كتابان جديدان بين أيدي القرّاء..توثيق التّراث وصناعة المستقبل
شكّلت النّدوة الفكرية التي نشّطها الأستاذ والباحث في اللغة والثقافة الأمازيغية بالمتغير الورقلي الزناتي، خالد بن أحمد فرتوني، بمركز الفنون والثقافة بقصر رؤساء البحر “حصن 23” بالجزائر العاصمة، محطة افتتاحية لتظاهرة ثقافية احتفالية خاصة برأس السنة الأمازيغية 2976، نُظّمت بالتنسيق مع مديرية الثقافة والفنون لولاية ورقلة، وسلّطت الضوء على العمق الحضاري والتراثي لقصور ورقلة، باعتبارها إحدى الركائز التاريخية للثقافة الأمازيغية في الجنوب الجزائري.
جاءت هذه النّدوة ضمن برنامج ثقافي متنوّع افتتح في السادس جانفي ويتواصل إلى غاية الاثنين المقبل، حيث يجمع بين الفكر والأدب والحرف التقليدية والعروض الفنية. وقد شكّل تقديم كتابين باللغة الأمازيغية محورا أساسيا في هذه التظاهرة، على غرار مؤلفي “پسلان تورقن” و«تينفوسين ستغرغرنت”، في مداخلات قاربت مضامينهما وسياقهما الثقافي ودورهما في تثمين المتغير الورقلي الزناتي.
وأكّد فرتوني أهمية هذه الإصدارات في إعادة الاعتبار للأدب الأمازيغي المحلي وربطه بالذاكرة الجماعية لقصور ورقلة، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي المعاصر. وفي هذا السياق، تناول كتاب “پسلان تورقن” (العروس الورقلية) طقوس الزواج لدى المرأة الورقلية، مقدما إياها باللغة الأمازيغية بالمتغير الورقلي الزناتي.
يوثّق الكتاب تفاصيل مراسم الزواج، بدءا من اللباس والحلي والبخور، مرورا بالمأكولات الشعبية والحلويات التقليدية، وصولا إلى الرقصات الجماعية النسائية. كما يستعرض العادات المرتبطة بمراحل ما قبل عقد القران، من الخطبة وحتى يوم انتقال العروس إلى بيت زوجها، موضّحا الرمزية العميقة لهذه التقاليد التي تشكّل جزءا أساسيا من حياة العائلات الورقلية.
ويبرز الكتاب الأجواء الخاصة التي كانت تحظى بها المرأة والفتاة الورقلية، مؤكّدا حفاظهن على الموروث الأمازيغي وطقوسه الغنية التي تشكّل رافدا مهما للذاكرة الوطنية، ويبيّن كيف ساهمت هذه العادات الجماعية في تعزيز الترابط الأسري، وجعلت من كل محطة من محطات الزواج تجربة ضرورية لكل أسرة جديدة، بهدف الحفاظ على التراث والعادات والتقاليد المقدسة.
أمّا كتاب “تينفوسين ستغرغرنت”، فهو إضافة نوعية للأدب الموجه للطفل، ويضم مجموعة من الحكايات المستوحاة من التراث الشعبي المحلي ومن الأدب العالمي، لا سيما قصص الأخوين غريم، مترجمة ومكيفة مع البيئة الثقافية الورقلية، بما يقرّب النص من القارئ الصغير ويعزّز ارتباطه بهويته، واستلهم فرتوني هذا المشروع من شغفه المبكر بالمطالعة، ومن ذكريات الحكواتي “تاهينا” في قصر ورقلة الذي كان ينظم حلقات سرد قصصي في أربعينيات القرن الماضي.
ويعالج الكتاب قضايا اجتماعية وخيالية، ويسهم في تنمية القدرات الذهنية للطفل، إلى جانب تعريفه بنماذج من التراث المحلي والعالمي. ويعد هذا العمل ثاني إصدار أمازيغي لفرتوني بعد القاموس العربي ـ الأمازيغي “إيولان سترغرغرنت”.
وفي ختام هذه الندوة التي جرت بحضور مديرة مركز الفنون فايزة رياش، برزت تجربة الباحث خالد بن أحمد فرتوني باعتبارها نموذجا واعيا للكتابة الأمازيغية التي تنطلق من الذاكرة المحلية لتخاطب الحاضر وتستشرف المستقبل، من خلال الجمع بين التوثيق التراثي والاهتمام بأدب الطفل.






