عمل سينمائي ناضج يستحق المشاهدة والتأمل
بعد انتظار دام قرابة عشرين عاماً، يعود المخرج الأمريكي سبايك لي والممثل دينزل واشنطن للتعاون مجدداً في فيلم Highest 2 Lowest، وهو تعاونهما الخامس بعد أعمال استثنائية شملت Malcolm X عام 1992 وInside Man عام 2006..ويمثل العمل الجديد إعادة تفسير معاصرة لتحفة المخرج الياباني أكيرا كوروساوا High and Low»» عام 1963، بنقلها إلى شوارع نيويورك الحديثة.
يروي الفيلم قصة عملاق في صناعة الموسيقى، يتعرض لابتزاز يضعه أمام معضلة أخلاقية تتعلق بالحياة والموت..هذا العمل الذي صدر في دور العرض في 15 أوت 2025، سيكون متاحاً للبث على Apple TV اعتباراً من 5 سبتمبر 2025، يأتي في وقت حساس يشهد تساؤلات متزايدة حول العدالة الاجتماعية والطبقية في المجتمع الأمريكي.
الخلفية السينمائية..
يُعتبر الفيلم الأصلي High and Low، من أعظم أعمال الياباني كوروساوا، فقد تناول قصة رجل أعمال ثري يواجه مطالب فدية بعد خطف طفل، والنسخة الأصلية كانت مقتبسة من رواية إد مكبين «King’s Ransom»، وقد حولها كوروساوا إلى دراسة عميقة للتباين الطبقي في اليابان.
ويوضح سبايك لي أنه لم يسع إلى نسخ ما كان عظيماً من قبل، غير أنه يستخدم الماضي كنقطة انطلاق، لمعالجة ما قد يكون المرحلة الأخيرة من مسيرته المهنية، وهذا تصريح يكشف عن نضج فني وفلسفي عميق في تعامل المخرج الأمريكي مع المادة الأصلية، فهو يحوّل الحبكة الأصلية من عالم الأعمال اليابانية التقليدي، إلى صناعة الموسيقى الأمريكية، ما يوفر له مجالاً واسعاً لاستكشاف القضايا العرقية والاجتماعية والدينية التي طالما شغلته.
في النسخة الأمريكية، يلعب دينزل واشنطن دور مدير تنفيذي لشركة تشتغل بالموسيقيّ، ويعيش مصاعب في عصر «الذكاء الاصطناعي، يحاول أن يقفز على تحدياتها، ويبرهن بأن الموسيقى التي يخفق بها القلب، وينتجها الإحساس، أهمّ من موسيقى باردة «يجترحها» روبوت لا يفهم العواطف..
أما جيفري رايت، فهو يؤدي دور سائق المدير التنفيذي، ولكنه – من جهة أخرى، صديقه، بل إن واشنطن يتعامل مع ابن سائقه كأنه ابنه تماما، وهكذا يصفه في ملعب كرة السلة الذي يتدرب فيه الفتيان..مدربهما يصفهما بـ»التوأمين»، والمدير التنفيذي المبدع يوافق.. المدير التنفيذي والسائق يعيشان في حضن صداقة عميقة، ويحافظان - في الوقت نفسه – على التراتبية في الوظائف، كما يحافظان على العامل الديني بعيدا عن النقاش، فالسائق مسلم، والمدير مسيحي، وكلاهما يشتغلان في إطار من المحبة رائع، ما يخلق ديناميكية طبقية واضحة، لا تضر بها التفاوتات الاجتماعية في المجتمع المعاصر..
القرب الذي يبديه دينزل واشنطن من سائقه في بداية الفيلم، ما يوحي بأن المخرج الأمريكي فتح آفاقا جديدة للحياة، فهو يقدّم فيلما نوعيّا يبحث في أعماق الروح، بينما يدق جرس الإنذار حول المسار الذي قد تتجه إليه الثقافة..وهو ما يؤكد قدرة سبايك لي على تحويل المادة الأصلية إلى بيان سياسي معاصر.
ويستفيد الفيلم من خلفية صناعة الموسيقى، لاستكشاف قضايا الثروة والسلطة، خاصة في سياق الثقافة الإفريقية الأمريكية، وصناعة الهيب هوب، لهذا سجل كثير من النقاد أن الاختيار لم يكن عشوائيا، وإنما راهن عليه فريق الفيلم؛ لأنه يعكس فهماً عميقاً لديناميكيات القوة في المجتمع الأمريكي المعاصر.
