البليديون يستذكرون تقليد «بوشيخة» في احتفالية المولد النبوي
«بوشيخة خذاه الحال بخرولوا بالحلحال، يما يما كحليلو بالمرود يفجى الغمة»
تعوّد البليديّون كلّما حلّت احتفالية ميلاد سيد الخلق النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، أن يحيوا عادة باتت في دفاتر الأيام، أرشيفا جميلا، يحنون إليه كل موعد والقليل منهم بات يحييه ويحتفي به، مثلما كان أناس أيام زمان، وبالأخص تقليد «بوشيخة» وكيف كانوا يردّدون مديحا عذبا شاعريا، لا يمل ويسأم منه من سمعه ومن ردّده في لعن عذب، والصغار من حول الجموع ينيرون الشموع، وسيدات المطبخ وربات تذرفن الدموع، فرحا بعيد ميلاد سيد الخلق.
يقول العم «يوسف أرواغي» محدّثا «الشعب»، وهو أحد أبناء البليدة وهو يحكي متبسّما، وفي هندام رسمي وربطة العنق تزيّن قميصة الأبيض، جلس وهو يدقّق في تموضع نظارته جيدا، أنه كلما تجدّد عيد المولد النبي الشريف، إلا وتجد أبناء الأحياء في الدويرات وأولاد السلطان والجون، والحماليت ويما مغيثة ونانة عائشة وغيرها، يبدأون في التحضير وكأنّ ضيفا كريما اقترب موعد مقدمه، وتتحول تلك الدور والبيوت إلى ما يشبه ورشات الصناعة، الكل منهمك في صناعة «المنارة»، بألوانها وأحجامها، منها الصغيرة التي توضع في البيوت، والكبيرة العملاقة التي تزين الجوامع والصوامع، والباقي من الصناع لهذه المنارات، يعرضها في أسواق باب الرحبة وبلاصت العرب والتنصارى، للبيع بدنانير يشتري بها الشموع والحناء، وبعضا من المفرقعات
(الهادئة)، وليست كما هي اليوم، ثم يأتي اليوم الموعود الـ 12 من ربيع الأول، ويا له من يوم، يتوقف العم «يوسف» وهو لا يتوقف عن الابتسامة ويعتدل في كرسيه.
ويواصل بعد أن وضع من جديد نظارته الجميلة، ويسرد في تسلل، وحينما يحين وقت العصر وبعده، يؤتى بتلك المنارات وقد تزينت بالشموع، وتوضع في ركن وزوايا جوامع «ابن سعدون» والحنفي وسيدي الكبير وغيرها، ثم يبدأ من ذلك الميقات الى صلاة العشاء، في الذكر الطيب وتلاوة «حزب» من كتباه العزيز، وإلقاء الدروس والمديح الطيب، وقد اجتمع الناس: أنصتوا وردّدوا وهلّلوا في جو روحاني عظيم، كيف لا واليوم مولد سيد العالمين محمد ابن عبد الله، وخاتم الأنبياء والمكرمين، ثم يأتي الليل وقد تفرّق المصلون بعد العشاء.
الطمينة، القشابة، بوشيخة، حجاج بيت الله ما شفتو رسول الله
وعادوا الى بيوتهم، في وقت انتشر الصبية والصغار، وبدأوا يجوبون المنازل والجيران، ويلتمسون كرمهم، وكلّما مروا على « دار»، الا والعطايا تنزل عليهم، من حلوى أو شموع، وهنا يشكر الصغار صاحب الدار الكريم، ويرددون «دار الخير دار الخير»، أما من لم يحسن العطية وبخل، فلن يتردد الصبية في وصفه بـ «دار الشر دار القمل والصيبان»، ثم ينتشرون الى بقية الحارات والحومات ، وهم يلعبون في نشوة.
بوقالة «محمد محمد» تجتمع عليها النسوة في كل البيوت
وفي البيوت وبعد أن حضرت النساء «الطمينة» وما طاب من أكل شهي، يكون في الغالب مختصرا في طبق «الرشتة» مزيّن بقطع من طير الدجاج، وحبذا لو كان ديكا، أو كما يعرف بين الناس بـ «السردوك»، ذو عرف أحمر يتوج به رأسه، يأتي الصغار ويلعبون لعبة «بوشيخة»، ومضمونها أن يلبس واحد منهم لباس الريف التقليدي «قشابة» بالمقلوب، وتوضع على وجه «القلمونة» فلا يعد يرى شيئا، ثم يسحب حتى يسقط ويتدحرج، ويبدأ الباقي من الأطفال يردّدون لحنا في مقطع جميل ويقولون:
«بوشيخة خذاه الحال، بخرولوا بالحلحال، يما يما كحليلو بالمرود يفجى الغمة، انشوف سيدي محمد يدو حمراء، بالخواتم والحنا يفج الغمة، يا حجاج بيت الله ما شفتو رسول الله، شفناه وريناه في مكة خليناه، يتوضى ويصلي ويقرى في كتاب الله، بنتو فاطمة تبكي وتعيط يا رسول الله».
وهكذا تكون السهرة قد اكتملت، والمعنى في اليوم الاحتفالي مضى بكل عذوبته، ليختم ببوقالات غالبا ما تكون في البوقالة المشهورة «محمد محمد، ما كان امرأة جابت كيفك ولد، يا مزيان القد، يلي ما غاب عنك تخمامي»، وتظل الشموع مضاءة الى أن تنطفئ وسط ليلة تشرّفت بميلاد عظيم هذه الأمة، على أمل أن تستمر الاحتفالية لأسبوع ميلاد سيد الخلق، وهو تقليد لم يكن ينقطع، ختم عمي يوسف كلامه بالمسك والعسل.



