يُنصّب، اليوم، الأعضاء الجدد للمجلس الشعبي الوطني ــ الغرفة الثانية للبرلمان ــ إيذانا بانطلاق العهدة البرلمانية التاسعة (2021ـ 2026) في تاريخ الجزائر المستقلة، بعد أن حُلت هذه الهيئة التشريعية من قبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في فيفري الماضي.
هي عهدة جديدة بنواب جدد، تتماشى وخارطة سياسية جديدة أيضا، انبثقت عن حراك شعبي أنقذ الجزائر من الإنهيار، لذلك فالرّهان على العمل البرلماني والتشريعي هذه المرّة كبير جدا، للمضي قدما نحو استكمال بناء الجمهورية الجديدة على أنقاض مرحلة سابقة غمرها الفساد، ليكون أوّل برلمان في العهد الجديد أملا في تجسيد ممارسة السلطة التشريعية، وليس الوظيفة التشريعية التي لطالما اشتهر بها مبنى زيغود يوسف في سنوات ماضية، ليكون لبنة أولى لاستكمال مسار الإصلاحات السياسية، بعد أن تم وضع دستور يتماشى والوضع الراهن.
من الأحادية إلى التعدّدية
مرّ البرلمان في الجزائر بمراحل وفترات واكبت التغيرات السياسية الحاصلة في البلاد، مند فجر الاستقلال، بدءا من عهد الأحادية ووصولا إلى التعددية، وبات يتشكل البرلمان اليوم من غرفتين هما: «مجلس الأمة»، أو ما يعرف (بالغرفة الأولى) البالغ عدد أعضائه 144 عضو، يعين رئيس الجمهورية ثلثهم – أي 48 عضوا (مدة 6 سنوات) بينما ينتخب الثلثان الآخران من قبل المجالس الشعبية الولائية، و»المجلس الشعبي الوطني» البالغ عدد أعضائه 407 عضو يصلون للمبنى التشريعي كل خمس سنوات عن طريق الإنتخاب، وهي الهيئة التشريعية التي تناقش وتصادق على القوانين. وفي سنة 1996، سمح التعديل الدستوري بإنشاء مجلس الأمة من البرلمان، إلى جانب المجلس الشعبي الوطني.
أوّل هيئة تشريعية
انتخب، أول مجلس شعبي وطني يوم 20 سبتمبر 1962، أي بعد أقل من 3 أشهر على تاريخ الاستقلال، انعقد أول برلمان جزائري في سبتمبر 1962 برئاسة رجل الثورة فرحات عباس، غير أنه أوقف في 1965 وسمحت هذه الانتخابات بإصدار دستور 10 سبتمبر 1963، وتعرض المجلس الشعبي الوطني لتجميد نشاطاته، حيث لجأت السلطة في ذلك الوقت إلى إنشاء مجلس للثورة، كان بمثابة الهيئة التي تصدر القوانين من سنة 1965، إلى غاية 25 فيفري1977، تاريخ انتخاب مجلس شعبي وطني جديد لعهدة خماسية، بعدها أجريت أول انتخابات تشريعية عام 1977.
وبلغ عدد نواب المجلس الشعبي الوطني خلال العهدة التشريعية الأولى ــ 1977 1982-، 273 عضو برئاسة رابح بيطاط الذي أعيد انتخابه على رأس المجلس خلال العهدة الثانية (1982 / 1987) والذي ارتفع تعداده إلى 285 نائب. وأعيد في فيفري 1987 انتخاب 296 نائب بالمجلس الشعبي الوطني لعهدة تشريعية ثالثة في تاريخ البرلمان (1987 /1992) برئاسة رابح بيطاط، الذي أستقال بعدها في أكتوبر 1990، وخلفه في منصبه نائبه عبد العزيز بلخادم إلى غاية حل المجلس في 4 جانفي 1992.
موعد مع التعدّدية
في ديسمبر 1991، نظمت السلطة، أول انتخابات تشريعية تعدّدية، عقب صدور دستور فيفري 1989، الذي نص على التعددية السياسية والإعلامية في الجزائر.
شاركت مختلف التيارات السياسية في تلك الانتخابات، وفي 1992، حلّ الراحل الرئيس الشاذلي بن جديد البرلمان، وعين مجلس استشاري يتكون من 60 عضوا للقيام بالأمور التشريعية وعقب إستقالة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، يوم 11 جانفي 1992، ألغت السلطة في الجزائر نتائج تلك الانتخابات، وأعلنت وقف المسار الديمقراطي، ودخلت الجزائر في مرحلة انتقالية.
وبعد 6 سنوات من المرحلة الانتقالية، نظمت أول انتخابات تشريعية، في ربيع عام 1997.
