الاحتفاء بيناير بين أحضان الطبيعة، المشي وسط الغابة الخضراء واستنشاق الهواء النقي العليل بأعالي جبل شنوة واستحضار عادات وتقاليد المنطقة التي قاوم الكثير منها الزمن والتحضر وبقي راسخا في الأذهان، تداولته الذاكرة الشعبية من جيل إلى جيل، هي الطريقة التي اختارتها الجمعية الوطنية “تراث جزايرنا “ لنشاطها بمناسبة اليوم الوطني الأول لبداية السنة الأمازيغية، بعيدا عن الطابع الفلكلوري الذي ميز معظم التظاهرات التي شهدتها كل ربوع الوطن.
كانت الانطلاقة من الجزائر العاصمة على الساعة الثامنة والنصف صباحا، من محطة المسافرين شبه الحضري 2 ماي 1945 وكان اللقاء الأول بين الكثير من أعضاء الجمعية الوطني “تراث جزايرنا “، التي تحصلت على الاعتماد رسميا شهر ديسمبر الماضي فقط، الوافدون من العديد من الولايات كباتنة وغرداية ووهران وغيرها جاؤوا لإحياء النشاط الرسمي الأول للجمعية الفتية التي ترأسها الأستاذة الجامعية والمختصة في علم آثار ما قبل فايزة رياش.
الجو البارد والممطر من فترة إلى أخرى كان ينبئ باحتمال تغيير البرنامج المسطر الذي شمل ثلاثة محطات هي الصعود إلى جبل شنوة مع الوافدين والعائلات الشنوية، ثم زيارة ضريح سيدي إبراهيم، فالوقوف عند “عين الزهر” المنبع العذب الذي ينبثق من الأرض بالمنطقة التي تسمى لالة ونزة، وأخيرا الوصول إلى شجرة الزيتون الشجرة الألفية حيث قدمت وجبة يناير التقليدية.
لكن حين الوصول إلى سفح جبل شنوة، كانت الشمس في الموعد، وكذا بعض عائلات المنطقة وعلى رأسهم المرشد السياحي عبد القادر سرحان ورئيسة نادي الغوص بتيبازة سليمة باليسترو وغيرهم، وبعض استلام التعليمات الخاصة بالصعود إلى الجبل الذي قدمها المرشد السياحي، مشددا على توخي الحذر والالتزام بالمشي في مجموعات وعدم الابتعاد عن المسار المحدد هو إبراز تراث المنطقة الثقافي المتنوع وتشجيع السياحة الجبلية.”
تقاليد تضرب جذورها في عمق الماضي
الوقفة الأولى في الجولة السياحية، كانت بمقر الولي الصالح سيدي إبراهيم، حيث قدم المرشد السياحي عبد القادر سرحان بعض المعلومات عن الولي الصالح الذي يحتفى بوعدته في آخر جمعة من شهر أكتوبر كل سنة، وقد كان قديما هذا اليوم مزارا للمقام واجتماع كل المزارعين والفلاحين في المنطقة وما جاورها، حيت تتم مقايضة البدور، وخيرات الأرض من خضر وفواكه وبقول فيما بينهم ويرحل الكل حاملا معه بعضا من تراب أرض المقام يخلطه بالبدور قبل زرعها.
ويعود عمي عبد القادر إلى الاحتفائية بيناير في المنطقة، قائلا: “كان أهالي المنطقة يحتفلون بيناير لمدة ثلاثة أيام، حيت يبدأ الاحتفال على مستوى ضريح سيدي إبراهيم الولي الصالح للمنطقة، أنها كانت ولا زالت تقام على مدار 3 أيام حيت يقول: كانت النسوة تحضر للحدث أياما من قبل، حيت يتم تجديد الموقد والنصب الثلاثة التي كان يقوم عليها والصعود إلى الجبل لجمع بعض الأعشاب العطرية التي تعد بها الكويرات وحشوة الدجاج الذي يعد به طبق البركوكس وكذا جمع الفواكه الشتوية واقتناء فاكهة الموسم الطازجة وإعداد الخفاف والخبز والثريدة، وهي أطباق مازلت محافظ عليها إلى حد الساعة”.
جولة رائعة في رحاب جبل شنوة
هي 6 كيلوميترات مشيا على الأقدام بين الطيعة الهادئة، وعلى آثار عمي عبد القادر المرشد السياحي، الذي جعل من الجولة متعة حقيقيا ودرسا في النبتات والسياحة الجبلية، حيث تميز بمعلوماته الموسوعية في ما يخص النباتات والأعشاب العطرية التي يستعملها أهالي المنطقة خاصة العجائز في الطهي وكأدوية للعديد من الأمراض.
ولم يضاه المرشد السياحي خلال هذه الجولة في تقديم الشروحات حول النباتات سوى خالتي فاطمة صاحبة 87 عاما والتي لم يمنعها سنها من السير مع المجموعة صعودا ونزولا من الجبل، حيت تبين أنها موسوعة متنقلة، قدمت العديد من المعلومات والوصفات القيمة المتوارثة تقول عن ناس زمان.
وجبة يناير عند الشجرة الألفية
وفي حدود الساعة الواحدة، كان الوصول إلى المحطة الثالثة والأخيرة في الجولة، وهي شجرة الزيتون التي تبلغ ألف عام والتي يسعى أهالي المنطقة والمدافعين عن البيئة الحفاظ عليها، حيت كان الجميع على موعد مع وجبة يناير التي طهت عجوز طيبة من المنطقة وقد تجاوزت عقدها الثامن وهي الوجبة المتكونة من طبق البركوكس بالدجاج، وطبق الكويرات المصنوعة من الدقيق والأعشاب العطرية، والتريدة والتراس الرفيس، إلى جانب” خبزة يناير” التي أعدتها لأول مرة السيدة جميلة والتي أرادتها إضافة جديدة لأطباق المنطقة وهي عبارة عن خبز حلو محشو بالمكسرات والشكولاطة.
في تصريح لـ« الشعب” بالمناسبة أكدت فايزة رياش رئيسة الجمعية أن إحياء يناير رسميا هذه السنة ولأول مرة في الجزائر، هي مناسبة لتوطيد علاقة الشعب الجزائري بعاداته وتقاليده وموروثه الثقافي والتاريخي، وهو حدث تضيف قائلا له دلالة كبيرة وبعد الهدف منه إبراز الأهمية التي يكتسيها هذا اليوم لدى المواطن الجزائري وعلاقته الكبيرة بالأرض وخيراتها.
وقد كان من المقرر أن تختتم الجولة بجبل شنوة بجلسة شعبية مع ابن المنطقة الفنان موسى رحال، لكن تعذر هذا الأخير عن الحضور.


