في عصر السرعة الذي نعيش، لم يعد التنافس بين التطبيقات محصورا في جودة السيناريو وعبقرية التصوير وروعة الأداء التمثيلي، وإنما تحوّل إلى صراع محموم على “اختطاف ثوانٍ معدودة” من انتباه المتلقي المشتت أصلا، فظهر نمط درامي جديد قلب موازين صناعة الإنتاج المرئي رأسا على عقب: “الفيرتكال ميكرو دراما” (Vertical Micro-drama).. جنس فني هجين صُمم خصيصا للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وصار يمثل واقعا سينمائيا مختلفا، يُشاهد عموديا ويُروى بإيقاع لاهث يرفض الهدوء.. الدراما الجديدة بدأت تنتشر لتفرض قطيعة مع السينما الكلاسيكية وشاشتها الأفقية، بواسطة شاشة عمودية تكتفي بزاوية ضيقة تركز على الفردية وتمعن فيها..
يبدو أن زحف “الميكرو دراما” على شاشات الهواتف أصّل لنفسه، وأطلق هندسة جديدة لبنى السردية تتلاءم مع سلوك “التمرير اللانهائي” (Infinite Scrolling)، فالحلقة الواحدة تدوم دقيقة واحدة، وتفتقد إلى ترف البناء الدرامي المتأني؛ لهذا تظهر كمثل كيان مكثف يعمل بمبدأ “الصدمة والاستجابة”، حيث يتمّ ضغط الصراعات الكبرى – من الخيانة إلى الثراء الفاحش – في كبسولات بصرية مركزة تضع المتفرج أمام مقايضة فنية جديدة.. التخلي عن العمق الفلسفي وتطوير الشخصيات، مقابل الحصول على إثارة فورية، ما يحوّل فعل المشاهدة من تجربة جمالية واعية إلى استجابة شرطية لفروض الـ«تريند”.
كانت الصين المختبر الأول للميكرو-دراما العمودية، فقد بدأت القصة عبر منصة “Douyin” (النسخة الصينية من تيك توك)، أين بدأ المبدعون في تحويل الروايات الرقمية الطويلة إلى مقاطع درامية مكثفة، ومع حلول عام 2022، انتقلت هذه العدوى إلى الغرب عبر تطبيقات متخصصة مثل ReelShort وDramaBox، محققة أرباحا خيالية تجاوزت في بعض الأحيان إيرادات أفلام هوليوود الضخمة.
الخلطة السرية لـ«الميكرو-دراما”
تعتمد الميكرو دراما – في جوهرها – على سيكولوجية “المكافأة الفورية” (Instant Gratification)، وهي تقنية سردية مصممة لاختراق نظام المكافأة في الدماغ البشري، وتتميز الدراما الجديدة بخصائص فريدة، أهمها الاعتماد المطلق على التصوير العمودي (9:16)، حيث يتمّ تصميم الإطار ليتناسب تماما مع قبضة اليد، ما يلغي المسافة الجمالية التقليدية ويخلق علاقة حميمية، بل وقريبة جدا حد الالتصاق، بين المشاهد والممثل داخل الإطار الضيق، لتصبح تعابير الوجه “المسرح” الوحيد، وتتحوّل نظرة الممثل الموجهة لعدسة الكاميرا إلى حوار مباشر وشخصي يهدم “الجدار الرابع” بفظاظة تقنية متعمدة.
وبما أن الانتباه في البيئة الرقمية عملة نادرة، تعتمد الميكرو-الدراما “قاعدة الخمس ثوانٍ” الذهبية؛ إذ يجب أن يحدث “انفجار درامي” أو مفاجأة بصرية أو لفظية صادمة في أول 5 ثوانٍ من الحلقة. ما يحدث إيقاعا لاهثا يغلق جميع مجالات التأمل، فهو أصلا يهدف إلى تعطيل أصبع المشاهد عن “التمرير” (Scrolling)، وتكتمل هذه المصيدة الدرامية بالرهان على النهايات المعلقة (Cliffhangers)؛ فكل حلقة (لا تتجاوز 90 ثانية في أحسن أحوالها) تنتهي بـ«شهقة” درامية أو صدمة وجودية تدفع المتابع قسرا – بدافع الفضول البيولوجي – إلى فتح الحلقة التالية، محولا فعل المشاهدة إلى حالة من الإدمان المتسلسل.
