفيظ بوالصوف أو «سي مبروك» الاسم الثوري، ذو النظرة الثّاقبة، هو من الشّخصيات الجزائرية التي لا يمكن التشكيك في وطنيته، من خلال ما قدّمه لصالح الثورة، رغم بعض التهم التي طالته، ولحد الآن لا نعرف مدى صحتها، وليس لنا الحق في الحكم على أب المخابرات الجزائرية، الذي أشرف على تكوين أكفأ الإطارات في مجال الاستعلامات، لأنّنا لم نعايش فترة ثورة التحرير الوطني والدوافع التي أدت إلى حدوث بعض الانزلاقات، ومن الطبيعي أي ثورة لا تخلو من الأخطاء.

ولد عبد الحفيظ بوالصوف المعروف خلال الثورة التحريرية بسي مبروك عام 1926 بحي الكوف مدينة ميلة، تربّى في عائلة بسيطة تمتهن الفلاحة أفقرها الاستعمار، فعاش البؤس الشديد خلال طفولته، وهو ما اضطره إلى مغادرة المدرسة الابتدائية الفرنسية مبكرا وهو الذي لم يلتحق بها إلا في السن الثامنة من عمره، حيث اضطر بعد حصوله على الشهادة الابتدائية للعمل  في غسالة كانت ملكا لأحد المعمّرين في قسنطينة عامي 1944 و1945.
 انخرط بوالصوف في صفوف حزب الشعب بمدينة ميلة، وعمره لا يتجاوز 16 سنة، وأسّس بها خلايا تضم مجموعة كبيرة من مناضلي المدينة ومنهم لخضر بن طوبال وعنان دراجي، كان بوالصوف يجتمع بالمناضلين بمنزله، الذي كان ملجأ لمختلف الوجوه الثورية والسياسية التي فجرت ثورة 1954. عند انضمامه إلى حزب الشعب الجزائري بقسنطينة، تعرّف على محمد بوضياف، العربي بن مهيدي وبن طوبال وغيرهم.
وعند إنشاء المنظمة الخاصة في 1947، أصبح أحد إطاراتها في الشمال القسنطيني مسؤولا عن دائرة سكيكدة، كان محل بحث من قبل الشرطة الاستعمارية بعد حل المنظمة الخاصة في 1950، فتحول إلى العمل السري وعاد إلى مسقط رأسه بفترة قصيرة، قبل أن تحوله قيادة حركة انتصار الحريات الديمقراطية في 1951 قائدا لها في وهران لمدة عام، وهناك ساهم في إنشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل.
 ترأّس عام 1954 الاجتماع السري الأول في منزل إلياس دريش، والذي سبق الاجتماع التاريخي لمجموعة 22 الذي كان ضمنها، عند اندلاع الثورة الجزائرية عين نائبا للعربي بن مهيدي بالمنطقة الخامسة وهران، مكلفّا بناحية تلمسان. وفي 5 نوفمبر خلف رمضان بن عبد المالك نائبا لقائد المنطقة العربي بن مهيدي، وبعد مؤتمر الصومام أصبح عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، كما عين قائدا للولاية الخامسة برتبة عقيد، وبعدها في عام 1957 عين عضوا في لجنة التنسيق والتنفيذ بعد إعدام العربي بن مهيدي.
وقد استغلّ بوالصوف مكانته وذكاءه وحزمه الذي اكتسبه من طفولته الصعبة، وهو الذي تابع دروسا في علم النفس بالمراسلة لمدة أربع سنوات، كان يبدي شخصية بسيطة لكنها مؤثرة في محيطها، استطاع بها قيادة الولاية الخامسة باقتدار بعد أن كانت في حالة من الفوضى، بحيث استطاع تدريجيا أن يعيد هيكلتها بفعالية أكبر، وقسّمها إلى ثمان نواحي وبنظام إشارة يضاهي الذي تملكه السلطات الاستعمارية.
 كانت عملياته العسكرية في الولاية الخامسة قليلة، لكنها كانت دقيقة لا تخطئ أهدافها بالنظر إلى التواجد الاستعماري الكثيف في المنطقة، وقد استطاع بوالصوف نقل عملياته العسكرية إلى غاية آفلو التي طارد فيها عناصر بلونيس. بالمقابل وجّه جهوده في مجال الاستعلامات، فأسّس جهاز مخابرات الثورة التحريرية عام 1957 ولعب دورا كبيرا في تكوين إطارات في هذا المجال،  بحيث أنشأ أول مركز تكوين أعوان الإشارة في 1956 وأول مدرسة للإطارات عام 1957، وكل هذا في سرية تامة.
وأطلق على أول دفعة منها اسم شهيد المقصلة أحمد زبانة، وقد تمكّن بوالصوف من جمع 8 مليارات فرنك فرنسي قديم إبان الثورة الجزائرية بفضل حنكته ودهائه، مقابل تجارته في الاستعلامات الدولية، حيث باع معلومات للولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي، الصين واليابان. وهذه المعلومات كانت تخص شؤوناً دولية لهذه البلدان مصلحة فيها، وهناك إحدى عملياته البارعة إذ أنّه كشف أحد عملاء المخابرات الأمريكية بالجزائر إبّان الثورة، وبعد استنطاقه تحصّل منه على معلومات مهمة تتعلق ببعض الوزراء العرب العملاء لهذه الوكالة، فأخبر حكوماتهم العربية بذلك وتأكّدت من صحة هذه المعلومات بعد تحقيقاتها حول الأشخاص المشار إليهم.
 أما قصة سكرتيرة في الناتو، فهي واحدة من العمليات الناجحة لجهاز الاستعلامات الجزائرية في وقت الثورة الجزائرية، تمثّلت في تجنيد سكرتيرة فاتنة تعمل لدى جنرال كبير في حلف الناتو، للقيام بتجنيده، وقد كان الهدف إيصال أجهزة اتصال حديثة لجهاز الإشارة لجيش التحرير الوطني بهدف الاتصال بين الوحدات، وقد تمكّن رجال عبد الحفيظ بوالصوف من الحصول على الأجهزة، وفي العديد من المرات التجسس على الاتصالات بين الوحدات الفرنسية واكتشاف الكثير من أسرار الجيش الفرنسي.
 هذه العملية تمّت بعد عملية السفينة اليونانية وإعدام اليوناني الخائن، واستطاع أيضا تجنيد بعض الوزراء في الحكومة الفرنسية لصالح ثورة الجزائر، من بينهم ميشال دوبري الذي كان رئيس الوزراء في حكومة شارل ديغول ووزير الاقتصاد فوركاد، ووزير الفلاحة إيدغار بيزاني وشخصيات أخرى لها صلة بالحكومة، وأوناسيس المليونير اليوناني الذي تزوج فيما بعد بأرملة الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي.

