في الذكرى 38 لوفاته شخصية سياسية مؤثّرة وزعيم غيّر مجرى العلاقات الدولية

هكذا حكم الرّئيس الرّاحل هواري بومدين الجزائر

سهام بوعموشة

المجاهد صالح قوجيل: له رؤية استشرافية لبناء دولة المؤسّسات

يروي قوجيل في حديث خصّ به جريدة “الشعب”، المهمة التي كلّفه بها الراحل بومدين وأجواء التحضير لمؤتمرات المنظمات الجماهيرية منها العمالية والفلاحية والنسوية، وصولا إلى مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني، بحيث أعطى الراحل الأولوية لوضع خريطة طريق لإعادة بناء الدولة الجزائرية من القاعدة، بدءا بوضع قانون البلدية والولاية والتحضير للميثاق الوطني، بحيث كانت للرجل رؤية استشرافية للنهوض بالتنمية الاقتصادية للجزائر بالتركيز على طبقة العمال والفلاحين ومنحهما نفس الأهمية، حسب ما أفاد به المجاهد.
إلتقى المجاهد بالفقيد بومدين سنة 1957، حين كان يجري التحضير لمؤتمر في نفس السنة سمي بمؤتمر جمع الشمل، بحكم أن بعض القادة لم يحضروا مؤتمر الصومام وهناك من رفض الحضور، وهنا علّق قوجيل قائلا: “هنا تكمن قوة الثورة نختلف أحيانا لكننا نسترجع أنفسنا فيما بعد، ومؤتمر 1957 جمع الشمل، حرصنا أن تكون كل الولايات حاضرة”، مشيرا إلى أنه رغم الصعوبات التي واجهت الثورة والتصفيات التي حدثت إلاّ أنّها نجحت واستمرت، وتمكّنت من إسقاط سبع حكومات فرنسية خلال سبع سنوات من الحرب، بما فيها الجمهورية الرابعة، كما أخضعت الجمهورية الخامسة وجيشها الذي انقسم ضباطه وجنرالاته مثل سالون، قودار وماسو، قائلا: “هذا الجانب الإيجابي من الثورة لا ينبغي إغفاله، وعلى الأجيال معرفة هذه الحقائق وتكون متشبّعة بالذّاكرة الوطنية، حتى وإن حادوا عن الطريق سيعودون إلى الطّريق السّليم لا محالة”.
ويعود عضو مجلس الأمة مرة أخرى لإكمال حديثه عن بومدين، قائلا إنّ الفقيد أعطى تعليمات لمحمد الصالح يحياوي، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني للتحضير لمؤتمرات المنظمات الجماهيرية الواحدة تلوى الأخرى، لتختتم بعقد مؤتمر حزب جبهة التحرير الذي لم ينعقد منذ سنة 1964، وأنه كان من المفترض تنظيم مؤتمر الحزب كل خمس سنوات، بالإضافة إلى غياب مجلس وطني والدستور، وبعد 19 جوان 1965 قرّر بومدين في خطاباته التي عقدها بتلمسان، قسنطينة وتيزي وزو وضع خارطة طريق لإعادة بناء الدولة الجزائرية من القاعدة باعتبارها أولوية.
وفي هذا الصدد، شرع في إصدار قانون وميثاق البلدية سنة 1967، بحكم أنه خلال الفترة 1962 إلى غاية 1967 كانت هياكل الدولة تسير وفق نمط الإدارة الاستعمارية، وبعد عامين أصدر قانون وميثاق الولاية وعقدت انتخابات المجالس الشعبية الولائية، وقبل سنة 1976 كان التحضير للميثاق الوطني وكانت فيه مناقشات عامة طيلة شهر تقريبا، بحيث كان قوجيل آنذاك محافظا بولاية سطيف أين فتحوا أماكن لاستقبال المواطنين لإبداء آرائهم، وبعد الميثاق سيتم إصدار دستور سنة 1976، ونظّمت انتخابات المجلس الوطني الأول سنة 1977، وهكذا بدأ بناء الدولة الجزائرية تدريجيا وفق منظور الراحل بومدين التي شكّلت أولوية بالنسبة إليه.
وأضاف الوزير الأسبق أنّه حين تم الانتهاء من هذه العملية، شرع في عقد المنظمات الجماهيرية، وكان المتحدث مسؤولا عنها، بحيث خصّص المؤتمر الأول لعمال النقابة، وموازاة مع ذلك كان فيه مؤتمرات جهوية ونشاط كبير وبومدين ترأّس المؤتمر وألقى كلمته، وفيما بعد يواصل العمل مع الأمين العام للحزب يحياوي، وفي الأخير تبرز القيادة والديمقراطية عبر الانتخاب.
