المشـروع لا يـزال فـي مرحلـــة النقـاش والإثـراء والاقـتراح
القانـون لـــم يدخـــل بعــد حيّـــز التنفيــذ.. والخـــبراء سيقدمــون ملاحظاتهــم واقتراحاتهـــم
التدابـير لا تستهــدف التضييــــق علـى المواطنين أو فرض عقوبات اعتباطية
ردع السلوكـات الخطيرة فقــط المهددة لسلامـة مستعملي الطريـق وحيــاة الركــاب
أكد الخبير الدولي في السلامة المرورية، ورئيس اللجنة الوطنية للتوعية بالسلامة المرورية، حسان خربة، أن مشروع قانون المرور الجديد لا يزال، إلى غاية اليوم، في مرحلة النقاش والإثراء والاقتراح، ولم يدخل بعد حيّز التنفيذ، مشيرا إلى أن ما يتداول عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن تطبيقه الفوري أو الشروع في تنفيذ إجراءاته يفتقر إلى الدقة ولا يستند إلى معطيات قانونية رسمية.
أوضح الخبير أن تداول الأخبار غير المؤكدة، حول نصوص تشريعية، قيد الدراسة من شأنه خلق حالة من اللبس لدى الرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بقانون يمس بشكل مباشر حياة المواطنين وسلامتهم، وأن التعامل مع مثل هذه المواضيع يفرض قدرا عاليًا من المسؤولية المهنية، والعودة دائمًا إلى المصادر الرسمية، تفاديًا للتأويلات المغلوطة التي قد تؤدي إلى تضخيم أو تحريف محتوى النصوص المقترحة.وأشار حسان خربة إلى أن المرحلة التي يمر بها مشروع قانون المرور الجديد تعد جزءًا أساسيا من المسار التشريعي الطبيعي، إذ تتيح للهيئات المختصة والفاعلين والخبراء تقديم ملاحظاتهم واقتراحاتهم، بما يسمح بتدارك النقائص المحتملة، وتحسين الصيغة النهائية للنص، بما يحقق التوازن المطلوب بين الردع القانوني، والبعد الإنساني، والمقاربة الوقائية التي تبقى، حسبه، حجر الأساس في أي سياسة ناجحة للسلامة المرورية.
القانون قيد الدراسة وتعديلات مرتقبة
وأكد الخبير أن ما يميز هذا المشروع في الوقت الراهن هو قيد الدراسة وأن التعديلات لا تزال مرتقبة قبل إصداره بشكل نهائي، مضيفا أن هذه المرحلة تسمح بمراجعة مواد القانون بدقة، وإدراج تحسينات تهدف إلى تعزيز السلامة على الطرقات، وضمان حماية أفضل للمواطنين، بالإضافة إلى ضبط العقوبات بشكل متوازن يعكس الجدية في الردع دون التسبب في أضرار مفرطة للسائقين الملتزمين.
وأوضح المتحدث أن المشاركة المجتمعية والملاحظات التقنية للخبراء ستشكل جزءا أساسيا من هذه التعديلات، بحيث توازن بين الردع القانوني، الوقاية، وحماية حقوق الأفراد، مؤكدا أن الهدف من هذه التعديلات هو تجاوز أي قصور محتمل قبل تطبيق القانون فعليا.
وفي هذا السياق، أكد الخبير أن النقاش المجتمعي الواسع الذي رافق عرض المشروع يعكس وعيا متزايدا بخطورة الوضع المروري، غير أن هذا النقاش ينبغي أن يبقى مؤطرًا بالموضوعية، وأن ينطلق من قراءة دقيقة لفلسفة القانون وأهدافه الحقيقية، بدل التركيز على جزئيات معزولة أو اجتزاء بعض المواد خارج سياقها العام.
وأوضح رئيس اللجنة الوطنية للتوعية بالسلامة المرورية أن مشروع القانون الجديد لا يستهدف التضييق على المواطنين أو فرض عقوبات اعتباطية، بل يهد ف، في جوهره، إلى ردع السلوكات الخطيرة التي أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة مستعملي الطريق. وأكد أن الإحصائيات الميدانية تُظهر بوضوح أن نسبة معتبرة من حوادث المرور المميتة تعود إلى ممارسات غير مسؤولة، على غرار السرعة المفرطة، والتجاوزات الخطيرة، والاستعراض بالمركبات، وعدم احترام إشارات المرور وقواعد السير.
وأضاف أن هذه السلوكات لم تعد حوادث معزولة أو أخطاء ظرفية، بل تحولت إلى ظواهر مقلقة تتكرر يوميًا، وتخلّف خسائر بشرية ومادية جسيمة، فضلًا عن آثار نفسية واجتماعية عميقة تطال العائلات والمجتمع ككل. وهو ما يجعل، حسبه، من تعزيز الردع القانوني ضرورة لحماية الأرواح، وليس مجرد خيار تشريعي.