دينزل واشنطن..الخبرة تتكلم..
لقد راهن فيلم سبايك لي على الأداء الكلاسيكي من دينزل واشنطن، حين قدّمه في صورة عملاق موسيقي يواجه خياراً لا يمكن تصوره..فهو المفاوض القوي في أسواق الموسيقى، وهو الزوج الودود الذي لا يترك فرصة لإرضاء زوجته، وهو الأب الرحيم الذي يعتمد - مع أبنائه (ابنه وابن سائقه) - منهج تربية يتأسس على التناغم والنقاش والإقناع..ولقد قدم واشنطن، وهو في السابعة والسبعين، أداءً ناضجاً يعكس عقوداً من الخبرة في تجسيد الشخصيات المعقدة، فالشخصية التي يؤديها واشنطن تتطلب توازناً دقيقاً بين القوة والضعف، بين الثروة والإنسانية، وهذا هو التعقيد الذي يناسب أسلوب واشنطن القادر على إظهار الصراعات الداخلية دون الحاجة لحوارات مفصلة..إلى جانب واشنطن، ينضم للفيلم إيلفانيش هاديرا وجيفري رايت اللذان يمتلكان عمقاً تمثيلياً يتناسب مع طبيعة المادة الدرامية المعقدة.
ويصف موقع Roger Ebert، فيلم Highest 2 Lowest (واخترنا ترجمتها بـ»من القمة إلى الحضيض»)، بأنه يمثل شخصية مخرجه، فهو فيلم يراهن على عامل الفوضى، بحكم أنه من أفلام الإثارة الإجرامية الفخمة، والحلول غير المتوقعة التي تنطلق بسرعة عندما تتوقع منها أن تتحرك ببطء..هذا الوصف يلخص جوهر أسلوب سبايك لي الإخراجي الذي يتميز بالديناميكية وعدم القابلية للتنبؤ.
الإنتاج والتصوير
بدأ تصوير فيلم «من القمة إلى الحضيض» في 4 مارس 2024 في نيويورك، ما وفر للفيلم خلفية أصيلة تخدم سرديته، فاختيار نيويورك كمكان للتصوير ليس مجرد قرار لوجيستي، وإنما يعكس رؤية فنية تربط بين المكان والمضمون الثيماتي للعمل.
الاستقبال النقدي..تقييم متوازن
حقق الفيلم نجاحاً نقدياً ملحوظاً، حيث أدرجه موقع Rotten Tomatoes ضمن أفضل الأفلام المعتمدة لعام 2025. على موقع IMDb، وحصل على تقييم 6.8/10، مما يشير إلى استقبال إيجابي من الجمهور والنقاد.
ووصف موقع NPR الفيلم بأنه «أحدث تعاون بين سبايك لي ودينزل واشنطن - الأول لهما منذ قرابة 20 عاماً - ويعيد تخيل قصة من 1963 حول رجل أعمال ثري»..ويدعو NPR الفنانين المخضرمين إلى العودة للتعاون، وإن كانت «الدعوة» بعيدة كل البعد عن الرؤية النقدية، ولكنها يمكن أن تعبر عن انبهار الناقد بالعمل الفني.
أما موقع Slate، فقد قدّر أن «من القمة إلى الحضيض» لم يكن بمستوى «مالكوم إكس»، ولكنه سجل أن سبايك لي ودينزل واشنطن «ما يزالان يملكان مفاتيح اللعبة»، وهو اعتراف بأن تعاونهما ينتج أرقى ما يمكن، وإن قدر أن الفيلم الأخير أقل شأنا..
المهرجانات والتوزيع
في أفريل 2025، أكد تييري فريمو أن الفيلم سيُعرض خارج المسابقة الرسمية في مهرجان كان 2025، حيث قُدم على الكروازيت في 19 ماي 2025، ويعكس هذا الاختيار مكانة الفيلم كعمل سينمائي مهم يستحق العرض في واحد من أهم المهرجانات السينمائية عالمياً.