وقال أيضا: “حين انتهينا من المؤتمر ذهبت إلى النقابة لتوزيع المهام، بومدين استدعاني ولأول مرة التقيته رسميا وجها لوجه، وسألني كيف تمّ توزيع المهام على النقابة فأخبرته أن التوزيع كان على حسب اللوائح التي تم المصادقة عليها في المؤتمر، بحيث تمّ استخراج المهام منها كي نبقى مرتبطين باللوائح المصادق عليها”، مضيفا أنه استخرجت أربعة عشرة مهمة وبناءً عليها تمّ تعيين أربعة عشرة أمينا وكل واحد أسندت له مهام، علاوة على الأمين العام.
 وهنا سأله بومدين كونه كان يتمتع بالدهاء السياسي عن  كيفية الإختيار، فردّ قوجيل أنه قام بعملية شبه ديمقراطية وهو جعل كل شخص يعبّر عن رغبته ليتم اختيار ما بين الرغبتين الأولى والثالثة، وفي الأخير يكون الشخص قد اختار رغبته دون تدخل أي أحد، وهنا ضحك بومدين بحكم أنه يعرف الأشخاص وتمّت مناقشة الأمر، بحيث أعطى الراحل توصية بعقد مؤتمر الفلاحين كخطوة ثانية، وإعطاء نفس الأهمية والتوازن بين العمال والفلاحين لأنهما مرتبطين بالتنمية.
وبالفعل تمّ تنظيم مؤتمر الفلاحين ليأتي بعده مؤتمر المجاهدين، الذي يحمل طابعا خاصا بحكم أن فيه إطارات قديمة وضباط جيش التحرير الوطني، بحيث طرح  المجاهدون أسئلة كثيرة آنذاك وبومدين أجابهم بطبيعة الحال دون أية عقدة لأنه كان على دراية بالقطاع. وحسب توصية الرئيس فقد تمّ تنظيم مؤتمر الإتحاد النسائي، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه قبل الافتتاح يعقد مجلس الثورة ويتم دراسة ملف المنظمة الذي يحضره المجاهد قوجيل، ويقدّمه إلى صالح يحياوي لأنه كان عضو مجلس الثورة ومسؤول حزب جبهة التحرير الوطني ليقدم عرض حول المؤتمر والنتائج المتحصل عليها، بعدها يعطي توجيهات مجلس الثورة ورئيس الجمهورية هو من يفتتح الجلسة.
لكن للأسف، قال عضو مجلس الأمة أنّ بومدين غاب عن المؤتمر كونه كان مريضا ولم يخبره أحد، وتكفّل يحياوي بافتتاح الجلسة نيابة عن الرئيس، وبعدها بأيام تمّ التحضير لعقد مؤتمر الشباب، الذي بدوره لم يشهد حضور بومدين لأنه كان يعالج في الاتحاد السوفياتي، بحيث خلف غياب الرئيس شبه فراغ، وبما أن الحزب كان قويا في ذلك الوقت والساحة السياسية مليئة بالنشاط.
  وفاته فاجعة أليمة حلّت بالجزائر
وأشار قوجيل في هذا الشأن، إلى أنّه قبل المؤتمر تم عقد اجتماع مع بومدين في الرئاسة دام ست ساعات، ومن جملة المناقشة هو تنظيم مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني بعد الانتهاء من مؤتمر المنظمات، قائلا: “فهمت آنذاك أنه سيقع تغييرا كبيرا في مؤتمر الحزب من ناحية الاتجاه السياسي، يعني أنّنا استكملنا بناء الدولة والبناء السياسي للمنظمات، وسندخل في مرحلة أخرى”، مضيفا أنّه لا يدري إن كانت رؤية بومدين الذهاب إلى التعددية لا أحد يعلم،  بحيث شعر آنذاك أن الفقيد سيأتي بشيء جديد لكن بعد مرضه توقّف المشروع.
ووصف قوجيل وفاة بومدين بأنها فاجعة أليمة حلت على الجزائريين، وفراغ كبير تركه في السلطة حتى أنه لم يحضر اجتماع حركة عدم الانحياز الذي كان من المقرر عقده في هافانا عاصمة كوبا، كونه عاش تلك الفترة قائلا إنّه حين أخرج جثمان الرئيس الراحل من قصر الشعب إلى الجامع الكبير ليوارى الثرى بمقبرة العالية، لم تتمكّن السيارة التي كانت تحمل نعشه من المرور بسبب الجماهير الشّعبية التي جاءت من كل مكان لتودّع رئيسها الغالي، بما في ذلك سائق الرئاسة الذي دخل في حالة هيستيرية ولم يتمكّن من قيادة السيارة ليتدخّل قوجيل ويهدأ من روعه بقراءة آيات قرآنية ويمسك المقود. 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018