تعد انتخابات أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية، المقرّرة لـ 27 نوفمبر المقبل، ثاني تجربة انتخابية تجري وفق نمط الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة بعد التشريعيات السّابقة، وهو خيار يرمي في الأساس إلى احترام إرادة الناخب، ووضع حدّ لممارسات سابقة عرفت بـ «شراء رؤوس القوائم».
بالانتقال من القائمة المغلقة إلى نمط الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة، بتصويت تفضيلي دون مزج، كرّس المشرّع الجزائري تغييرا جذريا مس أهم مراحل العملية الانتخابية، الغاية منه حماية صوت الناخب وقطع الطريق أمام استعمال المال الفاسد، وهما المطلبان اللذان لطالما نادت بهما الأحزاب السياسية على مدار كافة الاستحقاقات التشريعية والمحلية التي سبق تنظيمها.
وينص قانون النظام الانتخابي على أنّ أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية ينتخبون بطريقة الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة، وبتصويت تفضيلي دون مزج، فيما يشير في المادة 170 إلى أنّ «الناخب يختار قائمة واحدة، ويصوّت لصالح مترشح أو أكثر من القائمة نفسها في حدود المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية».
أما المادة 171، فتوضّح أنّ المقاعد المطلوب شغلها توزّع بين القوائم «بالتناسب، حسب عدد الأصوات التي تحصّلت عليها كل قائمة مع تطبيق قاعدة الباقي الأقوى»، غير أنّه «لا تأخذ في الحسبان القوائم التي لم تحصل على نسبة 5 بالمائة على الأقل من الأصوات المعبّر عنها».
كما يبرز نمط الاقتراع الجديد بوضوح أيضا في المادة 174، التي تشير إلى أنّ توزيع المقاعد التي تحصلت عليها كل قائمة على مرشّحيها يكون «حسب عدد الأصوات التي حصل عليها كل منهم».
ويجدر التذكير بأنّ «الفوز بالمقعد الأخير المحصل عليه من قبل القائمة عند تساوي الأصوات بين مترشحي القائمة، يعود للمترشّح الأصغر سنا»، غير أنّه و»عند تساوي الأصوات بين مترشّح ومترشحة، تفوز هذه الأخيرة بالمقعد الأخير المحصل عليه من قبل القائمة».
مزايا اتّضحت للعيان وسلبيات يتعيّن استدراكها تدريجيا
كان تغيير نمط الاقتراع قد وصف، حين عرض مسودة قانون الانتخابات في صيغته المعدلة على الطبقة السياسية، بـ «أحد أهم الإصلاحات» التي جاء بها هذا النص، انطلاقا من كون الهدف الأساسي من ورائه هو جعل صوت الناخب في منأى عن كل محاولات الاستيلاء المباشرة وغير المباشرة، والتي كانت قد عرفت سابقا بشراء الأصوات أو بالأحرى المقاعد، الأمر الذي تولّد عنه غياب نخب حقيقية، سواء على مستوى البرلمان أو المجالس المحلية، مثلما دأبت على تأكيده التّشكيلات السياسية الوطنية على اختلاف تياراتها.
وحول هذا التّحوّل الذي كرّس منذ تشريعيات 12 جوان الفارط، قال المحلل السياسي رضوان بوهيدل في تصريح لوكالة الأنباء الجزائرية، بأنّ الانتخابات المحلية المقبلة «ستكون بلا شك أفضل من التّشريعيات»، حيث اكتسب الناخب والمنتخب تجربة في ممارسة هذا النوع من الاقتراع، سيمكّن كليهما من «استدراك النّقائص».
ومن بين أهم المزايا التي تحسب لصالح هذا النمط، يضيف السيد بوهيدل، جعل الحظوظ في يد كافة المترشّحين، بغض النظر عن ترتيبهم ضمن القائمة، حيث يبقى الفيصل هو التوفر على جملة من العوامل الجالبة للأصوات، كالنزاهة والمصداقية في أوساط الناخبين، على سبيل المثال لا الحصر.
وممّا يؤكّد ذلك، حسب المتحدّث، فوز مترشّحين بالعهدة النيابية عقب تشريعيات 12 جوان، من غير متصدّري القوائم الانتخابية.
غير أنّ ذلك لا يعني، من وجهة نظر السيد بوهيدل، غياب السلبيات عن هذا النمط، الذي قد يعاب عليه، مثلما قال، «تشجيعه للأنانية بين المترشّحين»، و»ظهور انشقاقات وسط الأحزاب السياسية، نتيجة بروز تحالفات داخل القائمة نفسها، ممّا قد ينجم عنه إقصاء مترشّحين آخرين ضمنها».
ومن بين ما قد يؤخذ أيضا على نمط الاقتراع الجديد، يضيف بوهيدل، بروز نوع من التجوال السياسي الذي تخلقه رغبة رؤساء الأحزاب السياسية في جلب مترشّحين أحرار أو من تشكيلات سياسية أخرى، لتوفرهم على قاعدة شعبية، ما يجعلهم ضمانا لجلب أكبر عدد من الأصوات.
وتكون نتيجة هذا الخيار «تراجع الانتماءات السياسية الحقيقية لصالح الانتماءات للمصالح المتغيّرة»، على حد قوله.
وبدوره، أكّد المحلل والأستاذ بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، محمد سي بشير، بأنّ التّغيير الذي طرأ على مرحلة الاقتراع يمكن الناخب من ممارسة حقه في الاختيار دون أن تساوره الشّكوك بأنّ صوته هو مجرّد شكليات بما أنّ الأمر محسوم سلفا لصالح رؤوس القوائم.
كما ذكر أيضا بأنّ كل التعديلات المندرجة في هذا الإطار ضمن قانون الانتخاب تصب في خانة واحدة: «منع المال الفاسد من التغلغل في العملية الانتخابية التي كانت تجري، في الكثير من الأحيان، لصالح أصحاب الأموال، الباحثين عن السلطة من خلال تبوّء مناصب تمثيلية».
وفي تحليل أبعد من ذلك، لفت سي بشير إلى أنّ تطبيق هذا النمط من الاقتراع خلال الانتخابات المحلية، «سيكون له تداعياته الإيجابية على الانتخابات القادمة لتجديد نصف أعضاء مجلس الأمة، بحكم أنّ انتخاب ثلثي أعضائه يتم عن طريق الاقتراع العام، غير المباشر والسري من بين ومن طرف أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية، كضمان للتمثيل الشعبي بالغرفة العليا للبرلمان.
وبخصوص «التّجوال السياسي» الذي ذكر سابقا، يرى ذات المحلل بأنّ الحل يكمن في مشاركة الأحزاب السياسية بشكل أوسع في هذا النوع من الانتخابات، ما يسمح لمناضليها التّرشّح ضمنها بدل البحث عن إطار انتخابي آخر»، غير أنّه خلص إلى التأكيد على أنّ «الوصول إلى الدّيمقراطية الحقيقية هو هدف تدريجي، يتطلّب تحقيقه سنوات عدّة».





