أعــراس العــام الجديــد.. فسيفســاء الوحدة والاعتـزاز بالهويـة الوطنيــة
تكتسي الجزائر اليوم حلة من الاعتزاز، مع انطلاق الاحتفالات الوطنية والرسمية برأس السنة الأمازيغية الجديدة “يناير 2976”، تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في مناسبة تمثل محطة سيادية وثقافية كبرى تجمع بين عمق التاريخ وتطلعات الجزائر المنتصرة، لتشكل لوحة فسيفسائية جمالية تتحدث عن تاريخ جزائري تليد.
ويتجلى “يناير” في أبهى صوره ليتجسد التلاحم في القوافل الثقافية التي انطلقت من قلب العاصمة لتربط الشمال بالجنوب، وصولاً إلى ولاية بني عباس التي تحتضن الفعاليات الرسمية، وترسم مع ولايات الوطن مشهداً استثنائياً من الوحدة والتنوع، حيث تلتقي الأصالة بالحداثة تحت راية جزائر واحدة موحدة تفتخر بماضيها وتعتز بهويتها.
بنـــي عبــــاس.. عاصمـــة “ينايـــر”..
تحت شعار “من بني عباس… يناير يبرق للجزائر المنتصرة”، تحتضن ولاية بني عباس، “لؤلؤة الساورة”، الاحتفالات الرسمية للفعاليات، وأشرف الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، سي الهاشمي عصاد، على مراسم الافتتاح بحضور رفيع المستوى شمل مستشارين لدى رئاسة الجمهورية وممثلي وزارة الدفاع الوطني وهيئات رسمية.
وشهدت المراسم تدشين جدارية فنية عملاقة بعنوان “العربية والأمازيغية” أنجزت بإشراف المتحف الوطني للخط الإسلامي لتلمسان، لتكون رمزاً بصرياً لوحدة المكونات الهوية الوطنية. كما أُطلقت فعاليات الطبعة السادسة لـ “جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية”، التي تعد أعلى تشريف للمبدعين والباحثين في هذا المجال، تزامناً مع فتح “سوق يناير” الذي جمع بين إصدارات الكتاب وفضاءات المؤسسات الناشئة، ما يربط التراث بالابتكار الاقتصادي.
من العاصمة إلى تندوف عبر السكة الحديدية
اتخذت احتفالات رأس السنة الأمازيغية “يناير 2976” هذا العام بعداً وطنيا راسخا، تجسد في انطلاق قافلة وطنية كبرى من محطة القطار بمطار “هواري بومدين” الدولي بالجزائر العاصمة، متجهة نحو أعماق الجنوب الغربي لترسو رحالها في ولاية بني عباس. فكانت رسالة قوية تعكس تلاحم أبناء الوطن الواحد، وربطاً رمزياً متيناً بين بوابة الجزائر الجوية وقلبها الصحراوي النابض.وقد أضفى الحضور الرسمي رفيع المستوى ثقلاً بالغ الأهمية على مراسم انطلاق القافلة، حيث حظيت بتوديع رسمي من قبل رئيس مجلس الأمة، عزوز ناصري، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، رفقة الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية وكبار مسؤولي الدولة، وقد أكد المشاركون بالقافلة على أن ترقية الأمازيغية وتثمين موروثها يمثل مساراً وطنياً ثابتاً يندرج ضمن صلب التوجهات الكبرى للدولة الجزائرية.
وشقّت القافلة طريقها عبر ولاية بشار، محملةً بعبق التراث ورسائل الوحدة، وصولاً إلى ولاية بني عباس التي تزينت لاستقبال هذا العرس الوطني، ويأتي اختيار هذا المسار الذي يتقاطع مع مسار المشاريع التنموية الكبرى والضخمة مثل خط السكة الحديدية “بشار-تندوف-غارا جبيلات”، ليؤكد أن الاحتفال بيناير هو احتفال بـ«الجزائر المنتصرة” التي تزاوج ببراعة بين الحفاظ على أصالتها العريقة ومواكبة التحديث الاقتصادي والمنشآتي.