استحداث الغرفتين
كان المجلس الشعبي الوطني في ظل نظام الحزب الواحد، قبل الإنفتاح على التعددية يمارس وظيفة تشريعية فقط، يعني أن قوانين الحكومة تنزل الى الغرفة التشريعية «لتزكيتها» فقط ولا يمارس أي رقابة أو سلطة تشريعية.
وقد أقر الرئيس الأسبق للجزائر، اليمين زروال (1994 – 1998) عام 1996 تعديلا في الدستور أحدث تغييرات على الواجهة المؤسساتية الجزائرية عبر استحداث برلمان من غرفتين أو مجلسين، يتكون من «مجلس شعبي وطني» و»مجلس الأمة»، هما اللذان يشكلان اليوم أول برلمان تعدّدي للجزائر المستقلة.
وقبلها اضطلع بالمهام التشريعية، المجلس الوطني الانتقالي، الذي يتكون من 192 عضو معين، وذلك من تاريخ 18 ماي 1994 إلى غاية 18 ماي 1997. وترأس هذا المجلس عبد القادر بن صالح الذي أعيد انتخابه على رأس المجلس الشعبي الوطني للعهدة التشريعية الرابعة (1997-2002 ) بعد تشريعيات 5 جوان 1997 ، وكان هذا المجلس يتكون من 380 نائب. ومارس العهدة التشريعية الخامسة (2002/ 2007) 389 نائب انتخبوا بالمجلس الشعبي الوطني في تشريعيات جرت بتاريخ 30 ماي 2002، كما انتخب كريم يونس لرئاسته في جوان من نفس السنة، قبل أن يستقيل من منصبه، وخلفه بعد ذلك عمار سعداني إلى غاية نهاية العهدة التشريعية في ماي 2007.
في 17 ماي 2007، تم انتخاب 389 نائب بالمجلس الشعبي الوطني للعهدة التشريعية السادسة (2007 – 2012)، وتم خلال هذه العهدة انتخاب عبد العزيز زياري رئيسا للمجلس، فيما انتخب المجلس الشعبي الوطني الذي تولى ممارسة العهدة التشريعية السابعة (2017/2012) بتاريخ 10 ماي 2012، وارتفع عدد مقاعد المجلس خلال هذه التشريعيات إلى 462 مقعد، وترأس المجلس خلال هذه العهدة محمد العربي ولد خليفة.
وانتخب المجلس الشعبي الوطني الذي تولى العهدة التشريعية الثامنة والأخيرة في 4 ماي 2017، كما انتخب لرئاسته المرحوم السعيد بوحجة، ثم انتخب خلفا له معاذ بوشارب في أكتوبر 2018 الذي استقال من منصبه في جويلية 2019، ليتم بعد ذلك تزكية سليمان شنين على رأس المؤسسة التشريعية، حيث مارس مهامه الى غاية حل المجلس بقرار من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
وزارة العلاقة مع البرلمان
لقد تجسد مبدأ ثنائية التمثيل البرلماني أي برلمان بغرفتين كُرّس لأوّل مرّة في تاريخ الجزائر بدستور 1996 في مادته 98 ، لكن هذا المبدأ لم يجسّد فعليا ولم يعرف له وجودا على أرض الواقع إلاّ بعد الإنتخابات التعدّدية التي عرفتها الجزائر فيسنة 1997، والتي مكّنت من وضع المؤسّستين الدستوريتين، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمّة.
وبهدف تحديد و توضيح العلاقة القائمة بين غرفتي البرلمان وكذا العلاقة القائمة بين البرلمان و الحكومة أُصدر القانون العضوي رقم 99-02 في 08 مارس 1999 المحدّد لتنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمّة وعملهما، وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة.
وهكذا أُنشأت وزارة العلاقات مع البرلمان في سنة 1997 بهدف توطيد وتنسيق العلاقة بين السلطة التشريعية الممثلة في البرلمان والسلطة التنفيذية الممثّلة في الحكومة.
10 رؤساء للمجلس منذ نشأته
شهد المجلس الشعبي الوطني تعاقب 10 رؤساء منذ تأسيسه في 1977، وهم رابح بيطاط وعبد العزيز بلخادم ورضا مالك (المجلس الاستشاري الوطني) وعبد القادر بن صالح (المجلس الوطني الانتقالي) وكريم يونس وعمار سعداني وعبد العزيز زياري ومحمد العربي ولد خليفة و السعيد بوحجة، وآخرهم سليمان شنين.
