خواطر رحلة إلى بلاد الألب في زمن كورونا (2)

في قلب عاصمة الألب (غرونوبل)

نور الدين بحوح

كانت السَّاعة تُشير إلى الخامسة مساءً عندما بلغتُ عاصمة الألب غرونوبل ولأنّ الفصل كان صيفًا فقد بقيت أشعّة الشّمس تلسعنا ولهيبها يلفحنا غير مُشفقة لحالنا ولا مقدّرة طول سفرنا. كان من حسن حظّي أنّ محطّة القطار في هذه المدينة كانت صغيرة فلم أتِه في البحث عن باب الخروج مثلما كان يحدث معي في أنفاق ومتاهات محطّات باريس وليون وستراسبورغ، فما أن وضعت قدمَي على الرّصيف وتتبّعت خُطوات الخلق الذين رافقوني في آخر رحلة إلى هذه المدينة حتّى وجدت نفسي في دقائق معدودة خارج باب المحطّة.

أخرجت هاتفي النّقال أسأل عن مضيفي «أين أنت؟»، فاختصر الجواب وقال التفت شِمالا! فالتفتُّ! فلوّح لي بيمناه فابتسمت فردّ هو الابتسامة بابتسامة مثلها فتهلَّل قلبي وازداد مسرَّة، ثمّ هرولت إليه فتعانقنا قليلا، ثمّ قال كلّ منّا كلمات روتينيّة رحّب بها بالآخر وعبّر له عن شوقه ووحشته إليه، لنركب السّيّارة ونتّجه الى المنزل الّذي يقيم فيه والّذي سيأويني فيه خمسة أيَّام متعاقبة.
كانت هذه أوّل زيّارة لي لمدينة غرونوبل. لا أدرِ لما لم يخطر ببالي من قبل زيارتها،وخطر لي هذا في زمن كورونا، رغم أنّ لي فيها من الأهل والأحباب والأصدقاء الكثير، فقد كنت دائما أتواصل معهم عبر الهاتف، ووسائل التّواصل الاجتماعي، لكنّي لم أبح لهم برغبتي في زيارتهم إلاَّ هذه المرة وفي هذا الوقت العصيب.
عندما وصلنا الى الحيّ الّذي يسكن فيه مضيفي لفت انتباهي اختلاف الوجوه التي تسكنه عن الوجوه التي اعتادت عليها عيناي في ألمانيا،فهنا الوجوه إمّا عربيّة  مغاربيّة أو أوروبيَّة ايطاليّة، أمّا هناك فإنّ أغلب الوجوه شرق وجنوب أوروبيّة.إنَّ مجرّد رؤيتك لهذه الوجوه المتشابهة والمتكاتفة وهذه المجموعات الثّقافيّة الكبيرة والتي صيغت من طينتك ولغتك ودينك والتي يأزر بعضها بعضًا يكفي ليضع عنك أثقالا من آلام الغربة التي تُعانيها عندما تكون وحدك في ألمانيا. إنّنا نُعاني من قلّة الصّحب في ألمانيا التي ساقتنا إليها الأقدار وحاولنا كم مرّة مغادرتها لكنّ الأقدار أبت إلاّ تعيدنا إليها.

عشت في ألمانيا أكثر من عشرين سنة..

