يناير يجمع شمل كل الجزائريين
يعتبر الاحتفال بغرّة السنة الأمازيغية عند العديد من العائلات الجزائرية من التقاليد المقدسة التي لا يمكن تجاوزها أو الاستغناء عنها بعفوية وتلقائية، غير أنّ الذي أصبح شائعا وقائما لدى العائلات بهذا الشأن يكمن بالدرجة الأولى في تجاهل حقيقة يناير أو الناير كما هو متداول عند معظم الجزائريين بالرغم من تشابه الطقوس والعادات الموروثة أبا عن جد لدى السواد الأعظم من فعاليات المجتمع الجزائري برمته، لاسيما حين يتعلّق الأمر بمنطقة القبائل أو مناطق أخرى بشتى ربوع الجزائر التي تقطنها عائلات أمازيغية تولي اهتماما بالغا ومتميّزاللتاريخ الأمازيغي والحضارة الأمازيغية عموما.
مثلما هو الشأن بالنسبة لمدن وأرياف منطقة تيبازة بحيث لم تتمكن عدّة جهات محسوبة على هذه الفئة بعدّة مناطق من الولاية من تقديم تفاسير مقنعة تلقى إجماعا من طرف جميع المواطنين على الاحتفال بالناير في حين أن عدّة مصادر اجتماعية أخرى لا تحسب على التيار المتشدق بالامازيغية أقرّت بصفة تكاد تحقق الإجماع أنّ الاحتفال بالناير يندرج ضمن ترسانة التقاليد التي تميّز المجتمع الجزائري وما المأكولات المختلفة التي يتم تناولها بالمناسبة إلا عينات من المواد الرمزية التي تعنى بنشر معاني التلاحم والترابط بين أفراد المجتمع ناهيك عن الاحتياط من الأمراض المحتملة مستقبلا بما يفيد أنّ عادة الناير ترتبط بالمعتقدات والتفاسير الخرافية للتصرفات الواقية من كل سوء يحتمل بأن يصدر عن الطبيعة.
المأكولات الشهية والحلويات تصنع الحدث في يناير
وفي هذا السياق فقد أجمعت العائلات التي صادفناها بكل من القليعة وفوكة وشرشال وأعالي قوراية و حجوط والتي تمثّل أكبر التجمعات السكانية بالمنطقة على أنّ العادة الموروثة عن الأجداد تقتضي تحضير مأكولات التشتشة الشهية والتي تعتمد على استعمال النباتات الغذائية (القرنينة والخبيز والسلق وغيرها) ليلة 11 جانفي على أن يتم تحضير عشاء اليوم الموالي باللحوم البيضاء عن طريق إسالة دماء دجاج حيث يلتزم ربّ كلّ بيت بتناول رأسه بعد طهيه بخلفية المقدرة على تسيير شؤون البيت دون أية عوائق تذكر، كما تقسّم على أفراد العائلة الواحدة في ذات الليلة جملة من الحلويات المعدة لهذا الغرض و هي الحلويات التي تجمع عادة بين اللوز والجوز والفول السوداني والتين المجفف والتمر وحلويات أخرى يتم تحضيرها محليا دون نسيان ثمرة البرتقال التي ينتقى منها الصنف الأكثر حلاوة حتى يتناسب مع الحكمة المتعلقة بهذه العادة الرامية إلى تعزيز الترابط و التآزر بين أفراد الأسرة طيلة العام الموالي فيما تقوم ربات البيوت بتحضير الخفاف في اليوم الموالي في إشارة منها إلى الخفة والليونة في كل مناحي الحياة طيلة العام كله، بحيث لاتزال عدة عائلات بالمنطقة محافظة على هذه التقاليد المتواترة عن الأجداد فيما تكتفي عائلات أخرى بتناول الحلويات ليلة الثاني عشر من جانفي التي تصادف ميلاد سنة جديدة من التاريخ الأمازيغي الذي تمتد جذوره إلى القرن العاشر قبل الميلاد، حين تمكّن الحاكم الأمازيغي الفذ ششناق من دحر القوات الفرعونية المداهمة لمعسكرات الأمازيغ الذين عرف عنهم منذ القدم دفاعهم المستميت عن أوطانهم وأراضيهم.
القليعة تحن إلى ماضيها
وإذا كانت معظم الأساطير التي وردت إلينا أبا عن جد تجمع على أنّ الاحتفال بالناير يهدف إلى دفع الأمراض المحتملة وقضاء عام سعيد بعيدا عن المشاكل الاجتماعية والصحية فإن البعض الآخر ممّن تحدّثنا إليهم أشاروا إلى أنّهم ظلّوا يتردّدون في هذه المناسبة على أضرحة أولياء الله الصالحين لغرض التبرّك على غرار أبناء مدينة القليعة الذين يقصدون الولي الصالح سيدي على مبارك إلا أنّ زحف الغارة الإرهابية الرهيبة طيلة سنوات خلت على كل ما له صلة بالتقاليد والعادات أفرز تجميد العديد منها إلى إشعار آخر، غير أنّ أبناء القليعة يراودهم الحنين حاليا للعودة من جديد إلى تقاليد الأجداد بما يفيد أنّ كثيرا من الجزائريين لم يعودوا قادرين على التمييز بين العادات الموروثة عن الأزمنة الغابرة وتلك التي أتت بها الفتوحات الإسلامية في وقت لاحق.