اقتصاديـــات “الميكـــرو-الدرامـــا”
خلافا للمسلسلات التقليدية التي تعتمد على نماذج الربح المستقر عبر الإعلانات أو الاشتراكات الشهرية الثابتة (مثل عروض نتفليكس)، أحدثت الميكرو دراما زلزالا في هيكلية الربح باعتمادها نموذج “الدفع مقابل الاستهلاك اللحظي”؛ لهذا لا تراهن على بيع المحتوى كحزمة واحدة، إنما تفككه إلى جزيئات صغيرة، حيث يُنتج المسلسل كاملا (مثلا 60 إلى 100 حلقة أو يزيد) بميزانية تقشفية وتصوير “ماراتوني” مكثف لا يتجاوز أسبوعا واحدا في الغالب، فتتقلص المخاطر المالية، ويتمّ ضخّ كميات هائلة من المحتوى في وقت قياسي، فتتحوّل العملية الإنتاجية من “صناعة ثقيلة” إلى “خط إنتاج سريع” لا يختلف عن الوجبات الجاهزة.
وتعتمد استراتيجية تسويق “الميكرو-دراما” على تقنية “الاستدراج”؛ إذ تعرض المنصة أول 10 حلقات مجانا لبناء رابط عاطفي مع المشاهد، وبمجرد أن يصل المنحنى الدرامي بالتشويق إلى الذّروة، تُغلق البوابة ويُطلب من المتابع شراء “عملات رقمية” أو متابعة محتوى إشهاري (يكون في الغالب أطول من الحلقة زمنيا) لفتح بقية الحلقات، وواضح أن “الدراما الجديدة” تعتمد هنا النموذج النفسي الذي يستغل حالة “عدم الاكتمال” لدى الإنسان، ما يجعل بعض المسلسلات البسيطة – التي قد تبدو هزيلة فنيا – تحقق إيرادات خيالية تصل إلى 10 ملايين دولار في غضون أيام قليلة من إطلاقها، متفوقة في سرعة دوران رأس المال على أضخم منتجات الصناعة السينمائية التقليدية.
التحديـات والانتقـادات
رغم النجاح التجاري المذهل الذي تحققه الميكرو دراما، إلا أنها تقف في مهب ريح الانتقادات الفنية اللاذعة؛ إذ يرى النقاد أنها تضحي عمدا بـ«العمق الدرامي” وقواعد السرد الكلاسيكي لصالح منطق الإثارة، ففي هذا القالب، يتمّ اختزال الصراعات الإنسانية المعقدة إلى “كليشيهات” بصرية مكررة، وتضيع جودة الحوار وبناء الشخصيات لصالح المبالغة الأدائية، وهذا توجّه يمكن أن يحول الفن من وسيلة لاستكشاف الذات والمجتمع، إلى “سلعة استهلاكية” سريعة التلف، تفتقر إلى القيمة الفنية.
وتثير منصات الميكرو-دراما مخاوف عميقة بشأن “إدمان الشاشات” وإعادة تشكيل أدمغة الأجيال الشابة؛ فهي تعزز ما يُعرف بـ«تآكل القدرة على التركيز”، من خلال تعويد المشاهد على تلقي صدمة درامية كل 60 ثانية، فتبدو الأعمال الفنية الرصينة التي تتطلب نفسا طويلا وبناء تراكميا، “مملة” أو “بطيئة” في نظر مستخدمي الشاشات الصغيرة، ما يضع العالم قبالة جيل رقمي لا يملك الصبر على متابعة مشهد حواري صامت أو لقطة تأملية واسعة، وبالتالي يهدد مستقبل السينما كفكرة قائمة على التأمل والتركيز.
خطر آخر يكمن في تحكم “الخوارزمية” في العملية الإبداعية؛ فالمسلسلات – في الغالب – لم تعد تُكتب برؤية مؤلف مبدع، فهي تُصمم بناء على بيانات ما يطلبه الجمهور اللحظي، وهذا يؤدي – بالضرورة – إلى نمطية قاتلة في المواضيع (انتقام، خيانة، ثراء مفاجئ)، حيث يتم تكرار نفس التراكيب التي أثبتت نجاحها المالي سابقا، فـ«التنميط السردي” يقتل الابتكار الفني، ويحوّل المخرج الفنان إلى منفذ تقني لفروض الخوارزميات، وهذا يحرم المشاهد من عنصر المفاجأة الحقيقي أو التجربة الفنية المتفردة.
أما من المنظور السلوكي، فإن الميكرو دراما تعتمد على استغلال “حلقات الدوبامين” في الدماغ؛ فكل نهاية حلقة مشوقة تفرز رغبة عارمة في معرفة المزيد، فتسلب إرادة المشاهد وتجعله يواصل المشاهدة لساعات دون وعي بالوقت، ولا شكّ أن هذا النوع من “اقتصاد الاستلاب” لا يستهدف جيوب المشاهدين فقط، فهو يستنزف طاقتهم الذهنية ووقتهم المنتج، محولا فعل الترفيه من “استراحة محارب” إلى حالة من الاستهلاك القهري الذي يغذي القلق والتوتر بدلا من الاسترخاء.
