في هذه الذكرى المزدوجة لهجوم 20 أوت بالشمال القسنطيني ومؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 بدأ المجاهد عمار معمري مسؤولا في جيش التحرير الوطني متأثرا جدا وهو يروي ما عاناه الشعب الجزائري من ويلات.. عيناه مغرورقتان بالدموع عندما أعاد شريط الشهداء الذين ضحوا من أجل هذا الوطن.
«سي عمار» رجل محب للتاريخ استضفناه في جريدة «الشعب» وهو حامل لوثائق هامة وكتابات حول الأحداث التي عاشها عن قرب وأهم المحطات المضيئة خلال الثورة سجلها… حتى التي إقترفها الفرنسيون ضد الجزائريين ذكّر بها.
كل هذا الأرشيف، الموجود بحوزته جعله يتوفر على الإجابة على كل الأسئلة التي تطرح عليه.. وبالخصوص ما جرى في الشمال وأبعاد أرضية الصومام.
وما شدد عليه المجاهد «سي عمار» هو قوة تنظيم الثورة هذا العامل هو الذي سمح لها بأن تحقق كل تلك الإنتصارات التاريخية ومما زاد في عنفوانها هو الرافد الشعبي الذي منحها تلك الديمومة في زحفها باتجاه نيل الاستقلال الوطني وتوضيح الرؤية لدى المسؤولين والقادة آنذاك، وفي هذا السياق اعتبر أن هجوم ٢٠ أوت ١٩٥٥بمثابة بعث الثورة من جديد.. وتزويدها بجرعات ذات مناعة من أجل مواصلة الكفاح المسلح لاسترجاع السيادة الوطنية.. مضيفا أنه بانضمام الشعب إلى هذا العمل الوطني الجبار.. ثبت المبدأ القائم على تحصين الثورة من كل المحاولات الطارئة الناجمة عن ظروف معينة منها نقص في الأسلحة وكل ما يلزم في مهمة كهذه.. وحسب المجاهد «سي عمار» فإن الشهيد زيغود يوسف شعر فعلا بهذا «الفراغ» الذي تعيشه الثورة جراء إنعدام العتاد الحربي وقرر أن يشن هجوما واسع النطاق في تلك المنطقة لإظهار حقيقة ساطعة مفادها أن الثورة ما تزال مستمرة وهذا عبر ٤٠ عملية مسلحة.
ونفى المجاهد «سي عمار» نفيا قاطعا أن يكون قادة الثورة قد وجهوا ملاحظات حول ما قام به زيغود وما قيل عن هجومه هذا ليس له أساس من الصحة ومجرد إفتراءات «لم أسمع بها إلى غاية الاستقلال» بل بالعكس أن تلك «الهجومات» أخرجت الثورة في تلك المنطقة من إطارها الضيق نحو آفاق أخرى.. باعتراف المسؤولين آنذاك خاصة في ناحية «أوراس النمامشة» التي تخلصت من الطوق والحصار الجهنمي الذي كان مضروبا عليها وفرنسا وجنرالاتها كانوا يعتقدون بأن القضاء على الثورة في الأوراس بداية لاخماد نار الإنتفاضة في باقي نقاط الوطن وهذا الحساب كان خاطئا من الأساس كونه إعتمد على طرح يتناقض مع الواقع ونفى بذلك أن عمر الثورة بلغ حدود التاسعة أشهر ولا يمكن لفرنسا أن تقضي على هذا المشروع الوطني الذي احتضنه جميع الأحرار في هذه البلاد.
وهكذا تغيرت استراتيجية الثورة باتجاه عمل مسلح ميداني ألحق بالقوات الفرنسية خسائر فادحة في الأرواح وأصبح المجاهدون يخوضون المعارك في وضح النهار.. هذا ما أقلق الاستعمار الذي لجأ إلى استعمال سلاح الطيران والمدفعية الميدانية لقصف القرى وشروعه في عمليات تمشيط كبيرة شعارها «أقتل كل من يتحرك» تبعتها سياسة «الأرض المحروقة» كل هذه الأفعال الإجرامية جاءت كرد فعل على اعتقاد فرنسا بأن الثورة قتلت في المهد عندما ألقت بكل ثقلها في الأوراس، ثم تبين فيما بعد بأن الثورة أقوى مما كانت تفكر فيه لذلك راحت تجر أذيال الهزيمة في كل «الجولات» مع جيش التحرير الوطني، في جبال الجزائر.. وسر قوة الثورة في تنظيمها المحكم الذي استطاع أن يقودها إلى الاستقلال الكامل.