وحددت صلاحيات رئيس المجلس الشعبي الوطني ضمن النظام الداخلي للمجلس في المادة 9 التي تنص على التالي «علاوة على الصلاحيات التي يخوّلها إياه الدستور والقانون العضوي الذي يحدّد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما، وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، وهذا النّظام الدّاخليّ، يقوم رئيس المجلس الشّعبيّ الوطنيّ بالسهر على تطبيق النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني وضمان احترامه، وتمثيل المجلس الشعبي الوطني داخل الوطن وخارجه، الى جانب ضمان الأمن والنّظام داخل مقرّ المجلس الشعبي الوطني، فضلا رئاسة جلسات المجلس الشعبي الوطني وإدارة مناقشاته ومداولاته، ناهيك رئاسة اجتماعات مكتب المجلس، واجتماعات هيئة الرّؤساء، واجتماعات هيئة التّنسيق وتوزيع المهام بين أعضاء مكتب المجلس.
كما يقوم الرئيس بتعيين الأمين العامّ وتقليد المناصب في المصالح الإداريّة للمجلس الشّعبيّ الوطنيّ، بعد استشارة مكتب المجلس، وتحديد كيفيّات سير المصالح الإداريّة بموجب قرارات، وإعداد مشروع ميزانيّة المجلس وعرضه على مكتب المجلس هو الآمر بالصرف.
ويضبط الرئيس تنظيم المصالح الإداريّة للمجلس الشعبي الوطني، وتوقيع توصيات التعاون البرلماني الدولي، واخطار المجلس الدستوري، عند الاقتضاء. وهؤلاء هم الذين ترأسوا المجلس الشعبي الوطني منذ نشأته.
رابح بيطاط: أحد المناضلين الثوريين التاريخيين الستة) 1977 الى 1990
– عبد العزيز بلخادم: ( 1990-1991)
– رضا مالك: ترأس (المجلس الاستشاري الوطني) 1993 ـ 1994(
– عبد القادر بن صالح: ترأس (المجلس الوطني الانتقالي) بين 1994 ـ 1997 ثم المجلس الشعبي الوطني ومن 1997 إلى 2002.
– كريم يونس (2002 ـ 2004)
– عمار سعداني (2004 ـ 2007)
– عبد العزيز زياري (2007 ـ 2012)
– محمد العربي ولد خليفة (2012 ـ 2017)
– السعيد بوحجة (2017 ـ 2018)
– معاذ بوشارب (2018 ـ 2019)
– سليمان شنين (2019 ـ2021)
300 قانون خلال 8 عهدات
صادق المجلس الشعبي الوطني منذ التعددية السياسية في البلاد، أي منذ سنة 1997، على 298 قانون بين عضوي وعادي، أهمها قوانين تتعلق بالإنفتاح والتعددية مثل قانون الإعلام والأحزاب والجمعيات، فضلا عن القوانين التوجيهية المتعلقة بالتربية والتكوين والتعلييم العالي، وقوانين أخرى تتعلق بالحياة العامة في البلاد مثل قانون الاسرة والجرائم ووو.
عرفت الفترة التشريعية الممتدة من 1997 الى 2002 التصويت على 63 قانونا أهمها النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني، وقانون عضوي لسنة 1999، يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة، وعملهما، وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة وقانون يتضمن الموافقة الذي يحدد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد المطلوب شغلها في انتخابات البرلمان.
أما عن القوانين المصوّت عليها الفترة التشريعية الخامسة : 2002 – 2007 فكانت 93 قانونا ـ أهمها قانون يتضمن قمع جرائم مخالفة أحكام اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة.2003، والقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات.2004، وقانون يتعلق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته، الى جانب القانون قانون الأسرة سنة 2005 .
وبلغ عدد القوانين ا المصوّت عليها الفترة التشريعية السادسة : 2007 – 2012، 75 قانونا، منها القانون المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، وقانون يتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية، والقانون المتعلق بقمع مخالفات التشريع و التنظيم الخاصين بالصرف و حركة رؤوس الأموال من و إلى الخارج، الى جانب القانون المتضمن رفع حالة الطوارئ الصادر سنة 2011، الى جانب قوانين تتعلق بالأحزاب السياسية والأعلام والجمعيات سنة 2012.
وبلغت القوانين المصوت عليها الفترة التشريعية السابعة: 2012 – 2017 ، 67 قانونا، منها قانون يحدد تشكيلة اﻟﻤﺠلس الوطني لحقوق الإنسان وكيفيات تعيين أعضائه والقواعد المتعلقة بتنظيمه وسيره، وقانون عضوي يتعلق بالهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، الى جانب قانون عضوي يتعلق بنظام الانتخابات وقانون يتعلق بالسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وقانون يتضمن التعديل الدستوري.
أما القوانين المصوّت عليها الفترة التشريعية الثامنة: 2017 – 2022 فتبلغ 43 قانونا منها قانون عضوي يتعلق بالمجمع الجزائري للغة الأمازيغي، وقانون يتعلق بالسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وقانون يعدل ويتمم القانون العضوي 6 والمتعلق بنظام الانتخابات، وقانون يتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما.




