في الذّكـــرى 55 لاسترجــاع السّيـــادة علـــى الإذاعـــة والتلفزيـــون

الإعـلام أوصـل صـوت الجزائـر المكافحـة وردّ علـى الدعايـة الاستعماريـة

س.بوعموشة

 إذاعة صوت العرب لعبت دورا في بث أخبار الثّورة الجزائرية منذ 1955

وظّفت الثورة الجزائرية كل الوسائل المتاحة لدعمها في نضالها ضد الاستعمار الفرنسي، بفضل عبقرية قيادة جبهة التحرير الوطني، منها الإعلام، لأنها أدركت بأنه إحدى الوسائل الأساسية في مواجهة المحتل إلى جانب السلاح، فبعدما استعملت الصحف والبيانات الناطقة باسم الحركة الوطنية وبيان أول نوفمبر 1954 وميثاق مؤتمر الصومام والسينما والمسرح، عمدت إلى استخدام الإذاعة لإيصال صوت قضيتها العادلة إلى كل أصقاع العالم، والرد على الدعاية الفرنسية وتصريحات قادتها السياسيين والعسكريين التي تحاول زرع الشكوك في نفوس الجزائريين تجاه الثورة.

كان للإذاعة الأثر الكبير في نفوس الجزائريين، وذلك عبر المحطات التي كانت في البلاد العربية، إلى جانب الإذاعة السرية بالجزائر، وعندما تأسّست الحكومة المؤقتة سنة 1958، تشكّلت لديها وزارة الأخبار التي كانت تتولى نشر أخبار مختلف نشاطات الثورة، وفي سنة 1961 تشكلت وكالة الأنباء الجزائرية، على نمط وكالات الأنباء في الدول المستقلة.
ومن أهم الأهداف التي سعت الثورة إلى بلوغها خلال تلك الفترة، هي اتصال الثورة بالشعب وإبلاغ المواطنين حقيقة ما يجري من صراع مسلح مع العدو، تعبئة الجماهير الشعبية لتلتف حول الثورة بغية التحرر والاستقلال، تحصين المواطنين الجزائريين من الإعلام الاستعماري وحربه النفسية والإيديولوجية، مواجهة إعلام العدو والرد عليه ودحض دعاياته. ولبلوغ هذه الأهداف استعملت الثورة مختلف وسائل الإعلام والاتصال، منها بيان أول نوفمبر الذي يعد أول عمل إعلامي يعلن عن ميلاد الثورة الجزائرية، ويستطيع اختراق إعلام الاستعمار بنجاح تام ويتوجه إلى الجماهير الجزائرية ليخاطبها بلغة الثورة والتحرر، وقد وجدت صداها الكبير لدى الجماهير لتعبئتها.
 ثانيا: مؤتمر الصومام الذي جاء بالعديد من الحلول، التي كانت تواجهها الثورة الجزائرية في مجال الإعلام والدعاية، فقد تطرّق في منهجه السياسي وفي قراراته إلى هذا المجال، حيث فصل في الجانب الذي عانت منه الدعاية الجزائرية والمتمثل في انعدام التنسيق بين الأجهزة الإعلامية الناطقة باسم الثورة، إذ تقرّر إلغاء كل طبعات جريدة (المقاومة الجزائرية) وتعويضها بجريدة المجاهد.
وقد ورد في القسم الثالث من المنهج السياسي للميثاق عنوان: “وسائل العمل والدعاية” ما يلي:
«الرد بسرعة وبوضوح على جميع الأكاذيب واستنكار أعمال الاستفزاز، وتعريف أوامر جبهة التحرير الوطنية بنشر مكاتب كثيرة ومتنوعة تبلغ جميع الدوائر حتى المحصورة منها، إكثار مراكز الدعاية وتزويدها بآلات الكتابة والطباعة والورق لنسخ الوثائق الوطنية وطبع المنشورات المحلية، طبع رسائل في الثورة ونشرة داخلية للتعليمات والإرشادات الموجهة للإطارات”.
اعتمدت الثورة الجزائرية في بداية الأمر على إذاعات بعض الدول العربية التي وقفت إلى الثورة ومن هذه الإذاعات، إذاعة صوت العرب من القاهرة التي لعبت دورا حاسما في بث أخبار الثورة الجزائرية ابتداء من سنة 1955، وذلك من خلال ثلاثة برامج:
1 ـ برنامج “جزائري يخاطب الفرنسيين” باللغة الفرنسية، من تقديم عدة بن قطاط، وكان هذا البرنامج يذاع من إذاعة القاهرة الدولية موجه إلى فرنسا لمدة ربع ساعة مساء كل يوم.
