إنّ قيمة أمّة من الأمم تتجلى في رموزها، وما هذه الرموز سوى هؤلاء الأعلام الذين رسّخوا الثوابت وعزّزوا وعي الأفراد والجماعات بربطهم بتاريخهم القريب والبعيد، من أجل رسم مسارات مزهرة تأخذ بأيديهم إلى غد مشرق. ولا يختلف على أن عبد القادر جغلول ممّن تكفل بأداء هذه المهمة على أكمل وجه، وما تزال آثاره العلمية والفكرية شاهدة على ألمعيته وتفانيه كمفكر جمهوري ذي توجه وطني.
صدر مؤخرا كتاب “عبد القادر جغلول..عندما يستشرف التاريخ المستقبل” للبروفيسور وحيد بن بوعزيز أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر-2، المتخصص في الأدب المقارن والدراسات الثقافية، الصادر عن دار الوطن ضمن سلسلة “أعلام الجزائر”، السداسي الثاني من سنة 2025.
ينتمي هذا الكتاب إلى صنف السيرة الغيرية، وهو كتاب يجمع في صفحاته التي تربو على المئة بين البيوغرافيا والسيرة الفكرية لعبد القادر جغلول (1946-2010)، عالم الاجتماع الجزائري المعروف.
عن الهدف من التّأليف
إنّ السبب الرئيس من وراء تأليف مثل هذه الكتب التي تتناول تراجم حياة علماء الأمة وترصد مساراتهم الفكرية، هو تعريف الأجيال المتتابعة بسلفهم وتذكيرهم بمنجزاتهم كأقلام تركوا بصمات خالدة تستحق التنويه والإشادة.
ولا شك أنّ عالم الاجتماع الجزائري عبد القادر جغلول من تلك الزمرة من العلماء والمفكرين الحادين الذين حملوا على عاتقهم هم مشروع نقدي -اجتماعي، أكمل من خلاله رسالة الأسلاف في التصدي للسردية الاستعمارية.
ينتمي عبد القادر إلى الأجيال الأولى التي “عاشت التجربة الاستعمارية وكانت شاهدة عليها…” (ص11)، غير أنه برز كواحد من لفيف من الباحثين الذين وسعوا زاوية النظر من حيث الرؤية التاريخية للأحداث، ومن حيث الاشتغال على فلسفة التاريخ في ضوء ما استحدث من علوم الاجتماع والأنثروبولوجية، كما يقول بن بوعزيز (ص12).
فهذا التعريف بتراث هذا الرجل، هو بمثابة لفت الانتباه إلى مشروعه الذي يحتاج إلى من يستوعبه ليواصل المسار الذي اختطه جغلول، في ضوء ما استحدث في العلوم الإنسانية عموما، وعلميْ الاجتماع والأنثروبولوجيا، فضلا على الوثبات الطويلة التي صنعتها الدراسات الثقافية في العقود الثلاثة الماضية.
عن العنوان..
“عبد القادر جغلول عندما يستشرف التاريخ المستقبل” هو عنوان موفّق جدا، يوحي بأن الكتاب عبارة عن ترجمة مطوّلة، لكنها ليست كالترجمات الذاتية (شهادتيْ ميلاد ووفاة، مع ذكر بعض المنجزات)، وإنّما هي ترجمة فكرية تتّبع المسار الفكري لهذا العلم انطلاقا من الروافد الكبرى التي أسهمت في صياغة تفكيره، وصولا إلى محطة تخرّجه مفكرا ينتج الأنساق المعرفية ويطوّر الوعي ويصوّب الرؤى.
والمترجَم له هو عالمُ اجتماع مكين استكمل أدوات هذا التخصص بفضل التكوين الصارم الذي مرّ به خلال سنيّ دراسته ما بين الجزائر وفرنسا، هذا إلى جانب تشبعه بالفكر الماركسي وما يمده به من أدوات نقدية، وهو ما أهله – فيما نزعم – ليخوض في موضوعات شائكة عجزت قبله الأقلام والأذهان على أن تخوض فيها وتقدم – في سبيل دراستها – مقاربات جادة.