لقد عشت في ألمانيا أكثر من عشرين سنة وكنت كلّما حاولت الرَّحيل منها ردّني القدر إليها، فعندما سافرت إلى فرنسا عام 1998م حاولت مجموعة من النّاس الطّيّبين إقناعي وصديقي محمّد بالبقاء فيها وكدت أنا أن أستسلم وأبقى،لكنّ محمّد آبى وعاند وقال سأذهب إلى ألمانيا، فأثناني إصراره وخشيتي من أن أبق من غير رفقة صالحة، فوجدتني أركب معه القطار في صبيحة اليوم الثالث لنا في ليون ورحلنا إلى ستراسبورغ عسى أن ندخل عبرها إلى ألمانيا. وبالفعل لم نبت بستراسبورغ إلاّ ليلة واحدة حتّى دخلنا في اليوم التالي إلى مدينة شتوتغارت بألمانيا أين بقيت أنا الى يومي هذا.
ثمّ حدث أن غادرت شتوتغارت إلى مدينة نوشاتيل بسويسرا سنة 2013م وبقيت هناك إلى بداية صيف 2015، لكنّي عدت مرّة أخيرة بعد تجربة مؤلمة لم تنمحِ ذكرياتها من ذاكرتي.
سكنت بسويسرا في قرية صغيرة اسمها «كولمبي» كنت أحسُّ فيها بالاختناق والضّيق وكان كلّ يومٍ يمرّ عليّ فيها إلاّ ويزداد توتّري، وضيقي، وضجري ويرتفع ضغطي، وكنت كلّما دخلت على أهلي وسألوني أين كنت؟ كانت كلمات جوابي مفعمة بالقسوة وبالتّعبير عن الملَل الّذي أنا فيه فكنت دائمًا أقول «رجعت من المقبرة». فقد عشت في هذه القرية قرابة ثلاث سنوات لم أكلّم فيها أحدا ولم يكلّمني أحد اللّهم إلاَّ موظّفي دار البلديّة والبائعات في المحلاّت التِّجاريّة ولم يتعدّى حديثي معهم عبارات صباح الخير! ومساء الخير! والسُّؤال والجواب عمّا أريده.
 كانت كولمبي قريةً ميّتة ويندر أن ترى أحدا بشوارعها القليلة، كما كان السويسريّون حذرين في علاقاتهم، وكانوا لا يتجاوزون في معاملاتهم صداقات الصّبا والمدرسة، وزمالة المعمل والوظيفة. فما أملّ الحياة وما أضجرها لرجلٍ شرقيّ مثلي اعتاد أن يتبادل الزّيارت ويلتقي مع صحبه فيشرب فناجينا من القهوة وأقداحا من الشّاي في عفويّة ومن غير ميعاد.
لم أشدّ الرّحال إلى الدّيار الفرنسيّة وإلى مدينة غرونوبل هذه المرّة سياحة، ولكنّى خرجتُ أبحث عن بعضٍ من أهلي عسى أن أخلّص نفسي من ضيق الغربة الرّابض في قلبي، وآلام الحنين الّلذين اضطرّتني إليهما الحياة.
لم تمضّ إلاَّ ساعات قِصار على دخولي شقّة مُضيفي حتّى بدأ أبناء بلدي يتوافدون عليَّ مرحّبين بمجيئي وسائلين عن الأحوال وعن حياتي في ألمانيا ومستذكرين أهالينا في الجزائر. لم أكن أعرف أغلبهم، ومع ذلك استأنست بهم وألفتهم روحي من أوّل لحظة فلم أحس معهم بغربة أو وحشة، بل كانوا لي عِوضًا عنها وعن أهلي الذين فارقتهم مكرها في وطني، فأسهبت معهم في الحديث والدردشة طويلا وفي مواضيع نسيت الكثير منها، لكنّي لم أنس ذاك الجوّ العائلي الّذي صرت فيه وذاك الكرم الّذي أحاطوني به إلى هذه السّاعة التي قرّرت فيها أن أحرّر ما بقي في حافظتي من ذكريات وخواطر مرّت بي في الرّحلة.
كانت السّاعة تشير إلى التّاسعة مساءً عندما انصرف الجميع، وآثروا أن يتركوا لي الكثير من الوقت لأستريح من وعثاء سفري. فاستلقيت على سريري، وقبل أن أغمض عينَي رحت أفكّر في مسافة الرّحلة من شتوتغارت بألمانيا إلى غرونوبل بفرنسا مرورًا بالمدن السويسريّة زوريخ ولوزان، وجنيف، لازلت أذكر أنّي صلّيت الصّبح في شتوتغارت على السّاعة الخامسة، وبعد أن أتممت الصّلاة بفرائضها وأذكارها خرجت إلى محطّة القطار غير مستعجل ولا معجّل، ثمَّ مضيت في القطار حتّى وصلت الى جنيف عندها كانت السّاعة الحادية عشر صباحا وكان بإمكاني أن أصلّي الظهر بها، لكنّي آثرت أن أصلّيه جمعا مع العصر عندما أصل إلى مدينة غرونوبل. وأنا أفكّر في هذا الأمر نفذت إلى ذاكرتي صورة الرّحّالة ابن بطّوطة وهو يودّع أهله وداعًا رُبّما كان هو الوداع الأخير، فقد كان الواحد في زمنه إذا سافر من مدينة إلى مدينة فإنّه يَعدُّ مسافة سفره بالأيّام والأسابيع وأحيانًا بالشّهور، أمّا ابن بطّوطة فكان يعدّها بالسّنين والأحوال وكان كلّما دخل بلدا تزوّج فيه ورُبّما أنجب، وبحث له فيه عن وظيفة يرتزق منها، وجلس أحيانًا للإفتاء. ولمّا عاد إلى مدينته طنجة بعد ثلاثين عام من التّرحال وجد أنّ دولة الموحّدين التي رحل في عهدها قد زالت وحلّت محلّها دولة بني مرين.
أمّا أنا اليوم فإنّي أقطع مسيرة أسابيع في ستة ساعات أو أكثر بقليل، وكلّ هذا بفضل آلة من حديد، ومحرّك بوقود وكهرباء.
لم يبق أمامي في سكون اللّيل هذا إلاّ أن أُغلِق النّوافذ وأستجلب النّوم لأرتاح ففي انتظاري يوم لا أعرف كيف سيكون، فكلّ ما سألقاه سيكون عليّ جديد.  
              
1ــ بين نهرين:
في صباح اليوم التّالي وكي أذهب إلى وسط المدينة كان عليّ أن أستقلّ الحافلة الكهربائيّة وكان عليّ أن أنزل بالموقف المسمّى باسم الكاتب الفرنسي «فيكتور هيجو» فمن هناك فقط أستطيع أن أزور المدينة القديمة.
في الحقيقة لم تكن لديّ أيّ فكرة عن المدينة ولا عن تاريخها ولا عن المواضع التي يجب أن يزورها كلّ أجنبيّ، فسرت بين شوارعها على غير هُدًى حتّى وجدتني أمام محطّة القطار. اتّصلت على رقم حليم أستعلم منه عن المدينة، لكنّه أبى إلاَّ أن أنتظره حيث أنا. ومن حسن حظّي أنّ انتظاري لم يطُل كثيرا فما هي إلاّ نصف ساعة حتّى كان أمامي، فركبت معه السّيّارة وعدنا إلى وسط المدينة وإلى نفس الموقف الأوّل الّذي نزلت فيه، وبعد أن ركن السّيارة في إحدى الزّوايا أخذني في جولةٍ داخل المدينة العتيقة وبالضّبط إلى ضفّة نهر إيزَر الّذي يشقّ المدينة شقّين.
ظلّ مرافقي يُكلّمني عن المدينة وبعض معالمها التي تستهوي السّوّاح، فعندما وصلنا ضفّة نهر ايزر أشار إلى قلعة الباستيل التي تُشرف على المدينة، فلم أتمالك نفسي حتّى أرسلت إليها نظرة ثمّ حدّقت فيها مليًّا عسى أن أذهب إليها في باقي الأيّام.
هذه القلعة التي بناها أمير المدينة في القرن الـ 15 حتّى يحمي المدينة من هجمات سُكّان الجبل أومن الثّوار الّذين يمكن أن يقتحموا المدينة من جهة الجبل، فبالغ في تمتين القلعة وتحصينها، لكنَّ الثّوّارلم يأتوه من الجبل أبدا، ولكن أتوه من حيث لم يكن يحتسب، فبقيت القلعة بلا نفع إلى بداية القرن الـ 20 أين تحوّلت إلى معلم سياحي.

