أضحت حماية البيئة ومكافحة التلوث من أبرز الرهانات التنموية التي تواجه المجتمعات الحديثة، في ظل التزايد المستمر للنفايات وتأثيراتها السلبية على الصحة العمومية والموارد الطبيعية، وفي هذا الإطار، برزت جامعة الشيخ العربي التبسي بتبسة، منذ سنوات كفاعل علمي واقتصادي مهم من خلال إشراك الطلبة في مشاريع مبتكرة تهدف إلى رسكلة النفايات وتثمينها، بما يعكس توجهاً جديداً يربط البحث العلمي بالحلول الميدانية المستدامة.
شهدت جامعة تبسة، منذ سنة 2020، انخراطاً فعلياً في معالجة الإشكالات البيئية، لاسيما في مجال تسيير النفايات المنزلية والصناعية، وذلك من خلال شراكة مع مركز الردم التقني بالولاية، وقد تُوّج هذا التعاون بأول مشروع تمثل في تصميم سلسلة تكنولوجية لفرز المخلفات المنزلية قصد إعادة تدويرها وتثمينها، ما ساهم في التقليل من حجم النفايات الموجهة للردم وتحويلها إلى مواد أولية ذات قيمة اقتصادية.
وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ خالد رايس، أستاذ بمعهد المناجم بجامعة الشيخ العربي التبسي، أن هذا المشروع أسفر عن الحصول على براءتي اختراع، تمّ تصنيفه ضمن ثاني أفضل اختراع على المستوى الوطني سنة 2021، وهو ما يعكس الإمكانيات العلمية الكبيرة التي يزخر بها طلبة الجامعة.
ومع تفعيل القرار الوزاري 12/75 لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، عرف مسار التكوين الجامعي تحوّلاً نوعياً، حيث تم توجيه مشاريع التخرّج لطلبة الماستر من بحوث أكاديمية تقليدية إلى مشاريع ذات طابع مقاولاتي واقتصادي. وقد أسهم هذا التوجّه في مرافقة وتأطير 11 مؤسسة ناشئة داخل الجامعة، نتج عنها إيداع 9 براءات اختراع وإنجاز 9 نماذج صناعية، أغلبها يندرج ضمن مجال رسكلة النفايات.
ومن بين أبرز هذه المشاريع، إعادة تدوير إطارات السيارات المستعملة واستعمالها في مواد مخصّصة لصيانة وترميم الطرقات، بما يساهم في تقليص التلوث، وإيجاد بدائل محلية ذات مردود اقتصادي وبيئي في آن واحد.
دعا رئيس جمعية أحباب البيئة في ختام حديثه إلى تعزيز الشراكة بين الجمعيات البيئية، الجامعة، والمؤسسات الناشئة، وتكثيف الحملات التحسيسية على مدار السنة، باعتبار أن الوعي البيئي يشكّل حجر الأساس لأي سياسة ناجحة في مجال حماية البيئة ومكافحة التلوث.
وفي ظل هذه التحديات البيئية المتزايدة، تواصل السلطات مجهوداتها الرامية إلى تحسين تسيير النفايات وترقية آليات حماية البيئة، من خلال دعم البحث العلمي، تشجيع المؤسسات الناشئة، وتعزيز الشراكة بين الجامعة، الجماعات المحلية والمجتمع المدني، وهي خطوات تعكس إرادة حقيقية لبناء نموذج تنموي مستدام يوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة، بما يضمن حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ونظيفة.

