نجح المنتخب الوطني في بلوغ ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 عن جدارة وإستحقاق، بعدما حقّق رابع انتصار على التوالي في المنافسة، بعد الفوز في دور المجموعات على السودان، بوركينافاسو وغينيا الاستوائية، ليأتي الدور في الدور ثمن النهائي على جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث كان الفوز معناه التأهل إلى ربع النهائي، ومع كل هذا يبرز دور المدرب الذي كان محوريا، في بلوغ المنتخب هذا الدور المتقدم من المنافسة، من خلال النجاح في قراءة المنافسين وتغيير طريقة اللعب في كل مباراة.
عمار حميسي
حقّق “الخضر” المراد من خلال بلوغ ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم، بعد مشوار مميز برز معه العمل الكبير الذي قام به المدرب، من خلال تحضير التشكيلة بأفضل طريقة ممكنة والأهم من هذا اختيار الخطة المناسبة، التي نجح من خلالها في تخطي المباريات الواحدة تلو الأخرى لغاية ربع النهائي.
الدور المميّز للمدرب في اختيار الرسم التكتيكي، والعناصر القادرة على تنفيذ المطالب الفنية على أرضية الميدان، برز بشكل لافت خلال كأس إفريقيا للأمم، حيث كانت الأنظار موجّهة قبل كل مباراة على خيارات بيتكوفيتش، الذي تعود على مفاجأة المتابعين بخيارات غير منتظرة سواء من حيث العناصر أو الخطة.
الغموض الذي ينتهجه بيتكوفيتش خلال كأس إفريقيا، من خلال اللجوء إلى أسلوب التمويه ضروري ومستحب، حتى لا تكون كتابا مفتوحا أمام المنافسين، وعليه من الضروري توسيع قاعدة الخيارات بالنسبة للاعبين، وتنويع الخطط التكتيكية من مباراة لأخرى من أجل الاعتماد على أسلوب المباغتة.
اختيار تشكيلة واحدة وخطة واضحة المعالم في كل مباراة، يجعل المنتخب مقروء بسهولة من طرف المنافسين، وهو ما يجعلهم يجهزون الخطة المناسبة من أجل ضرب نقاط الضعف، التي يصبح من السهل التعرف عليها بما أنّ الخطة معروفة من قبل، والعناصر التي تشارك هي نفسها في كل مباراة.
ما يعرف عن بيتكوفيتش أنه مدرب يحسن كثيرا إدارة مسيرة المنتخبات في الدورات المجمّعة، وهو ما حدث من قبل مع منتخب سويسرا، الذي شارك معه في كأس العالم و«اليورو”، وكانت الفرصة مواتية أمامه من أجل صقل موهبته في إدارة المباريات والتحضير لها خلال الدورات المجمعة، بدليل النتائج المميزة التي حققها في هاتين البطولتين مع المنتخب السويسري.
منظومـــة دفاعيـة صلبـة
صدق من قال إن اللعب الجميل يجلب الاستمتاع، بينما يجلب الدفاع الصلب البطولات، وهو ما ينطبق على المنتخب الوطني حيث نجح الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش في تطوير الأداء الدفاعي للاعبين خلال كأس إفريقيا، بعد الانتقادات الكبيرة التي تعرّض لها خلال تصفيات المونديال، بما أن المنتخب كان يتلقّى أهدافا من أخطاء دفاعية بحتة.
كان المنتخب الوطني يخترق بسهولة في التصفيات من طرف منتخبات لا تمتلك في هجومها لاعبين كبار، إلا أن الأمور اختلفت في كأس إفريقيا الحالية.
مواجهة بوركينافاسو في الجولة الثانية لدور المجموعات كشفت المستوى الحقيقي لدفاع المنتخب الوطني، ومعه العمل الكبير الذي قام به المدرب، من خلال اللعب بثلاثة لاعبين في محور الدفاع، وهذا الأمر جاء من أجل غلق المساحات أمام المنافس من جهة، وضمان خروج أفضل بالكرة من جهة أخرى.
