محمد إبراهيم بوخروبة أو هواري بومدين الاسم الذي عرف به فيما بعد، من عائلة كبيرة العدد تمتهن خدمة الارض ولد في 23 أوت سنة 1932 في دوّار بني عدي «العرعرة» مقابل جبل دباغ، بلدية مجاز عمار على بعد بضعة كيلومترات غرب مدينة قالمة، وسجّل في سجلات الميلاد ببلدية عين حساينية «كلوزال سابقا».
رغم الظروف المادية للعائلة، قرر والده الذي كان يحبه كثيرا مواصلة تعليمه، فكانت الكتاتيب القرآنية المحطة الأولى في مساره التعليمي، وبذلك دخل المدرسة القرآنية بالقرية التي ولد فيها، وكان عمره آنذاك 4 سنوات، وعندما بلغ سن السادسة دخل مدرسة «ألمابير» في سنة 1938 في مدينة قالمة وتحمل المدرسة اليوم اسم مدرسة «محمد عبده»، ولأن عائلته تقيم في بني عديّ أوكل أبوه أمره للتكفل به إلى عائلة بن إسماعيل، مقابل ما يمكن تقديمه لها من منتجات غابية أو زراعية من الفحم أو القمح أو الحطب، وهي المواد التي كان يحتاجها سكان المدن في ذلك الوقت، وبعد سنتين أوكله والده من جديد لعائلة بامسعود بدار سعيد بن خلوف في حي مقادور، والذي كان حيّاً لليهود في ذلك الوقت «شارع ديابي حاليا»، كان بومدين يدرس في المدرسة الفرنسية، وفي نفس الوقت يلازم الكتّاب من طلوع الفجر إلى الساعة السابعة والنصف صباحا، ثمّ يذهب في الساعة الثامنة إلى المدرسة الفرنسية إلى غاية الساعة الرابعة وبعدها يتوجّه إلى الكتّاب مجدداً، وبعد ثماني سنوات من الدراسة بقالمة عاد إلى قريته في بني عدي.
تعلّمه وتعليمه للقرآن بقريته
ختم هواري بومدين القران الكريم في سنة 1948، وأصبحَ يُدَرّسه لأبناء قَريتِه، إضافة الى اللغة العربية، وفي سنة 1949 ترك محمد بوخروبة، عائلته مجدداً وتوجه إلى المدرسة الكتانية في مدينة قسنطينة، وكان نظام المدرسة داخليًا وعلى الطلبة أن يقوموا بأعباء الطبخ والتنظيف، وفي تلك الآونة كان عمه الحاج الطيب بوخروبة قد رجع من أداء فريضة الحجّ مشيا على الأقدام، وبعد عودته ذهب إليه محمد «هواري بومدين» ليقدّم له التهاني، وكان هواري يسأل عمه عن كل صغيرة وكبيرة عن سفره إلى الديار المقدسة، وعمه يخبره عن كل التفاصيل ودقائق الأمور وكيف كان الحجاج يتهرّبون من الجمارك والشرطة في الحدود وحدّثه عن الطرق التي كان يسلكها الحجّاج، وكان بومدين يسجّل كل صغيرة وكبيرة، ويخطط للسفر حيث اطلع ثلاثة من زملائه في المدرسة الكتانية على نيته في السفر وعرض عليهم مرافقته فرفضوا ذلك لأنهم لا يملكون جواز سفر، فأطلعهم على خريطة الهروب وقال: هذا هو جواز السفر، وعند استدعائه من قبل المستعمر لأداء الخدمة العسكرية بالجيش الفرنسي، ولإيمانه الراسخ بعدالة قضية بلاده، ورأى أن المخرج هو في الفرار والسفر، وعندما تمكن من اقناع رفاقه بالسفر باعوا ثيابهم للسفر برا باتجاه تونس.
رحلته إلى الأزهر عبر تونس
قرّر بومدين في سبتمبر 1951 أن يقوم بالرحلة مشيا على الأقدام دون علم أهله فرجع إلى قسنطينة، وباع كل أثاث بيته الكائن في دار بن جلول بالسويقة، ومن تونس توجه هواري بومدين إلى مصر عبر الأراضي الليبية، ودخل الأراضي المصرية بعد صلاة العصر، وبعد ان غيّر جلدة القدمين أكثر من خمس مرات، واتجه برفقة محمد الصالح شيروف، الى رواق المغاربة بالأزهر الشريف، بعد سفرية شاقة دامت ثلاثة أشهر كاملة. ودرس بالجامع الأزهر وتفوق في دراسته، وقسّم وقته بين الدراسة والنضال السياسي، حيث كان منخرطا في حزب الشعب الجزائري، كما كان يعمل ضمن مكتب المغرب العربي الكبير سنة 1950، الذي أسّسه زعماء جزائريون ومغاربة وتونسيون تعاهدوا فيما بينهم على محاربة فرنسا وأن لا يضعوا السلاح حتى تحرير الشمال الأفريقي، ومن مؤسسي هذا المكتب علال الفاسي من المغرب وصالح بن يوسف من تونس وأحمد بن بلة وآيت أحمد من الجزائر، وكان هذا المكتب يهيكل طلبة المغرب العربي الذين يدرسون في الخارج.



