رؤية ثاقبة وحنكة مميزة لدى الرئيس الراحل

الإنسان الحلقة المفصلية في معادلة البناء الوطني

فضيلة بودريش

أولى الرئيس الراحل هواري بومدين عناية بالغة في الدفاع عن الهوية الجزائرية، حيث ركز في استثماراته العميقة ومعركة البناء الوطني التي خاضها برؤيته الثاقبة وحنكته المميزة على الجانب الثقافي، بل وجعل مكانته لا تقل أهمية عن النهضة الصناعية والفلاحية، لأنه كان يؤمن بأن بناء الإنسان، يجب أن يكون في قلب مسار بناء الدولة الجزائرية القوية والحديثة. كان محمد بوخروبة أو هواري بومدين رئيسا وقائدا احترافيا بمعنى الكلمة ترك مواقف خالدة ومهندسا بارعا في التخطيط لتجاوز ما خلفه الاستعمار الفرنسي من آثار مدمرة للمجتمع الجزائري، خاصة ما تعلق بمحو الأمية ومجانية التعليم وتشييد المدارس والجامعات ومختلف المؤسسات التعليمية، وعودة الجزائريين لقراءة لغتهم الأم العربية من دون مضايقات.

انتبه الرئيس الراحل هواري بومدين الذي كان مزدوج اللغة حيث يتقن الفرنسية ومتفوق في اللغة العربية كونه من خريجي جامع الأزهر الشريف بمصر والذي سار إليه مشيا على الأقدام من أجل طلب العلم، وقبل ذلك حفظ القرآن الكريم عندما كان طفلا صغيرا، أن ترسيخ الثقافة الجزائرية في عمق المنظومة الاجتماعية من شأنه أن يحصن الأجيال مما كانت فرنسا تحاول أن تدسه لفرنسة الجزائريين وتمسيحهم.
جاءت شهادة المجاهد والوزير السابق محمد كشود لتغازل ذاكرة الجزائريين الذين مازلوا يحملون إلى بومدين الرئيس والمواطن الذي ينبض بالوطنية، الكثير من الامتنان وقسطا عاليا من العرفان، على خلفية أنه كان مميزا في قراراته ومميزا في إنجازاته ومميزا حتى عندما يدافع عن الجزائر سواء بدبلوماسيته المدهشة أو ذكائه الحاد.
لم يخف كشود الذي كان يبحث في ثنايا الكلمات وبين طيات رصيده اللغوي عن عبارات من شأنها أن تكون في مقام هذا الرجل الرئيس..والرجل الإنسان وتفيه حقه، قال المجاهد كشود الذي كان محظوظا مع جيله من الأبطال لأنه عرف بومدين أن محمد بوخروبة كان رجلا مثقفا وحافظا للقرآن الكريم، وأشار إلى أنه في حياته الإنسانية كان معجبا بـ «هو - شي - منه» لكنه فضل اشتراكية أبو ذر الغفاري. وأوضح كشود المجاهد أن رد بومدين على التمسيخ والتمسيح والتجهيل الاستعماري لفرنسا، جاء قويا على خلفية أنه خلال عام 1962 كانت نسبة الأمية مرعبة لأنها تجاوزت حدود 97.5 بالمائة وسط الجزائريين، علما أنه عندما استعمرت فرنسا الجزائر كانت نسبة الأمية ضئيلة جدا، وبسبب تطبيق فرنسا الاستعمارية للقانون الاستعماري الذي ورثته عن أرسطو، عانى الجزائريون من التجهيل وحرموا من التعليم ولأن أرسطو أوصى قائلا:» إذا أردت أن تستعبد شعبا فطبق عليه التجهيل والتجويع والتهجير وفرق تسد..» وتحدث عن قدرة بومدين في حمل المجتمع الجزائري الذي خرج من الاستعمار ينزف بالجراح وينبض بالتضحيات من مرحلة صعبة إلى طريق التعليم، لأن فرنسا حملت نية تجسيد خيارين وهما إما التمسيخ أو الإبادة، وعلى خلفية أن شارل العاشر عندما اجتمع بحكومته بتاريخ 10 جانفي 1830 وقرر غزو الجزائر قال أحد السياسيين الفرنسيين ويتعلق الأمر بـ «بترين»: «..أتعتقدون أننا أنفقنا 100 مليون فرنك فرنسي وضحينا بـ 40 ألف جندي من أجل حادثة المروحة..» ولأنه خاطب أمه قائلا سأحتل شعبا وسأهديه إلى المسيحية، لذا طبقوا خطة التجهيل الخبيثة، ومن الطبيعي رئيس بثقل ومكانة وفطنة ودهاء بومدين أن لا يدخر جهدا في بناء ثقافة قوية وأساسها الهوية أي مختلف المقومات الوطنية، ويتعلق الأمر بالدين واللغة والأمان والتاريخ المشترك والحدود المشتركة، ولأن بومدين كان يرمي من خلال نظرته وجهوده إلى بناء ثقافة راقية لتوجيه الشعب الجزائري ليحافظ على أصالته، لأن الإنسان المثقف يكون محصنا من جميع الدسائس.
والجدير بالإشارة أن مشروع الرئيس هواري بومدين الثقافي الذي انطلق في منتصف عقد الستينيات فتح الأبواب وأخذ بأيدي الآلاف من الرجال والنساء الذين سمح لهم الرئيس الراحل آنذاك أن يواصلوا تعليمهم ليلا ونهارا ومكنهم من المشاركة في المسابقات، وانفتحت الجزائر على الكتاب وفي ظرف عشر سنوات تحولت إلى منارة إشعاع ثقافي.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18217

العدد18217

الأربعاء 01 أفريل 2020
العدد18216

العدد18216

الثلاثاء 31 مارس 2020
العدد18215

العدد18215

الإثنين 30 مارس 2020
العدد18214

العدد18214

الأحد 29 مارس 2020