ثم لأنه مهموم بالراهن / الآتي، فهو لا يقرأ ما فات من تاريخ الأمة قراءة المتغني بأمجاد التراث أو البكاء على أطلاله، وإنما يقرؤه في سبيل فهم الراهن/ الآتي لاستشراف الغد، أو بعبارة أكثر تواضعا للاستعداد لذلك الغد قبل أن يكون قد فات أوان الاستعداد!
عن متن الكتاب..
شدّني – من أول سطر من سطور الكتاب – لغة وأسلوب الكاتب: لغة أدبية جميلة، تنأى عن اللغة الأكاديمية الجافة دون أن تتخلى عن صفتها العلمية، وتقترب من الأسلوب الأدبي دون أن تستسلم للمجاز والخيال المجنّح.
وأحسب أن لوَعْي مؤلف الكتاب بقارئه المتخيل (القارئ المثقف ثقافة عامة وليس المتخصص أو الأكاديمي)، دورٌ في تطويع لغته وأسلوبه ليتناسبا مع هذا الضرب من القراء، وهي إحدى ميزات الكاتب الناجح؛ وهو ما حققه الدكتور بن بوعزيز منذ كتابه ما قبل الأخير “بؤس النظرية” عن منشورات دار ميم.
تميّزت هذه الرحلة الفكرية في أعمال عبد القادر جغلول بالإحاطة بما كتب بما في ذلك أطروحته عن فرانز فانون، والفهم العميق لطروحاته الاجتماعية التي استندت على تاريخ المنطقة المغاربية وما جاورها، وقراءة الأحداث قراءة نقدية في ضوء الفكر الماركسي الذي ينتسب إليها جغلول، مع تسجيل تفصيل مهم أنه المفكر اليساري المتفتّح على الأطياف الفكرية الأخرى، وهو ما يجعل الماركسية أداة تحليل ومقولاتها تنصهر لتشكّل نموذجا تفسيريا يقرأ به جغلول ويفهم ثم يفسر ويؤول.
إنّ اكتشاف هذا المفكّر الموسوعي بهذا العمق المعرفي بالحاضر والماضي، وهذه الرؤية الثاقبة للراهن والقادم، هو بمثابة الوقوف على منجم يمد الوعي بمادة يمكن أن تحدث ثورة معرفية في مجال البحثين الاجتماعي والتاريخي.
ولهذا الكتاب ميزة لا نكاد نجدها في الكتب التي تُترجم لبعض الأعلام في الشرق والغرب، إذ إنَ أغلبها يقع في غرام المترجَم له فينسى أنه مطالب بتصويب الغلط إذا ظهر له، والحق أن يمارس المترجِم النقد على الشخصية التي هو بصدد تقديم صورة عن حياتها وفكرها، وهو ما تحقق على يد الدكتور وحيد بن بوعزيز.
ونذكر مرة أخرى أن هذه الترجمة توخّت – بوعي – الوقوع في اللغة الأكاديمية الجافة، حيث لا يمكن للقارئ غير المتخصص الاستفادة من مضامينها لوعورة اللغة العلمية الواصفة وللجهل الحاصلة على مستوى العدة الاصطلاحية المعقدة، وكما أسلفنا أن تحديد الفئة المقصودة بالكتاب يسرت المهمة باختيار لغة وأسلوب وسط، يستفيد منه المتخصص، ويفهمه غير المتخصص، ويكون بذلك الكتاب قد كسب الرهان الذي كُتِب من أجله.
في الأخير نقول: لا يمكن اختزال كتاب من مئة صفحة في سطور معدودة، فالفوائد المجتناة منه عديدة، والأفكار التي يحويها مفيدة، وننصح به المشتغلين بتاريخ الجزائر الخاص، وتاريخ المغاربي بشكل عام، وكذلك المشتغلين بعلم الاجتماع والدراسات الثقافية، ليقفوا على تجربة جزائرية على المستوى الابستيمي بمعايير عالمية، يمكن احتذاء مسارها المعرفي والفكري وتطويره لقراءة الواقع.