مدينة غرونوبل في مركز الألب الفرنسي

تقع مدينة غرونوبل في مركز الألب الفرنسي، عند سفج جبل «شارتروز» وعند ملتقى نهري «ايزر» و»دراك» تحيط بها الجبال من جهاتها الأربع، وهي مدينة حدوديّة لا تبعد عن إيطاليا إلا 70 كيلومترا وعن الحدود السويسريّة ليس بأكثر من 110 كيلومترا، وعن مقاطعة فالنس في الدَّاخل الفرنسيّ بـ71 كم. أظنّ أنّني بدأت أتحقّق وأفهم خيوط فكرة صاحب كتاب «غارات العرب المسلمين في القرن الـ 10م لبلاد سويسرا وأوربّا» وهي الرّواية التي ذكرناها من قبل عن 20 بحّارا عربيّا انطلقوا من ألِيكَنت بالأندلس في عهد عبد الرحمان النّاصر، فرمت بهم الرّيّاح إلى سواحل فالنس، وأنّهم بعد أن أمّنوا المكان، أرسلوا إلى قومهم في الأندلس فجاءهم 100 رجل مددا، وأنّهم بنوا لهم حصنًا هناك، ومن هذا الحصن بدأت غاراتهم على مدن فالنس، وغرونوبل، وجنيف، ولوزان وحتّى مدينة كُونستانس بألمانيا. أي لقد فهمت الآن أنّهم لم يكونوا يستطيعون الإغارة على جنيف أو أيّ مدينة سويسريّة إذاهم لم يغيروا على غرونوبل ويخضعوا سُكّانها «الدُّوفينيّين» لإرادتهم، مثلما فعل قبلهم بـ 13 قرنا حنّبعل القرطاجي.
إنّ كلّ من يدخل المدن القديمة فينظر إلى أسوارها، ودورها وقصورها ويسير بين أزقّتها ودروبها، ويشمّ عبق التّاريخ الّذي ينبعث من سراديبها، ويفهم لغتها، فيستجوب جدران عمارتها وينصت إليها بوجدانه، ويستوعبها بقلبه، فستحكي له عن بطولات أصحاب التّماثيل الّذين يتوسّطون ساحاتها أو يقفون منتصبين على مداخلها، مثلما ستروي له عن عذابات فقرائها، وجرائم أشقيائها، وستذكر له أسماء شعرائها الّذين تغنّوا بها، وكتاّبها الّذين كتبوا عنها، أو استلهموا منها فكتبوا وأبدعوا، وستتسرّب إلى خيالك صور وألوان الحياة وأصواتها من رنّات أجراس قصائدهم وقوافيهم، وجمال الحياة وروعتها، وبُؤسها وشقاوتها من خلال حبكة الرّواية وطريقة سردها وتكشف لك أسماء الأمراء الّذين شيّدوا قصورها وقلاعها ودافعوا عنها وتقاتلوا لأجلها، أو أولئك الّذين خذلوها، وغدروا بها، فسلّموها لعدوّها فاستحلّها. وكذلك فعلت معنا مدينة غرونوبل العتيقة.