ورغم أن الفيلم مخصص للبث على Apple TV+، إلا أنه يُعتبر مشروعاً يستحق العرض على الشاشة الكبيرة، ويتوقع له كثير من النقاد أن يحقق أداءً جيداً عندما توزعه A24 في دور العرض، فهذا النموذج التوزيعي يعكس التحولات الجديدة في صناعة السينما، حيث تتعاون منصات البث مع استوديوهات التوزيع لضمان وصول أوسع للأعمال المميزة.
من اليابان إلى أمريكا
ولا شكّ أن نقل السّرد من السياق الياباني إلى الواقع الأمريكي، يتطلب حساسية خاصة للفوارق الثقافية والاجتماعية. فقد ركز كوروساوا على النظام الطبقي الياباني التقليدي، ولكن سبايك لي ركّز على التفاوتات العرقية والاقتصادية في المجتمع الأمريكي المعاصر.
أما الأسئلة الأخلاقية التي طرحها كوروساوا حول الواجب والتضحية، فهي تأخذ أبعاداً جديدة في السياق الأمريكي، إذ تصبح مسائل العدالة الاجتماعية والمسؤولية الفردية أكثر تعقيداً في مجتمع يتسم بالتنوع العرقي والثقافي.
والظاهر أن اختيار سبايك لي، لصناعة الموسيقى كخلفية للأحداث، أتاح له استكشاف قضايا معقدة حول الاستغلال التجاري للثقافة الإفريقية الأمريكية، والصراع بين الأصالة الفنية والنجاح التجاري، خاصة في الشق المتعلق بصناعة الموسيقى بآليات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أتاح للفيلم طرح تساؤلات عميقة حول طبيعة العدالة في مجتمع تسوده التفاوتات..هل العدالة الاجتماعية ممكنة في نظام يكافئ الثروة على حساب القيم الإنسانية؟..وهل واجب (واشنطن) أن يدفع للخاطفين قيمة مالية معتبرة، مع أنهم اختطفوا بالخطأ ابن سائقه؟..هنا، تتصاعد الإثارة حين يفرض رجل الأعمال نفسه على المشاهد، ويضع المتفرج في قلب الصراع بين إنقاذ مؤسسته التي تغرق في الديون، أو إنقاذ فتى بريء من براثن الخاطفين الذين هددوا بقتله، وحتى حين قرر «واشنطن» إنقاذ الطفل، فإنه بذل جهده كي يستعيد أمواله من أجل إنقاذ شركته..غير أن الملحمة التي دخلها، أقنعته بأن الشركة ينبغي أن تكون عائلية، حتى تتيح له وقتا يقضيه مع عائلته، عوض الغرق في حروب الشركاء، وأرقام الأسهم، وهو ما سجله في أول الفيلم حين قال لسائقه: حياتي صارت مجموعة أرقام..
في العمق الثيماتي..نجح الفيلم في تقديم طبقات متعددة من المعانى تتجاوز السردية البسيطة، أما الأداء التمثيلي، فمناقشته تبدو من نافلة الكلام، سواء على مستوى الإخراج، أو الأداء، فحين يكون واشنطن ممثلا، يكون الأداء كلها نقاطا عالية، وتتضافر مع رؤية سبايك لي الذي يتمكن – كما هي عادته في كل المواقف - من الموازنة بين الاحترام للمادة الأصلية والإبداع في التفسير المعاصر.
عمل في قمة النضج الفني
«Highest 2 Lowest» يمثل محطة مهمة في مسيرة سبايك لي، حيث يجمع بين خبرته الطويلة في معالجة القضايا الاجتماعية وقدرته على إعادة تفسير الأعمال الكلاسيكية بأسلوب معاصر. وتعاونه مع دينزل واشنطن يضيف بُعداً إضافياً من العمق والمصداقية للعمل، فالفيلم لا يسعى لأن يكون مجرد إعادة إنتاج للعمل الأصلي، بل يطمح لأن يكون بياناً فنياً وسياسياً يعكس تحديات المجتمع الأمريكي المعاصر. كما تؤكد مراجعة Variety التي ذهبت إلى أن «فيلم سبايك لي، يسلّي، ولكنه يدق جرس الإنذار حول المسار الذي قد تتجه إليه الثقافة».
في النهاية، «Highest 2 Lowest» هو عمل سينمائي ناضج يستحق المشاهدة والتأمل، خاصة في عصر تتزايد فيه التساؤلات حول العدالة الاجتماعية والمسؤولية الفردية في مواجهة التفاوتات المجتمعية المتنامية.