أولت السلطات العليا بالبلاد أهمية بالغة لملف البيئة والحدّ من التلوّث، كونه يمثّل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وقد تجسّد هذا التوجّه في العديد من المبادرات الرسمية والمجتمعية التي عكست مدى الاهتمام المتزايد بالجانب البيئي، كانت آخرها حملة مليون شجرة التي التفّت حولها مختلف أطياف المجتمع وأسهمت في إعادة هذا الملف الى الواجهة.
اهتمام السلطات العليا بالجانب البيئي ترافق مع إقرار ترسانة قوانين وحزمة من المبادرات التي تهدف الى ترسيخ ثقافة بيئية مسؤولة لدى المواطن والمؤسسات على حدّ السواء، كما تزامنت كذلك مع اتساع دائرة المهتمين بالجانب البيئي لتخرج من غطائها الرسمي الى مبادرات يشرف عليها المجتمع المدني، تخطيطاً، تمويلاً وتجسيدا.
عرفت ولايات الجنوب سباقاً محموماً ونشاطاً غير مسبوق للجمعيات التي تنشط في مجال حماية البيئة، فالمنطقة التي تتوزّع على مساحات شاسعة من التضاريس المختلفة وتجمعات سكنية وقروية مترامية الأطراف، تمتاز في الوقت ذاته بتنوّع إيكولوجي حسّاس تجاه التدخّل البشري والتغيرات المناخية، وهو ما دفع بالعديد من الجمعيات البيئية والمتطوّعين بمنطقة الجنوب الغربي أمثال كمال تركي بولاية بشار وزكرياء الابراهيمي بولاية النعامة الى تكثيف الجهود أكثر من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تنوّع بيئي وثراء إيكولوجي بولايات الجنوب.
يرى رئيس جمعية حماية الحياة البرية بولاية تندوف، فيصل صدّيقي، أن الولايات الجنوبية تضمّ عالماً خفياً من التنوّع البيولوجي الذي يضمّ نباتات وحيوانات لا توجد في مناطق أخرى، مشيراً الى أن هذه المناطق تمتاز بهشاشة نظامها البيئي بسبب التحوّلات المناخية او النشاط البشري المتزايد، ما جعل من حماية البيئة قضية “ملحّة” تستدعي تضافر الجهود، فارتفاع درجات الحرارة وتناقص التساقطات المطرية وزحف الرمال، هي عوامل تزيد من هشاشة النظام البيئي ـ حسب المتحدّث- وتستوجب وضع سياسات واعية تقوم على إشراك كل أطياف المجتمع في مسار حماية البيئة.
وتابع قائلاً أن حماية البيئة والتقليل من تأثير تدخّل الإنسان في البيئة الطبيعية والحد من التلوّث ليست مسؤولية الدولة ولا الجمعيات البيئية فقط، بل واجب جماعي تشترك فيه كل أطياف المجتمع المدني والمواطن البسيط، داعياً الى التقليل من الممارسات المشينة التي تستهدف البيئة الطبيعية أو التجمّعات الحضرية من خلال استهداف الأشجار أو الحيوانات في بيئتها الطبيعية أو تلك المتعلّقة بالإسراف في هدر الموارد المائية، داعياً في الوقت ذاته الى تبنّي سلوكيات إيجابية والانخراط في مسار بناء وعي بيئي حقيقي لدى الأجيال الصاعدة.
وقال إن ولايات الجنوب يمكنها التعايش مع واقعين مختلفين، تطوّر اقتصادي وتنموي سريع وبيئة طبيعية نظيفة ونظام بيولوجي سليم، مؤكّداً بأن الواقع الثاني هو خيار تفرضه الأخلاق السليمة تجاه بيئتنا المحيطة بنا باعتبارها “إرث مشترك ينبغي المحافظة عليه”.
وتابع قائلاً، إن حماية البيئة في ولايات الجنوب “ليست ترفاً فكرياً أو شعارات للاستهلاك الشعبوي”، بل هي ضرورة وطنية وإستراتيجية اقتصادية في آنٍ واحد، مؤكّداً بأن البيئة السليمة والنظام البيولوجي المتعافي يشكّلان ـ حسب المتحدّث- الضامن الحقيقي لأمن الأجيال القادمة لما لهما من أثر مباشر على مختلف مناحي الحياة.
وهو ما يجعل من حماية البيئة ـ حسب المتحدّث- مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية، داعياً الى تعزيز برامج التوعية البيئية في المدارس ووسائل الإعلام، إلى جانب الصرامة في تطبيق القوانين ضد كل من يعتدي على المحيط الطبيعي، مجدّداً التأكيد على أن ولايات الجنوب تمتلك مقوّمات بيئية فريدة تنتظر الاستغلال والتثمين ضمن مقاربة بيئية وطنية بسواعد المجتمع المدني.