تحسين المستوى الدفاعي لا يقتصر على العمل مع المدافعين فقط، بل مع كل المجموعة لأن الأمر يتعلق بالمنظومة الدفاعية، وهنا يتوجب التأكيد على الدور الكبير الذي يقوم به الثنائي بوداوي وبن ناصر، إضافة إلى العناصر التي تشارك في الشوط الثاني على غرار عبد اللي وزروقي، دون نسيان زرقان في عملية التأمين الدفاعي والتغطية على لاعبي الهجوم.
ثنائي الدفاع ماندي وبن سبعيني يقدّمان دورة استثنائية بكل المقاييس، وهذا الأمر اتضح جليا خلال مواجهة جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تمتلك لاعبين مميزين في الخط الأمامي، إلا أن هذا الأمر لم يؤثر على مستوى الثنائي المذكور، الذي أكّد على أحقيته بالتواجد في التشكيلة الأساسية، وردّا على الانتقادات التي طالتهما في تصفيات المونديال.
خطّة “المهاجم الوهمي”..وهدف بولبينة
يمتلك المنتخب الوطني في القائمة التي تشارك في كأس إفريقيا للأمم ثلاثة رؤوس حربة، ويتعلق الأمر بكل من بونجاح وبقرار إضافة إلى بركان، إلا أن الناخب الوطني لجأ خلال كأس إفريقيا الحالية إلى خطة “المهاجم الوهمي”، خاصة خلال مواجهة بوركينافاسو وأمام جمهورية الكونغو الديمقراطية.
في المواجهة الأولى أمام السودان لعب المنتخب الوطني بمهاجم صريح، ويتعلق الأمر ببغداد بونجاح إلا أنه خلال المواجهة الثانية لعب بخطة المهاجم الوهمي، من خلال إشراك عمورة في منصب رأس الحربة، ولكن إصابة حجام جعلت بيتكوفيتش يعود إلى الرسم التكتيكي المعتاد، من خلال إشراك بونجاح في منصب المهاجم مكان حجام.
المواجهة الثالثة والتي كانت شكلية عرفت إشراك بقرار، الذي ورغم أنه كان في المستوى إلا أن الحظ لم يحالفه للوصول الى الشباك، وخلال المواجهة الأخيرة أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية لعب المنتخب الوطني بخطة المهاجم الوهمي، من خلال تداول كل من عمورة وشعايبي، إضافة إلى مازة على منصب المهاجم الصريح لغاية دخول بونجاح.
تعتمد مختلف المنتخبات الإفريقية على دفاع متأخر، وهو ما يجعل اللعب بخطة المهاجم الوهمي ضرورية من أجل سحب قلبي الدفاع إلى الأمام، وصنع المساحات للاعبي الأجنحة، في صورة محرز وشعايبي وهو الأمر الذي نجح فيه المنتخب الوطني في أكثر من مرة، إلا أن سوء الحظ منعه من التسجيل.
هدف بولبينة في اللحظات الأخيرة لمواجهة جمهورية الكونغو الديمقراطية، جاء بعد أن تمّ سحب قلبي الدفاع للأمام، وحينها تسلل هو على الجهة اليمنى من دفاع المنافس، وصنع لنفسه مساحة ثم اتخذ قرار التسديد، بحكم أن المباراة شارفت على النهاية وهو ما يعكس ذكاء اللاعب من جهة وجودته الفنية.
من الناحية النفسية سيحرّر هذا الهدف اللاعب كثيرا خلال المباريات المقبلة، على غرار ما حدث من قبل مع شعايبي، الذي عاد لمستواه المعهود بعد المباراة الكبيرة التي أداها أمام غينيا الإستوائية، ونجح فيها في التسجيل حينها أقنع الناخب الوطني بامكانياته من أجل المشاركة كلاعب أساسي، وهو الأمر الذي حدث.







