كل أمم وشعوب هذا العالم تخوض معارك من أجل الحفاظ على هوياتها وخصوصياتها، لأن هذين العنصرين هما ضمان بقاء واستمرار أي أمة وضمان عدم ذوبانها وانصهارها في قوالب أخرى، لذلك كانت الشعوب تشيّد الحصون والجدُر ليس لصد الهجمات ولكن من أجل حماية نفسها من الثقافات الدخيلة والهويات الجديدة التي تهدد كينونتها.
الجزائر كغيرها من بلدان العالم، معنية بالجيل الجديد من الحروب التي تعمل على ضرب الهويات، تغيير القناعات والقضاء على الخصوصيات على ضوء عولمة داهمة تطلب منك أن تستهلك وتستهلك ثم تفكر بعد ذلك، بل تريد للاستهلاك أن يكون دينا جديدا معابده الأسواق، الواقعية أو الافتراضية.
في هذا الصدد نظم المجلس الإسلامي، في إطار ندواته الدورية، ندوة بعنوان: «المجابهة الإعلامية وأمن الهوية في عصر الهيمنة الجديدة»، الخميس، بمقره ببن عكنون، نشطها أساتذة في العلوم الإسلامية وعلوم الإعلام والاتصال، افتتحها رئيس المجلس الدكتور بوعبد الله غلام الله، تطرق فيها الى مخاطر الداخل، في إشارة صريحة الى مزدوجي الجنسية، واصفا إياهم بأنصاف الجزائريين الذين كان عليهم حسم موقفهم من ذلك – بحسبه – قبل حوالي 60 عاما، أي في 19 مارس 1962، مؤكدا ان الندوة هذه تأتي إحياء لذكرى عيد النصر التي انتصر فيها الشعب الجزائري على الاستعمار.
الندوة التي أدارها الأمين العام للمجلس، الدكتور بومدين بوزيد وحضرها وزير التعليم التعليم العالي، عبد الباقي بن زيان، الذي ألقى كلمة مقتضبة بالمناسبة تكلم عن دور الجامعة في نشر الوعي، عرفت مداخلات لأساتذة من مختلف التخصصات، استهلها الدكتور سليمان ولد خسال في مداخلة بعنوان، «إدارة الرسول عليه الصلاة والسلام للحملة الإعلامية ومجابهة الحرب النفسية التي شنها عليه مشركو قريش»، عاد فيها الى حملات التشويه التي تعرض لها خير الخلق وكيف لجأ عليه الصلاة والسلام الى الاعتماد على الحرب النفسية في الانتصار في غزواته.
أما المحور الثاني من الندوة، فقد تم تخصيصه للاستقلال اللغوي ودوره في فك الارتباط مع الهيمنة الاستعمارية وهو المحور الذي نشطه الدكتور العيد زغلامي، الإعلامي وأستاذ الإعلام والاتصال، الذي تكلم عن كيفية استمرار الهيمنة الفرنسية في القارة عن طريق اللغة، في إشارة إلى الفرنكوفونية. وأكد في الصدد، أن القطيعة مع الاستعمار تبدأ بإحداث قطيعة مع لغته، كما تطرق إلى الحرب الإعلامية الجديدة وضرورة استعادة الإعلام الوطني لمصداقيته من خلال نقل الحقائق ونقل انشغالات المواطن أينما كان.
المحور الثالث الموسوم بـ «مجابهة الحروب الجديدة وتحقيق الأمن الشامل على الأصعدة، الثقافية، اللغوية، الاجتماعية والاعلامية». في المحور أكد، الدكتور عبد السلام بن زاوي، مدير المدرسة العليا للصحافة بجامعة الجزائر-3، أن الحروب شاملة ومتزامنة، مؤكدا أنه لا يمكن فصل جانب عن آخر، كما لا يمكن الحديث عن حرب إعلامية صرفة أو بمفردها لأن الحرب – بحسبه – تخاض على عدة جبهات. كما تساءل بن زاوي عن ظاهرة قال إنها تحتاج الى دراسة وهي عزوف الجزائريين عن مشاهدة القنوات الفرنسية في شهر رمضان المعظم، على عكس الأشهر الأخرى من السنة، حيث تحظى بحصة الأسد، مؤكدا أن هذا المعطى يمكن أن يشكل قاعدة لكيفية جذب المشاهد الجزائري لاستهلاك الانتاج الاعلامي الوطني.
الندوة شهدت بعد مداخلات الأساتذة نقاشا نشطه أساتذة من مختلف الجامعات الجزائرية، منها الجزائر، غليزان وقسنطينة، على غرار الدكتور سليم قلالة، كمال بوزيدي عن المجلس الإسلامي الأعلى والدكتور صالح بلعيد، رئيس المجلس الأعلى للغة العربية.
في الأخير وفي كلمة ختامية، أكد رئيس المجلس، بوعبد الله غلام الله، على انفتاح المجلس على الجامعات وإشراك أساتذتها في إثراء مثل هذه النقاشات، من أجل تحصين الجزائر من كل التهديدات والمخاطر، قبل تكريمه للأساتذة المحاضرين، ليعطي إشارة الختام بآيات بيّنات من الذكر الحكيم، تلاها أحد المشايخ والأئمة.