ويخشى كثير من النقاد أن تؤدي سيطرة الميكرو-دراما إلى “تغيير جذري في لغة الصورة”؛ فالتصوير العمودي والتركيز على اللقطات القريبة، يلغي مفهوم “الفضاء السينمائي” وجماليات الديكور والبيئة المحيطة، وإذا تواصل هذا التوجه، فقد نفقد بالتدريج القدرة على تقدير “جماليات الإطار الواسع” وسينماتوغرافيا المكان، وهي العناصر التي شكلت هوية السينما لأكثر من قرن.. فالميكرو-دراما – في الأخير – تقدم نفسها بديلا للجماليات الأصيلة، حين تعيد تعريف “الجمال” بما يتناسب مع حدود شاشة الهاتف الضيقة.
مفـــترق طـــرق..
تمثل “الميكرو-دراما” حاليا ذروة التكيف التاريخي بين التعبير الفني والقفزات التكنولوجية المتلاحقة، فهي “الفن الرقمي الخالص” الذي وُلد من رحم الهواتف الذكية، كونها النافذة الأساسية التي يطل منها إنسان العصر على العالم، وانسحبت على يوميات الناس، وأزاحت المخرج والكاتب وآخرين كثيرين، بعد أن أصبحت هندسة الهاتف وتصميم التطبيقات تملي على صانع العمل الفني أساليب التكثيف الدرامي، وزوايا التصوير، وطريقة تقطيع المشاهد، وحتى سرعة أداء الممثلين.
قد يكون من حقنا وصف هذه الدراما بأنها “فن عصر التيك توك”، فهي لغة بصرية تعترف بواقعية مريرة: وقت المشاهد هو السلعة الأغلى والأكثر ندرة في القرن الحادي والعشرين، ولقد نجح هذا النمط في تحويل “شذرات الوقت” – تلك الدقائق الضائعة في طوابير الانتظار أو المواصلات العامة – إلى تجربة ترفيهية مكثفة.. إنه فن لا يطلب منك التفرغ له، بل يتسلل بين فواصل الحياة اليومية، محولا فعل المشاهدة من طقس جماعي (كما هي الحال في السينما) أو عائلي (كما هي الحال مع التلفاز) إلى استهلاك فردي خاطف يتناسب مع إيقاع “الحياة السائلة”، وسواء اعتبرها النقاد “فنا هابطا” يفتقر إلى الجماليات، أو رآها المجددون “ثورة إبداعية” تكسر احتكار شركات الإنتاج الضخمة، فإن الحقيقة تكمن في قدرتها على خلق لغة تواصل جديدة.
إن اتهام هذا الفن بالسطحية قد يغفل حقيقة أنه استطاع ابتكار قواعد سردية معقدة، على بساطتها، حيث يجب على المبدع أن يختزل عالما كاملا في دقيقة واحدة، و«التقشف السردي” – بطبعه – يفرض تحديات إبداعية من نوع خاص، تجعل من الصمود أمام شاشة الهاتف تحديا لا يقل أهمية عن الصمود أمام شاشة العرض الكبيرة.
وبعيدا عن الجدل الجمالي، تظلّ الأرقام هي الحكم الفصل الذي يؤكد أن هذه الظاهرة ليست “فقاعة” عابرة، أو موضة متغيرة، فهي قطاع إنتاجي “اخترع ليتطور ويبقى”، خاصة وأننا نشهد تطبيقات مثل ReelShort أو
DramaBox وهي تحقق عوائد تتجاوز عشرات الملايين من الدولارات، وتتصدر قوائم التحميل عالميا، ما يعني أنها تمرّر رسالة واضحة لصناعة السينما التقليدية مفادها أن النجاح الاقتصادي يدفع كبار المنتجين إلى إعادة النظر في استراتيجياتهم، ولقد بدأت ملامح استثمارات ضخمة تلوح في الأفق لتطوير هذا النوع من المحتوى، وليس مستغربا انتقاله إلى مرحلة الاحتراف الصناعي، بعد أن لبث زمنا يسيرا على مستوى “الهواية”.
ختامــا..
يبدو أن مستقبل الدراما لن يتخلص من “المستطيل الصغير” الذي لا يفارق جيوبنا، ذلك أن انتقال مركز الثقل من الشاشات العملاقة إلى راحة اليد، يعني إعادة تعريف مفهوم “التجربة السينمائية” برمتها، وقد نفقد في هذا التحوّل ضخامة المشهد وجماليات الفضاء الواسع، لكننا نكسب فنا جديدا أكثر سلاسة، وأسرع وصولا، وأكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الاجتماعية لإنسان المستقبل.. إنها دراما تسكن في الجيب، لكن تأثيرها يمتد ليعيد صياغة الذاكرة البصرية للبشرية.