  أحبط محاولات مكاتب الاستخبارات الاستعمارية

وعند تأسيس الحكومة المؤقتة في 1958، تولّى حقيبة التسليح والاتصالات العامة في ما يعرف بـ «المالغ»، وأخذ على عاتقه قيادة جميع الاستعلامات، ومكافحة الجوسسة التي كان صانعها منذ أن كان قائدا للولاية الخامسة التاريخية، وبعد استشهاد بن مهيدي وعبان تولّى رفقة صديقه الحميم بن طوبال وكريم بلقاسم القيادة الفعلية للحكومة المؤقتة في ما يسمى باللجنة الوزارية للحزب أو ما يسمى بالباءات الثلاث.
كان الفقيد يتمتّع بذكاء حاد ويقظة نادرة مكّنته من إحباط محاولات مكاتب الاستخبارات الاستعمارية، بين عامي 1958
و1959 أصبح اقتناء الأسلحة أكثر صعوبة بالنظر إلى  تدعيم الحدود مع المغرب وتونس بخطي شال وموريس المكهربين والملغّمين، وهو ما جعل بوالصوف ينشئ معملا صغيرا لصناعة الأسلحة في ضيعة موجودة في الحدود مع المغرب.
وبفضل ذكائه الحاد وروح المبادرة القوية، استطاع إقامة هذا المعمل دون علم السلطات المغربية، بحيث تم إنجاز طابق سفلي داخل عمارة لهذا الغرض، كان «سي مبروك» يعتمد على مهندسين روس وتشيكيين ومتعاطفين مع الثورة التحريرية، وقد نجحت العملية وتمّ توزيع الآلاف من البنادق في المنطقة الغربية، بينما صدرت كميات أخرى مقابل دعم جبهة التحرير الوطني ماليا.
لقد جمع بوالصوف بين الحنكة السياسية والقيادة العسكرية، زيادة إلى قوة شخصيته وتواضعه، وهو ما أهّله ليلعب دور الوسيط بين فرقاء قيادة الثورة وحل الأزمات المتعلقة بالسلطة، اعتبر من بين أكبر القادة العسكريّين للثورة استطاع تدعيم الحراسة على جميع القطر الوطني، وفي هيئات الثورة وشهد له الأصدقاء والأعداء بذلك.
وفي ظل أزمة 1961 ــ 1962 بين الحكومة المؤقتة وقيادة الأركان، فضّل «سي مبروك» اعتزال السياسة وأوصى جميع الوحدات التي أسّسها بالبقاء في علاقة مثمرة مع قيادة الأركان، ووحداتها دون الخوض في السياسة بل تركها للقادة السياسيين، واشتغل هو بالمقابل بأعماله الخاصة، كان يردّد أنه يبقى متأهّبا إذا ما كان الوطن بحاجة إلى خدماته.
 أبقى بوالصوف على العلاقات القوية التي أنشأها مع قادة سياسيين وعسكريّين في تونس والمغرب، كان يتردّد على الرئيس السوري السابق حافظ الأسد والرئيس العراقي صدام حسين، بحيث أصبح مستشارهما في مجال تجهيز القوات المسلحة. توفي في 31 ديسمبر 1980 في باريس إثر إصابته بنوبة قلبية مفاجئة، وقد خصّص الرئيس الشاذلي بن جديد طائرة خاصة لنقل جثمانه إلى الجزائر التي دفن فيها بمربّع الشّهداء بمقبرة العالية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17800

العدد 17800

الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018