وفي معرض حديثه عن فلسفة الردع، شدد الخبير على أن العقوبة في حد ذاتها ليست غاية، وإنما وسيلة لضبط السلوك المروري، إلى جانب التوعية والتحسيس والتكوين المستمر، قائلا بأن القانون، مهما بلغ من الصرامة، لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يُرافق بتغيير في العقليات، وترسيخ ثقافة احترام الطريق باعتباره فضاءً مشتركًا، تحكمه قواعد تهدف إلى حماية الجميع دون استثناء.وبخصوص ما أُثير حول تشديد العقوبات، بما فيها العقوبات السالبة للحرية، أكد حسان خربة أن هذه النقطة كانت محل سوء فهم كبير، نتيجة تداول معلومات مبتورة أو غير دقيقة، موضحا أن عقوبة السجن لا تطبق بصفة عامة أو عشوائية، ولا تشمل جميع المخالفات المرورية كما يُشاع، بل تقتصر حصريًا على حالات محددة ينص عليها القانون بوضوح.
محاصرة السياقة تحت تأثير المخدرات والمشروبات الكحولية
وأضاف المتحدث أن الأمر يتعلق فقط بالحالات التي يثبت فيها قانونا أن السائق كان يقود مركبة تحت تأثير المخدرات أو المشروبات الكحولية، وتسبب فعليا في حادث مرور أفضى إلى وفاة، وكل هذه الحالات تندرج ضمن المسؤولية الجنائية الجسيمة، نظرًا لما تنطوي عليه من استهتار متعمد بأرواح الآخرين، مؤكدا أن الجمع بين القيادة في حالة فقدان الوعي والتسبب في إزهاق روح بشرية يُعدّ فعلًا إجراميًا يستوجب أقصى درجات الردع.
وأشار في هذا الصدد إلى أن المشروع يميز بوضوح بين الخطأ المروري غير المقصود، الناتج عن الإهمال أو قلة الانتباه، وبين السلوك الإجرامي القائم على تعاطي مواد محظورة ثم القيادة، وما ينجر عنه من نتائج مأساوية. وهو تمييز، حسبه، ضروري لضمان العدالة وعدم المساس بحقوق المواطنين الملتزمين بقواعد السير.
تحيـين أسعـار الوقــود..هـــذه الحقيقــة
وفي سياق متصل، تطرق الخبير الدولي في السلامة المرورية إلى مسألة مراجعة وتحيين أسعار الوقود، موضحا أن هذا الإجراء يندرج ضمن مقاربة اقتصادية وتنظيمية تهدف إلى ضمان استمرارية هذا المرفق الحيوي.
وأكد أن مراجعة الأسعار جاءت استجابة لمطالب أصحاب محطات الوقود، الذين أبدوا انشغالات حقيقية بشأن تراجع هوامش الربح في ظل ارتفاع تكاليف التسيير، والصيانة، والنقل.
وأوضح أن تمكين أصحاب المحطات من هامش ربح معقول يُعدّ شرطًا أساسيًا لضمان استمرارية الخدمة، خاصة في المناطق النائية والمعزولة، حيث تشكل محطات الوقود شريانًا حيويًا للتنمية المحلية وحركة الأشخاص والبضائع. وأضاف أن أي اختلال في هذا التوازن قد يؤدي إلى غلق بعض المحطات أو تراجع جودة الخدمات، وهو ما ينعكس سلبًا على المواطن وعلى الاقتصاد المحلي.
وشدد الخبير على أن الحفاظ على ديمومة خدمات التزود بالوقود يقتضي تحقيق توازن دقيق بين مصلحة المستهلك، واستقرار المستثمرين، وجودة الخدمة المقدّمة، معتبرًا أن المقاربة التشاركية في اتخاذ مثل هذه القرارات تساهم في تقليل آثارها الاجتماعية وضمان قبولها من قبل مختلف الأطراف.
وأكد خربة أن السلامة المرورية مسؤولية جماعية، لا تتحقق بالقوانين وحدها، مهما بلغت درجة صرامتها، بل من خلال تكامل التشريع، والرقابة الميدانية، والتوعية المستمرة، والتكوين، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة السلوكات غير المسؤولة على الطرقات.ويبقى النقاش الهادئ، المبني على المعلومة الدقيقة والتحليل الموضوعي، حسب الخبير، السبيل الأمثل لإنجاح أي إصلاح تشريعي، بما يخدم الصالح العام، ويحفظ الأرواح، ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات، بعيدا عن التهويل أو القراءات غير الدقيقة للنصوص القانونية.