.. أخذت شكل المدينة مع بداية القرن الـ 3 ميلادي

فالمدينة العتيقة بساحاتها وأسواقها وأزقّتها وعمائرها هي قلب غرونوبل النّابض، وملتقى الأجيال، ويمتد تاريخها إلى 2000 سنة، بدأت سنة 43 قبل الميلاد كمستعمرة رومانية غالية، ثمّ أخذت شكل المدينة مع بداية القرن الـ 3 ميلادي. كان أوّل من سكنها هم قبائل «ألوبروغن» الّذين اصطدم معهم حنّبعل القرطاجي فأخضعهم وهو في طريقه إلى روما.
لكنّ المدينة لم تصر ذات أهميّة إلاَّ إبَّان القرن الـ11 ميلادي عندما اختارها الكونت «ألبون»عاصمة لمقاطعة «الدّوفيني». ومنها انطلقت الشّرارة الأولى للثّورة الفرنسية في الـ7 جوان 1788م فيما عُرف بثورة القرميد التي واجه فيها سُكّان المدينة بنادق جنود الملك لويس الـ16 لتنتقل الثورة في السّنة التالية إلى باريس (1789م).
وبهذه المدينة وُلد الرّوائي الفرنسي هنري بيل المُكنّى «ستوندال» (1783ــ 1842) صاحب رواية «الأحمر والأسود» ولا يزال المنزل الّذي وُلد به موجودا إلى اليوم بشارع جون جاك روسو الكاتب السّويسري الذي قضى في المدينة شهرا فمنحت اسمه لأحد شوارعها.      
لكنّني لم آت إلى هذه المدينة لأبحث عن ستوندال ولا عن جون جاك روسو، إنّما جئت لأبحث عن شيءٍ آخر غير الّذي كشفت لي المدينة القديمة عنه. إنّي أقدّر عظمة الرّجال الّذين بنوها والغزاة الّذين عبروا منها إلى باقي المدن الفرنسيّة أو الأوربيّة، وأحسّ بالأسف لأولئك البؤساء الّذين ماتوا قهرا، وأتضامن مع الشّعب الّذي دافع عن حقّه فواجه فوهات بنادق جنود ملك مستبدّ سنة 1788م بكِسرات من قرميد وشظايا من آجر. إنّي أتضامن معهم كإنسان ولكن لا شيء يشدّني إليهم و يجذبني الى بطولاتهم ولا إلى إخفاقاتهم.
إنّي أبحث عن شيء به بعض من روحي وثقافتي، ومن روح وثقافة هؤلاء العرب المغاربة الّذين صرت ألتقي بهم كلّ يومٍ، وفي كلّ زاوية من هذه المدينة والّذين صاروا يُشكّلون 15% من ساكنتها.
غير أنّ المدينة العتيقة أبت وأخفت عليّ سرّين هما من روحي ومن روح عمارتنا الإسلاميّة وتركتني أبحث وأستطلع فأكتشف أنّ السّرَّ الأوّل في وسطها والثّاني خارجها وفي إحدى قراها. أمّا الأوّل فهو الطّراز الأندلسي لصومعة كنيستها «السّيّدة المُصلحة»، التي تمّ بناؤها في القرن الـ16. وأمّا الثّاني فإنّي لم أكتشفه إلاّ بعد أن غادرت المدينة إلى شتوتغارت رغم أنّي مررت به مساء عودتي من مرتفعات «شارتروز» وفي طريقي إلى مأدبة عشاء عند صحبي. ففي اليوم الأخير أخذني مُضيفي إلى مرتفعات شارتروز، وفي طريق العودة بقرية «سانت مارتين لوفينو» مررنا بقصر صغير ذي ملامح أندلسية لكنّني لم ألتفت إليه ولم أعرف أنّ طرازه أندلسي إلاّ بعد أن بحثت في الصّور التي بين يدي الآن:

«لاَكازامُور».. قصر في أعالي قرية «سانت مارتين لوفينو»

فالبيت الأندلسي أو»لاَكازامُور» كما يُسمّونه هنا هو عبارة عن قصر في أعالي قرية «سانت مارتين لوفينو»جمع شكل بنائه بين الفن المعماري الأندلسي المغاربي والفنّ العثماني، غير أنّ الأندلسي هو الغالب عليه، وقد بناه ابن المدينة المهندس المعماري «يوسف جوليان» في الرّبع الثّالث من القرن الـ19 فراعى في تصميمه النّموذج الأندلسي الجديد الّذي انتشر إبّان القرن ال19 في جميع أوربَّا. ففي هذا القرن عرف فنانو فرنسا وأدباؤها الشغف بكل ما هو شرقيّ، فكتب فيكتور هيجو سنة 1829م مجموعته الشّعريّة «الشّرقيّون»، واستطاع عالم المصريّات «جون فرانسوا شامبوليون» أن يحلَّ أسرار اللّغة الهيلوغرافية في مصر القديمة.
كما كانت مدينة غرونوبل قاعدة لوحدات جيش الشرق، وفيلق الزّواف التي شاركت في حرب القرم ضدَّ روسيا وإلى جانب القوّات العثمانيّة والبريطانيّة. وقد أتمّ صاحب القصر بناءه سنة 1867م، لكنّه لم يسكنه أكثر من 10 سنين واضطرّ سنة 1877م بسبب إفلاسه للتّنازل عنه لصالح دائنيه، وخلال مئة عام التي تلت بناءه ظلّ القصر ينتقل من مالك إلى آخر حتّى بلغ عدد مالكيه الـ13 مالكًا. كما تعرّض للإهمال والتخريب والسّكن بطرق غير قانويّة إلى أن أعيد ترميمه سنة 1981م وتصنيفه تراثًا وطنيّا فرنسيًّا.    
        