2 ـ برنامج “صوت جبهة التحرير الوطني يخاطبكم من القاهرة”، كان يبث من إذاعة صوت العرب باللغة العربية تعليق سياسي يومي، وبعد تكوين الحكومة المؤقتة أصبح يحمل عنوان: “صوت الجمهورية الجزائرية” يذاع بالفرنسية.
استطاعت جبهة التحرير الوطني في أواخر عام 1956 أن تتحصّل على جهازين كبيرين من القواعد الأمريكية التي كانت تستعمل في ربط وحدات الجيش على المسافات البعيدة، وقد تم استعمالهما في البث الإذاعي بعد إدخال عليهما بعض التعديلات. وهكذا بدأت إذاعة الجزائر تبث برامجها يسيرها جزائريون من جنود ومناضلين من جبهة التحرير الوطني، وفي خطابها للشعب الجزائري كانت تستعمل العبارات التالية: “هنا الجزائر الحرة المكافحة، صوت جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني يخاطبكم من قلب الجزائر”.
وفي عام 1957 شرعت قيادة الثورة في تكوين عدد من المتربصين في مجال الإشارة، من صفوف الطلبة المضربين عن الدراسة الذين التحقوا بالثورة منذ ماي 1956، وقد تم تدعيم هؤلاء المتكونين بخمسين جهازا من ألمانيا الفدرالية من نوع (AngRC9)، وقد ساعد هذا على توسيع شبكات الاتصال في جميع أرجاء ولايات الوطن.
 بدأ إرسال الإذاعة السرية بجهاز إرسال من نوع PC630 متنقل، عبر شاحنة من نوع تم الحصول عليها من القاعدة الأمريكية بالقنيطرة بالمغرب عام 1956، وكان من تحصل على هذه الشاحنة رشيد زغار، وكانت تبث برامجها متنقلة في منطقة الريف الذي كان خاضعا للاستعمار الأسباني لمدة ساعتين في اليوم على الموجات القصار، ساعة بالعربية ونصف ساعة بالأمازيغية ونصف ساعة بالفرنسية، وكان الإعلان عن برامج الإذاعة بهذه العبارات:
«هنا إذاعة الجزائر الحرة المكافحة”،
«صوت جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني يخاطبكم من قبل الجزائر”.
 كان يشرف على تسيير هذه المحطة عدد من المناضلين منهم مدني حواس، عبد السلام بلعيد، عبد المجيد مزيان وغيرهم، وعملت السلطات الاستعمارية على التشويش على برامجها عن طريق بث أغاني عربية من مركز إذاعي بالجزائر على نفس موجات الإذاعة السرية، كما عمدت في العديد من المرات إلى تحديد مكان تواجد السيارة لتدميرها. وتمكّنت في إحدى المرات من تحديد موقعها فأرسلت طائرة أطلقت أنوارا كاشفة تمهيدا لقنبلتها، غير أن يقظة الحراسة وسرعة التصرف أفشلت المحاولة.
علما أنّ الإذاعة توقّفت عن البث لأشهر عديدة بين عامي 1957 و1958 لعدم قدرة الجهاز المتنقل على مواجهة الاحتياجات اللازمة، ثم اقتنت الجبهة أجهزة جديدة تم تنصيبها بالقرب من مدينة الناظور بالاتفاق مع المسؤولين المغاربة، ونصبت آلات البث على بعد 15 كلم. وعاد البث مرة أخرى مما كان عليه، ابتداء من 12 جويلية 1959، وكان يتم على ثلاث فترات تدوم كل واحدة ساعتين: فترة صباحية ابتداء من الخامسة صباحا فترة عند الزوال ابتداء من الساعة الواحدة، فترة مسائية ابتداء من الساعة الثامنة، وهي الفترة الرئيسية.
وكانت مصادر الأخبار في مرحلة التنقل مستقاة في أغلبها من مختلف الإذاعات، أما بالنسبة للإذاعة الثابتة فكانت تعتمد على منشورات الثورة وفي مقدمتها جريدة المجاهد، وكانت الإذاعة تعطي أهمية لأدب الثورة، وبث توجيهات القيادة الثورية والقيام بتحليلها وبث الأناشيد الوطنية والحماسية. ومن أهم برامج الإذاعة السرية: الجزائر في أسبوع، من أدب الثورة، أخي المواطن ثق في نفسك، قارتنا السمراء.
بدأ البث في تونس عام 1956 برنامج يحمل عنوان “هنا صوت الجزائر المجاهدة الشقيقة”، كان يذاع ثلاث مرات في الأسبوع لمدة ساعة، كان يبث أخبار عسكرية وتعليق سياسي.
إطارات وتقنيّون رفعوا التحدي في 28 أكتوبر 1962