ومن هذا المنطلق فقد لمسنا لدى فئات واسعة من المجتمع بمدينة القليعة التاريخية أنّ الاهتمام بعيد الناير يصبّ حاليا في تناول مختلف الحلويات الممزوجة ببعضها البعض على خلفية الاستهلاك والتلذّذ بها لاغير بحيث تستغلّ هذه المناسبة لإقامة أفراح عائلية يلتف من خلالها معظم أعضاء العائلة الواحدة حول المائدة لتعرض عليهم أحلى وألذّ الحلويات بالتساوي ودون أيّ تفضيل لفرد على آخر، وتبقى الرغبة الجامحة في التلذّذ هي المعيار الأكثر شيوعا لدى فئة الشباب التي ترفض فكرة الارتباط الأعمى بجذور التاريخ لما لها من تأثير مباشر على المعتقدات الخرافية غير الحضارية.
ذوجمبر لا يزال محفوظا في عادات وتقاليد الجزائريين
على صعيد آخر لاتزال العديد من العائلات التيبازية على اختلاف مواقعها تحتفل بعيد ذوجمبر الذي يصادف الثاني عشر من شهر ديسمبر بتحضير عشاء من اللحوم البيضاء كعربون منها لتوديع العام الساري دون أن تتعرّض لسوء و إحترازا منها من الإصابة بقطرة جمبير الشهيرة التي يحتمل أن تسقط بأواني الماء الشروب في تلك الليلة أو بعدها ليصاب الذي يتناول الماء المعني بآلام وأورام حادة خلال الأسبوع الموالي ويغادر الحياة قبل حلول شهر ذوجمبر المقبل، ذلك ما أكّدته لنا عدّة عائلات ومن مناطق مختلفة بحيث لايزال أفرادها يحذّرون أبناءهم من شرب الماء المعروض للسماء بالليل طيلة شهر ذوجمبر قبل التحديق فيه مليا للتأكّد من خلوه من الجمرة الخبيثة التي تنتسب إلى جمبير الشهير، لاسيما حينما يتعلّق الأمر بالمياه المعرّضة للنجوم حسب ما يعتقده العديد ممّن كوتهم عقدة تاريخ الأجداد، و قد زاد هؤلاء اقتناعا بهذا التوجّه ما حصل بالصين قبل 4 سنوات من الآن حين اكتسح فيروس السارس مناطق متعددة من هذا البلد متسببا في مقتل الآلاف من الصينيين، أو كما حصل بالولايات المتحدة قبل ذلك حين انتشرت جمرة خبيثة غريبة بمصالح البريد الأمريكية وأسفرت عن وفاة العديد من الأشخاص.
وإذا كانت هذه المعتقدات والتخمينات تبدو في ظاهرها قد تجاوزها الزمن وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بأساطير الأولين التي تجمع بين الخوف والحماقة فإنّ الذي لا يمكن إنكاره في هذا الإطار هو عمق الحضارة الجزائرية التي تمتد جذورها إلى قرون ما قبل الميلاد وإلى عهود ما قبل التاريخ، بحيث لاتزال المعتقدات والتقاليد المتداولة حينها قائمة ببلادنا بالرغم من تعاقب العديد من الحضارات الأخرى طيلة قرون من الزمن ولاتزال بصمات التاريخ شاهدة على عمق الجذور وعراقة التقاليد والقيم، ولم تتمكّن الفتوحات الإسلامية الزاحفة من المشرق من إذابة التقاليد المرتبطة بالخرافة والأسطورة وإعادة بناء الشخصية الجزائرية وفق النمط المشرقي الأصيل كما لم تتمكّن من سد مجمل الثغرات التي تنفذ عبرها ترسانة التقاليد الشعبية العريقة والضاربة جذورها في عمق التاريخ من الأزل، ومن ذلك فإنّه لا يختلف اثنان اليوم في كون عدد لا يستهان به من الجزائريين يحافظ على مجمل العادات الموروثة اعتقادا منه بأنّها من الدين وأنّها من الطقوس التي لا يجوز الاستغناء عنها لضمان سيرورة الحياة بصورتها الطبيعية، فهل أسهمت الجهات المسؤولة عن هذه الجوانب في أداء وظيفتها فعلا أم أنّ الأمور لاتزال تسير وفق النمط الذي تصنع فلسفته الأسطورة ؟؟؟