2ــ تمرّد في القصر وثورة في السّوق:
بعد أن تناولنا الغذاء بأحد المطاعم الشّعبيّة العربيّة واصلت أنا وحليم جولتنا بين أزقّة المدينة القديمة، أدرك حليم شغفي بالتّأمّل في اللّوحات أو المعالم التذكاريّة فصار كلّما رآني أحدِّق في معلم أو تمثال ترك لي الوقت حتّى أنهي قراءتي، وآخذ فكرة عن المعلم وتاريخه ونوع الحدث الّذي حدث في الموضع. أذكر أنّي توقّفت في هذا اليوم عند هذه اللّوحة المرفوعة على أحد جدر المنازل والتي كتب عليها:
«14 جوان 1788م. في مثل هذا اليوم وعلى السّاعة 10 صباحًا. المجلس البلدي المجتمع بدار البلديّة مع أعيان غرونوبل تبنّى نتيجة المداولة التي انتهى إليها المجلس المجتمع بفيزيل وفتح الطريق للثّورة الفرنسيّة».
دار لحظتها في ذهني سؤال بسيط ألم تنطلق الثّورة الفرنسيّة من باريس مثلما تعلّمنا، أم أنّ ذلك كان أيضًا حشوا معرفيّا مغلوطأ، لكنّي سرعان ما أهملت الفكرة والتفتّ إلى حليم الّذي دعاني إلى إحدى المقاهي، بقينا في المقهى ساعة، أو أقلّ انتظرنا فيها أستاذنا منصور، ثم إقترح عليّ حليم أن نذهب إلى زيارته في بيته فوافقت، كان الأستاذ يظنّ أنّي من غير مأوى في غرونوبل فأخذني إلى شقّة أخيه وسلّمني المفتاح وقال لي: «إبق هنا مثلما شئت وسنبقى على اتّصال»، فأخبرته أنّني ضيف عند نورالدّين وأنّي ما اتّصلت به إلاّ من أجل رُؤيته والاطمئنان عليه، وعندما خرجنا من الشّقة إقترح علينا أن نذهب الى مدينة «فيزيل» بالطّبع كان عليّ أن أوافق فكلّ مكان أزوره هو إضافة جديدة إلى ثقافتي السيّاحية والتّاريخية، لكنّنا لما ذهبنا إلى فيزيل لم نذهب إلى وسط مدينتها ولكن ذهبنا إلى قصرها. وقصر يقع في منتزهٍ عريض تصل مساحته إلى 100 هكتار وقد بناه حاكم مقاطعة «الدُّوفيني» في القرن الـ17. ثمّ تحوّل إلى متحف للثّورة الفرنسية التي حدثت في أواخر القرن الـ 18، اعتبارا لقيمته التّاريخيّة، ففي هذا القصر اجتمع لأوّل مرّة منذ تأسيسه سنة 1614م «مجلس طبقات المجتمع العامّة» بعد مواجهات يوم القرميد في «ساحة غرونات» بين ساكنة المدينة وقوّات الملك لويس الـ16. ففي السّابع من جوان 1788م طلب دوق المدينة من برلمانييها مغادرتها بعد أن رفضوا التصديق على قوانين الملك وتبني الإضافات الضّريبيّة، ولمّا تدخّلت قوّات الملك صعد السّكان فوق أسقف منازلهم ورموا تلك القوّات بالقرميد، فاضطرّوها للتّراجع واضطرّوا الملك للموافقة على عقد «مجلس طبقات المجتمع» في مدينة غرونوبل وفي باقي فرنسا، وباجتماع هذا المجلس بدأت نار الثّورة تتأجّج ثمّ اندلعت في الـ14 بباريس معلنة نهاية الملكية وصعود نابليون إلى الحكم.
هذه هي الأفكار التي كانت تتجاذب في ذاكرتي مساء يوم الجمعة عندما كنت أجالس نورالدّين ونورالدّين بالمقهى بساحة «غرونات» ثلاثة أيَّام قبل رحيلي من المدينة.     
           