بالمقابل، كان الفقيد محمد مهري يقدّم من إذاعة دمشق برنامج “صوت الجزائر الثائرة”، وهو يحتوي على أخبار عسكرية وتعليق سياسي وتحليل إخباري، توقف هذا البرنامج عن البث سنة 1961 بعد انفصال سوريا عن مصر، إذ أعرب المسئولون الجدد في سوريا على ضرورة مراقبة نص المادة الإعلامية، فرفضت البعثة الجزائرية وأمرت بوقف الحصة، وابتداء من سنة 1958 تمكّن حامد روابحية الذي كان رئيسا للبعثة الجزائرية ببغداد من تقديم برنامج إذاعي خاص بالثورة الجزائرية بعدما أذن له عبد الكريم قاسم بذلك.
موازاة مع ذلك، كان في ليبيا محطتين إذاعيتين هما: محطة طرابلس: كانت تبث حصة ثلاث مرات في الأسبوع، تتضمن أنباء عسكرية وتعليقا سياسيا تحت إشراف بشير قاضي، ثم تلاه محمد الصالح الصديق، ومحطة بنغازي كانت تبث هي الأخرى حصة ثلاث مرات في الأسبوع، كان ينشط الحصة عبد الرحمن الشريف والليبي عبد القادر عوقة، ثم عين لمين بشيشي على رأس المكتب الجزائري ابتداء من شهر ماي 1956.
بعد تشكيل الحكومة المؤقتة في سبتمبر 1958، أصبحت فيها وزارة سميت بـ “وزارة الأخبار” تتولى مهمة الدعاية والإعلام وكان على رأسها محمد يزيد، كانت هذه الوزارة مسؤولة عن كل ما يتعلق بالعمل الإعلامي للثورة من إصدار النشرات السياسية، وعقد المؤتمرات الصحفية للرد على الدعايات الفرنسية المغرضة. كما كانت تشرف على وسائل الإعلام الأخرى مثل مكاتب الإعلام الخارجي، وجريدة “المجاهد” والإذاعة ولجان الدعاية الداخلية، وقامت الوزارة بإنشاء قسم للسينما في سنة 1959، وأسّست الوكالة الجزائرية للأنباء سنة 1961، وأنشأت مكتبا للوثائق والمعلومات يقوم بجمع ما يكتب عن القضية الجزائرية في الصحافة العالمية، وإبلاغ وزير الأخبار أثناء تنقّلاته بملخص عما كتبته الصحافة العالمية عن القضية.
لم تلبث الدولة الجزائرية غداة الاستقلال أن اتّخذت التدابير اللازمة من اجل استرجاع مبنى الإذاعة والتلفزيون، لما يمتلكه هذا القطاع الحساس من أهمية في نقل السيادة الجديدة للدولة الجزائرية، وكذا في ترسيخ القيم الثقافية الخاصة بالشعب الجزائري بعيدا عن المسخ الذي استعمله المستعمر طويلاً.
وتطبيقا لهذا التوجه قام كل الإطارات والتقنيّون والعمال الجزائريّون في 28 أكتوبر 1962 برفع التحدي والتغلب على صعوبات التكوين وشكلوا يدا واحدة، فالتزموا بتحقيق سير الحسن لأجهزة الإذاعة والتلفزيون وفي استمرار الإرسال في حين ظن الإطارات والتقنيون الفرنسيون أن ذهابهم سيتسبب في عرقلة الإرسال لمدة طويلة.
وفي الفاتح أوت من عام 1963 أسّست الإذاعة والتلفزيون الجزائري، وركّزت الدولة على تجهيز هذا القطاع، فمن خلال المخطّطات الثلاثة التالية: (الثلاثي 1967 - 1969) (الرباعي الأول 1970-1973) (الرباعي الثاني 1974 - 1977)، خصّصت أكثر من 310 مليون دينار لميزانية تجهيز الإذاعة والتلفزة الجزائرية التي كانت ممتلكاتها تقدر في عام 1976 بـ 389 مليون دينار جزائري بما فيها ما خلفه الاستعمار، وفي عام 1982 ارتفعت إلى 560 مليون دينار.
أما المؤسسة الوطنية للتلفزة فقد تكوّنت بناءً على المرسوم الوزاري المؤرخ في 01 جويلية 1987، تمّ تقسيمها إلى أربعة مؤسسات رئيسية هي: OTA بعد إعادة هيكلة مؤسسة الإذاعة والتلفزة.

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17700

العدد 17700

الجمعة 20 جويلية 2018
العدد 17699

العدد 17699

الأربعاء 18 جويلية 2018
العدد 17698

العدد 17698

الثلاثاء 17 جويلية 2018
العدد 17697

العدد 17697

الإثنين 16 جويلية 2018