الواقع يفضح مثالية المواثيق، والحق في الحياة ليس مضمونا للجميع
احتفل العالم، أمس، بالذكرى الـ 68 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ظل تحولات خطيرة جعلت الحقوق والحريات تتراجع بشدة لتبقى مواد الإعلان العالمي مجرد شعارات وأهداف سامية نبيلة قريبة من جمهورية أفلاطون أقرب منها لواقعنا.
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جاء بعد حربين عالميتين خسرت فيهم البشرية أكثر من 60 مليون قتيل، ولكن مصادقة كل الدول على الميثاق وتبنيه في مختلف الدساتير والقوانين لم يحسّن من وضع الإنسانية بل زادت الانتهاكات، ولم تتخلص الإنسانية من الأنفس الشريرة التي تعيش بالدماء.
لقد فقدت البشرية الحق في الحياة وبات كل فرد يعيش في قلق فالحروب التي اندلعت لأسباب دينية أو إيديولوجية أو لمصالح معينة أو للسيطرة أو تحت ما يسمى الحرب الباردة أو مكافحة الإرهاب أو العولمة أو الحروب بالوكالة أو الربيع العربي، والتي يظهر أنها ستستمر لأسباب سنعرفها لاحقا وهو ما ولد شعورا للكثير من الشعوب بأنها ستموت حتما لتضمن لشعوب أخرى استمرارها.
إن ما يجري في حلب أمام مرأى الجميع، يؤكد أن الروح والنفس البشرية ليست لها قيمة ومختلف المبررات والمبادرات الخبيثة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعتنا كبشر ستسقط أمام التاريخ ولكن ليتيقن الجميع أن المشارك في فتنة حلب سيدفع الثمن لاحقا مثلما كشف عنه التاريخ في الكثير من المرات.
عودة العنصرية والتطرّف..
يعرف العالم عودة التطرف والعنصرية بشكل لا مثيل له خاصة مع زحف التيارات اليمينية المتطرفة التي تتزامن مع مد إرهابي لا مثيل له لتزداد مخاوف البشرية من المستقبل ومن إمكانية ازدياد الإبادة الجماعية في حق الشعوب العربية والإسلامية، فكل المؤشرات توحي بأن الغرب قد تحالف مع إسرائيل لتقسيم الدول العربية وتشتيت شعوبها وما يحدث في سوريا والعراق وليبيا، واليمن والسودان وغيرها من الدول العربية والإسلامية إلا دليل على أن ما يسمى بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا لن ينعم بالهدوء والسلام وهو ما يتعارض مع الإعلام العالمي لحقوق الإنسان الذي تحدث عن ضرورة احترام الديانات والانتماءات.
مهما كان الإرهاب واقعا ملموسا إلا أن اعترافات واشنطن بضلوعها في خلق هذه الظاهرة والتشجيع عليها ورعاياتها في بعض الأحيان والتي تكون قد خرجت من سيطرتها حاليا لترمي بها لمختلف الدول لتقاسم التبعات كلها معطيات تؤكد ضرورة تحصين الجبهات الداخلية والحذر من مخططات المخابر الغربية التي تسعى لتحطيم كل من يعارضها في الإيديولوجية والدين وحتى القيم والأخلاق.
الفساد الوجه الآخر للإرهاب..
كشفت الأمم المتحدة في آخر تقرير صادر عن الفساد بأن 2600 مليار دولار أموال تذهب للرشوة وهي مبالغ معتبرة جدا تقتطع من ميزانيات التنمية للشعوب وهو ما يرشح ظاهرة الفساد لخلافة الإرهاب بامتياز، طالما أن الآثار المترتبة عنه لا تقل خطورة وتأثير عن الإرهاب.
انتشرت موجة الفساد في العالم بحدة كبيرة في ظل تزايد الحرية التجارية والمبادلات بين مختلف الدول، وكذا انتشار القرصنة والتقليد والسوق الموازي الذي بات يسيطر على الاقتصاد العالمي، كما ان اكتشاف الارتباط الموجود بين الإرهاب والسوق الموازي والتهريب من خلال التمويل جعل الدول تتيقن من ضرورة محاربة الجريمة المنظمة.
الجزائر تبحث عن الأحسن..
تحتفل الجزائر بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهي تسعى لتوسيع الحريات وترقية حقوق الإنسان بتدارك التأخر في هذا الجانب والناتج عن الظروف والمراحل التي مرّت بها البلاد. تسعى الجزائر من خلال المجلس الأعلى لحقوق الإنسان والمصادقة على مختلف الاتفاقيات الدولية والإقليمية وتحيين تشريعاتها وتكييفها مع كل التحولات لبناء قاعدة صلبة لضمان ممارسة حقوق الإنسان دون اكراهات.
حتى وان كانت تجربة الجزائر الفتية محل انتقادات إلا أنها نالت الاعتراف بالتطور الكبير خاصة من خلال توفر الإرادة السياسية في الاستجابة للمتطلبات المتزايدة لترقية الحريات من خلال فتح السمعي البصري وتنظيم حق المواطن في الإعلام ونشر أخلاقيات المهنة، مع العمل على ترقية مشاركة المرأة في المجال السياسي ومختلف مناحي الحياة، ناهيك عن توفير ظروف المحاكمات العادلة وضمان حقوق المتقاضين والتقليص من حالات الحبس الاحتياطي، ومكافحة الفساد ومتابعة المفسدين قضائيا.
من بين المجالات أيضا تمكين المواطن من الحق في السكن، والحق في التعليم والاستفادة من الثروة وممارسة حق المعارضة دون اكراهات.