3ــ في أثر حنّبعل والفرسان النوميديين:
اليوم السّبت من الثّامن أوت، مضى عليَّ أربعة أيّام في مدينة غرونوبل، استيقظت كعادتي على السّاعة 9. لم يعد لي برنامج للرحلة، فيكفي أنّي بين أهلي، ولكن مع ذلك أحسست بانقباض وضيق في الصدر، وانكسار للخاطر، ومزيج من مشاعر الحزن والحرقة داريتهما بابتسامات صفراء، ومزاح غير صادق، كي لا ينتبه مضيفي، فلست أريده أن يُساهمني أوجاعي وآلامي، فأزيده آلامًا إلى آلامه.
لقد همس هامس في روعي يخبرني أنّ موعد الرّحيل قد دنا وأنّه لم يبق لي إلاّ يومين وأغادر هذا الجو العائلي فأعود إلى عزلتي ووحدتي في شتوتغارت. لقد علّمتني الحياة أنّ الواحد منّا عندما يكون بين أهله وأحبابه، يكون مثل الأمير «ها قد جاء الأمير! ها قد ذهب الأمير!» لكن عندما تكون في الغربة وبين أُناس غرباء، غرباء عن دينك، وغرباء عن ثقافتك، ليس هناك ما يجمع بينك وبينهم، فإنّك تكون مثل صعلوك منبوذ لا أحد يبالي به، إن هو جاء أو ذهب. فوجوده وعدمه سيَّان.
لم يبخل عليّ مضيفي من أوّل يوم وصلت فيه عنده ولا أبناء بلدي بشيء اشتهيته أو تمنّيته. فقد أعدت معهم اكتشاف الكرم العربيّ، ودماثة الخلق، وطيبة النَّفس، وأريحيّة السّجيّة، والخوف من التّقصير مع الضّيف، فأحاطوني من أوّل يومٍ برعايتهم، فلم أرَ منهم إلاَّ ما تطيب له نفسي، وترتاح له عيني، ويُدخل المسرّة على قلبي.
إنّ اليوم هو السّبت، وهو يوم راحةٍ للجميع، اقترح عليّ مُضيفي أن نذهب الى ساحة «سانت برونو» حيث السّوق الشّعبي الأسبوعي ومقاهي الجزائريّين ومطاعمهم، والمواعيد العفويّة وتناول أقداح القهوة والشّاي مع أيّ كان من أبناء البلدة (التلاغمة).
كان السّوق مكتظّا، وكان جلّ الباعة من العرب، وكانت المقاهي مملوءة، وملامح زبائنها الّذين يتردّدون عليها مثل ملامحي، سمر الوجوه، سود الشّعر متوسّطو القامة لا تجد بينهم من عيناه زرقاوان، وشعره أصفر إلاّ نادرَا. يتسارعون إلى دفع ثمن قهوتك ويغضبون إن أنت مددت يدك إلى جيبك، ويرون عيبًا كبيرا أن يدفع الضّيف ثمن غدائه أوعشائه في وجودهم.
كان صخب أصواتهم يُغطّي المكان فلا نكاد نلتفت إلى دقَّات أجراس الكنيسة التي تقابلنا، وما هي إلاّ هنيهات نتعارف فيها حتّى نبدأ في الخوض في الحديث الجادّ، ثمّ الثّرثرة، ثمّ النّكت والمزاح، لتتعالى الضّحكات واللَّمزات والهمزات. إنّها الرُّوح الشّرقيّة التي تسكننا وما أجملها.
بعد أن غادرت ومُضيفي المكان، وتناولنا وجبة الغداء في أحد المطاعم الجزائريّة، ورددت كتابا كنت قد اشتريته من احدى دور الكّتب خلطت بين العنوان وصاحبيه، فاستبدلته بغيره. انطلقت ومضيفيّ في رحلة بين وديان وروافد نهر إيزر وبين مرتفعات جبال الألب ومنعرجات فجاجها والتواءات شعابها إلى قرية «فوجاني» في أعلى جبال الألب و27 كم من غرونوبل وبالضّبط إلى منتزه «لافييَّات» السياحي على ارتفاع 1325م. وكانت الفكرة أن نأخذ من هناك التيليفيريك لنكتشف مرتفعات الألب ولكن من سوء حظّنا أنّ اليوم كان السّبت وحركة النّقل بالتليفيرك توقّفت عند السّاعة الرّابعة مساء، ومع ذلك بقينا هناك أكثر من ساعتين نستكشف المكان.
إنّه لا شيءَ أروح للنّفس وأنعش للرّوح من تسلّق الجبال والتّأمّل في إبداع الخالق من علٍ، والنّظر إلى زرقة السّماء تعكسها زرقة مياه الأنهار والوديان تعلوها سحائب صغيرة مشتّتة، وتؤنسها أشجار خضراء مظلّلة تحجب عن الماء قيظ الشّمس فلا يتبخّر.
وأنا أنظر إلى قمم جبال الألب الشّامخة وتعرجات مسالكها ووعورة شعابها، وتدفّق مياه الوديان وروافد النّهر أكوامًا أكواما أوحت لي هذه المناظر بقصّة القائد حنّبعل الّذي غزا روما عبر هذه الجبال، هل مرّ من هنا؟
ولأنّي كنت غير متأكّد إن كان مرّ من هنا أم لا. ذهبت لأسأل إحدى المرشدات السّياحية عنه وعن مغامرته، لكنّها صدمتني بقولها إنّها لم تسمع اسمه من قبل، وكلّ ما تستطيع فعله أن تدلّني على مكتبة المنتزه السّيّاحي لعلّي أجد فيها ما ترومه نفسي.
قلّبت صفحات بعض الكتب المصوّرة لكن لا شيءَ يُذكر، والمرشدة السّياحية معذورة في ذلك فالمكان للتنزّه الطّبيعي وليس مكان سياحة تاريخيّة. ساعتها عزمت أنّي إذا عدت إلى شتوتغارت وباشرت كتابة خواطري عن هذه الرّحلة، أن أقوم بترجمة مقال قرأته من قبل بمجلة التّاريخ هذا عنوانه: «بين جميع الجبال: جواز حنّبعل الألب».  
G/Geschichte: Über alle Berge: Hannibals Alpenüberquerung.                 

والّذي أقدّمه بين يدي القارئ:
على رأس جيشٍ تتقدّمه مجموعة من الفيلة، نجح القائد القرطاجيُّ في عمل رائد لا مثيل له. فهل كان ما أقدم عليه عبقريّة إستراتيجية أم جنون؟
عام 218 ق:. وفجأة حدث هذا: لقد عبر رِجالٌ الممرَّ، رجال كثيرون، أكثر ممّا يُمكن أن يتصوّر المرء. يتقدمهم فرسان أعدادهم لا تُحصَى، وفي الأخير وحوش مُخيفة من العالم السّفلي، أكثر ارتفاعًا من أكواخ الجبل، وبأنيابٍ ملتوية، وآذانٍ مفرطة في الحجم، وجلد شائخٍ ومُجعّد، وقبل هذا وذاك خياشيم طويلة،لا يتخيّلها حتّى من أصابته الحُمّى بالهذيان .إي وربّي إنّه أمر لا يُصدّق، إنّها خياشيم تتجاوز كل مقياس وعِيار!
إنّنا لا نستطيع تشبيه جواز حانيبعل لجبال الألب في العصور الغابرة إلاّ بهبوط الإنسان في العصر الحديث على القمر.إنّه عملٌ فذّ وتخطيط عبقريّ...أن تسوق الفيلة في فصل الثّلج عبر أعلى جبال أوربّا ثمّ لا تفشل، إجمالاً فإنّ خطر هذا العبور مثل خطر أن نرسل الملكة كِليوباترا إلى جزيرة غرينلاند في سفينة للفيكنج. إنّه ليس لنا إلاّ أن نتخيّل أي أثر وأيّ انطباع سيكون لهذا الحدث على من عاشوا في ذلك الوقت.

أوّل العقبات: نهر عريض، وتيّار هائج وماء متدفّق.
في بداية عام 218 ق.م، ومن قرطاجة الجديدة (قرطاجنّة) بجنوب إسبانيا انطلق حنّبعل في جيش تقوامه 90.000 جندي من المشاة و10.000 فارس. وكان هدفه الّذي رسمه منذ البداية أن يهاجم الرّومان مباشرة في الأراضي الايطاليّة. ولكن كيف يمكنه الوصول إلى هناك؟ هل يُحاول عن طريق البحر؟ هذا غير ممكن، فالرُّومان يسيطرون على المِلاحة في البحر وكتائبهم تراقب جميع الشّواطئ. إذًا لم يبق له إلاّ أن يسلك طريق الشّمال عبر جبال الألب. فإذا وصل إلى هناك فسيكون نهر الرّون الواسع ومياهه المتدفّقة وتياراته الهائجة أكبر عقبة في سبيله. فكيف له أن يُجيز الفيلة إلى الضّفة الأخرى من النّهر؟ كتب المؤرّخ «بوليبيوس»، فقال: «إنّه شدَّ وبطريقة واحدة كلَّ عوّامتين إلى بعضهما البعض، وبهذه الطريقة استطاع أن يُجيز أغلب الفيلة التي جلبها معه. ولم يسقط في النّهر إلاّ القليل منها بسبب الخوف فجرّوا معهم قوّادهم إلى الموت المحتوم. وبسبب قوّتهم وضخامتهم بقيت أجسادهم طافية على الماء.
أدرك الرّومان في الحال الخطر، فأرسلوا قنصلهم «بوبليوس سيبيُّو كورنليوس سيبيّو» والد الجنرال «سيبيّو الإفريقي» إلى نواحي مصاليا (مرسيليا) كي يقطع الطّريق على حنّبعل غير أنّه وصل متأخّرا بضعة أيَّام، فعاد أدراجه وهو يعتقد أنّ حنّبعل سيلقى حتفه لا محالة في جبال الألب. وتنتهي المشكلة.
ـــ ثاني العقبات: في أيِّ لحظة يُمكن للقبائل السّلتيّة الهجوم من المواضع العالية في الجبال.
لا زال الغموض إلى اليوم يكتنف عبور حنّبعل جبال الألب، فالمصدران الأساسيّان الّذين نعتمدهما هما ما كتبه المؤرِّخ اليوناني «بوبليوس» الّذي عاش بعد العشرات من السّنين من الحادثة. ثمّ المؤرّخ الرّوماني «تيوس ليفيوس» الّذي كتب عن الحادثة بعد قرنين من الزّمن، وكلاهما يعتمد على تقارير وشهادات لم تعد موجودة، كما أنّ أحدهما يناقض الآخر بعض الشّيْ.
ولهذا فإنّ أبحاث المؤرّخين الحديثة جلّها مختلفة. فلا زال غير معروف المكان الّذي عبر منه حنّبعل بجيشه، وكيف استطاع العبور عبر هذه الفجاج الضّيقة، وهل كان بإمكان قبائل السّلت أن تُهاجم جيشًا جرّارا مثل هذا الجيش بالصّخور والسِّهام. فهنا يجب أن نتعامل بحذر مع المعطيات التي قدّمها المؤرّخان السّابقان باعتبارهما من أصدقاء روما. فهما يقدّمان صورة يبدو فيها حنَّبعل مثل كلب مفترس لا يوقفه شيء من أجل تجسيد أفكاره الجنونيّة.

دهاء فرسان نوميديا يتفوّق على انضباط جنود رومَا

في نوفمبر218 ق.م واجه القائد الرّوماني سيبيُّو حنّبعل في أوّل معركة عند نهر «تيسينوس» فتراجع الجيش الرّوماني وأصيب سيبيّو إصابةً بليغة، غير أنّ خسائر جيشه كانت طفيفة، لقد كانت طريقة قتال الجيشين متباينة كثيرا، فأعتمد الرّومان على الانضباط والتنّظيم، أمّا حنّبعل فاعتمد على خفّة الفرسان النوميدييين ودهائهم وخديعتهم، فبسرعة استطاع الفرسان النوميديّون أن يصلوا وراء الخطوط الخلفيّة للجيش الروماني ويحيطوا به فضمنوا النّصر، وانهزم سيبيّو.
اضطرّت هذه الهزيمة القنصل الثّاني» تيبرِيوس سمبرونيُّوس» الّذي عبر بقوّة كبيرة من الجيش الرّوماني من صقلّية إلى قرطاجة بشمال افريقيا للعودة إلى إيطاليا لمواجهة حنّبعل وبعودته حقّق حنَّبعل ما كان يرمو إليه: الجيش الرُّوماني لم يعد يُهدّد قرطاجة، والحرب ستجري على أراضي إيطاليّا.
في ديسمبر  218 ق.م استدرج حنّبعل الجيش الرّوماني إلى ضفاف نهر»تريبيّا» لتبدأ المعركة الثّانية. أدرك حنّبعل حماسة القائد تيبروس للحرب فدفعه إلى القيام بحركة متهوّرة ويهاجم جيش قرطاجة ويوقع بقوّاته في فخّ دون أن يدرك ذلك. فتلحق الهزيمة الثّانية بروما.
في مارس 217 ق.م يتولّى الأمر في روما قنصلان هما «غناوس سارفيلوس» و»غايوس فلامينوس» يقود كلاهما جيشًا كبيرا، ويتّجه إلى شمال إيطاليا، لينتظرا حنّبعل عند موضع أريمينوم (ريميني الحالي)، وموضع أريتيوم (أريزّو الحالي) ومرّة أخرى يلحق حنّبعل الهزيمة بخصومه وبتكتيك مبتكر. فيصل إلى الأوّل قبل الموعد المتوقّع فيأخذه بغتة، ويسلك مع الثّاني طريقا غير معتادة عبر مرتفعات الأب ومستنقعات نهر أرنو.
فقط ننتظر؟ فكرة غير مُجدية للانتصار على حنّبعل
بسبب مروره عبر مستنقعات أرنو مرض حنّبعل مرضًا شديدا وفقد عينه، ومع ذلك لم يجد القنصلان من مخرج إلاّ الانسحاب من أمامه، لكنّ حنّبعل أدرك جيش فلامينوس عند ضفاف بحيرة «تراسيمينو» فأباده، وسقط منهم 15.000 جنديا من بينهم فلامينوس نفسه.
اهتزّت روما وساد فيها الذّعر فأختير كوينتوس فابيوس ديكتاتورًا لروما لمدة نصف سنة فوضع خطّته في الحال: لا داعي لمواجهة حنّبعل، دعوه ينتظر فلن يتحمّل أكثر مادامت خطوط إمداده مقطوعة. لم تنجح الخُطّة فقد انسحب حنّبعل إلى منطقة أبولين وكامبانين وحصل على ما يريد.
في 216 ق.م اختارت روما مُجدّدا قنصلين اثنين غايوس فيرنتيوس وأميليوس باولوس فركّزا على قتال حنّبعل فجمعا أكبر جيشٍ في تاريخ روما قوامه 90.000 جندي واصطدما به مع حنّبعل في كاناي. إنّه اليوم الأسود في رُوما، باولوس نفسه سقط في المعركة. بعد المعركة ألغت جميع المدن الإيطاليّة ولاءها لروما، ولم تبق أمامه إلاّ مدينة روما، أرسل حنّبعل في طلب النجدة من قرطاجة، لكن قرطاجة رفضت إرسال المساعدة.
استوعب الرّومان الدّرس من هذه الهزيمة فقسّموا جيشهم الى مجموعة جيوش لاستنزاف العدوّ، ثمّ نقلوا المعركة إلى أرض العدوّ، فاستدعت قرطاجة حنّبعل إلى الدّفاع عنها في معركة «زاما» في أكتوبر 202 ق.م على الحدود التونسية الجزائريّة. اتّصل الرّومان بماسينيسا عندما كان بأرض إسبانيا فقبل التحالف معهم والانقلاب على قرطاجة، فانهزم حنّبعل، فتقدّم مجلس شيوخ قرطاجة بعد الهزيمة بطلب السّلام، ووعد بتسليم حنّبعل، فصار الأخير مطاردًا في كلّ مكان فاختار مرارة الانتحار بالسّم على حياة الذّل مع من خانوه وغدروا به.
لا يهمّ إن كان حنّبعل مرّعبر جبال فوجاني أو شافروز، أو أيّ مكان من غرونوبل. يكفي أنّه قدّم في حياته عملا عظيما جعلنا نسأل أنفسنا ونسأل التّاريخ ونحن في أعلى جبال الألب، هل مرّ حنّبعل من هنا؟. ويكفي أن نعرف أنّ فرسان نوميديا الّذين جاؤوا من الأرض التي جئنا منها هم من كانوا يحسمون معاركه، فلم يذق الهزيمة على أرض إيطاليا مرّة وهي أرض غريبة عنه لا يعرف تضاريسها ولا مناخها ولا طبيعة الشّعوب الّذين يعيشون عليها، لم يعرف حنّبعل الهزيمة بفضل جرأة وإقدام وثبات جنوده من نوميديا وشمال إفريقيا، مثلما لم يعرف الحاجب المنصور الهزيمة في 57 معركة في أرض إسبانيا بفضل فرسانه من قبيلتي برزال وزناتة.
رغم أنّ أملنا في أن نركب التيليفيريك قد خاب فلم نصعد إلى مسافة 3000م من جبال الأب إلاّ أنّي عدت ومشاعر البهجة والسرور والفخر تتملّكني.  
      
 4ــ العشاء الأخير:
كان يوم الأحد التّاسع من شهر أوت هو آخر يوم لي بغرونوبل، قضيت صباحه في المدينة العتيقة وعلى رصيف نهر إيزر، ومنتصفه الثّاني في مرتفعات شارتروز. وعند المساء ذهبت ومُضيفي إلى بيت نورالدّين حيث كان لي العشاء الأخير في هذه المدينة، لم يبخل مضيفنا فأعدّ كلّ ما لذّ وطاب من أصناف الطّعام والشّراب، وظلّ يُصرُّ أن نذوق من طبقٍ ملعقة ومن كلّ لحم طريّ قطعة ومن شرابٍ قدحَا.
كان هذا هو عشائي الأخير بين أهلي في هذه المدينة، ففي صباح يوم الإثنين خرجت مبكّرا وركبت القطار إلى مدينة جنيف بسويسرا ومنها إلى شتوتغارت بألمانيا وفي طريق عودتي قرّرت أن أكتب عن الخواطر التي كانت تُملى على ذاكرتي وعن الهواجس والمشاعر التي كانت تتجاذبني، فلم أكتب عن المدينة ولا عن الطّبيعة إلاّ نزرًا قليلا. 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19454

العدد 19454

الخميس 25 أفريل 2024
العدد 19453

العدد 19453

الأربعاء 24 أفريل 2024
العدد 19452

العدد 19452

الإثنين 22 أفريل 2024
العدد 19451

العدد 19451

الإثنين 22 أفريل 2024