تيــزي وزو.. ذاكــرة محفوظة
وفي ولاية تيزي وزو، تحولت دار الثقافة “مولود معمري” إلى مزار ثقافي مفتوح استمر لعدة أيام، حيث اجتمع الحرفيون من مختلف ولايات الوطن ليعرضوا إبداعات أناملهم، ومن “الجبة القبائلية” إلى “الملحفة الشاوية” و«اللباس التارقي” و«النايلي”، تجلت وحدة التاريخ في تنوع الأزياء والحلي.تميزت احتفالات ولاية تيزي وزو برأس السنة الأمازيغية الجديدة بزخم فني فريد، تجلى في الطبعة الرابعة لمسابقة “الغناء الشعبي النسوي” المعروف بـ “أوزار نلخلاث” بدار الثقافة “مولود معمري” وكانت بحق، مهرجانا للأصالة شاركت فيه نحو 20 فرقة نسوية وفدت من مختلف بلديات وقرى الولاية. وقد تبارت المشاركات في تقديم أبهى ما جادت به الذاكرة الجماعية لمنطقة القبائل، وسط أجواء تعبق برائحة التاريخ، ما جعل من هذا النشاط ركيزة أساسية في البرنامج الاحتفالي الرامي إلى إحياء التراث اللامادي الوطني.
ويعد فن “أوزار نلخلاث” ظاهرة فنية نادرة، حيث يعتمد حصراً على قوة الحناجر النسوية والانسجام الجماعي في الأداء دون الحاجة إلى أي آلات موسيقية، ما يمنحه نقاءً صوتياً يسافر بالمستمع إلى أعماق القرى وصدى الجبال الشامخة، فهذا الفن ليس سوى مرآة عاكسة لأحاسيس المرأة القروية ومكنوناتها الدفينة؛ فمن خلال الأشعار الملحنة، تترجم النسوة يومياتهن، وأفراحهن،
وأتراحهن، ليكون هذا الغناء “ديواناً” شفهياً يحفظ ملامح الحياة الاجتماعية والأصالة الجزائرية التي تناقلتها الأجيال بوفاء منقطع النظير.
في السياق، أكدت مديرة الثقافة والفنون لولاية تيزي وزو، نبيلة قومزيان، أن هذه المسابقة تمثل “عربون وفاء” للقامات النسوية التاريخية التي كانت سباقة في تبني هذا الفن وحمايته من النسيان، أمثال “اللا يمينة” وغيرهن ممن مهدن الطريق للأجيال الحالية، وأشارت إلى أن الغاية الأسمى من تنظيم هذه الطبعة هي ضمان انتقال هذا الموروث إلى الأجيال القادمة وحمايته من الاندثار، مشددة على أن إحياء هذه الفنون الشعبية يساهم في ربط الأجيال الشابة بهويتها، ويجعل من التراث الأمازيغي جسراً حياً يربط بين عراقة الماضي وطموحات المستقبل.
أبعـاد أكاديميـــة ومنافسـات شعبيـة
ولم تغفل الاحتفالات الجانب الأكاديمي، حيث احتضنت بني عباس وتيزي وزو ندوات علمية ناقشت “البعد التاريخي والحضاري لعيد يناير وعلاقته بالتقويم الفلاحي”، بمشاركة نخبة من الباحثين الذين سلطوا الضوء على ارتباط الإنسان الجزائري بأرضه ومنتوجها.
وفي ولايتي البيض والشلف، اتخذت احتفالات رأس السنة الأمازيغية طابعاً تفاعلياً واجتماعياً بامتياز، حيث تحولت المؤسسات الثقافية والشبابية إلى فضاءات مفتوحة لاستعراض ثراء الموروث المحلي، ففي ولاية البيض، كان للأجيال الصاعدة نصيب الأسد من الاهتمام، إذ انخرط الأطفال في مسابقات تعبيرية وورشات للرسم الفني تحت شعار “يناير بعيون الأطفال”، في خطوة تهدف إلى غرس قيم الهوية في نفوس الناشئة. وقد امتزجت هذه الأنشطة التربوية بعروض بصرية وتوثيقية، كان أبرزها عرض فيديو مفصل يوثق الطقوس التقليدية لتحضير طبق “الكسكسي” الذي تشتهر به المنطقة، مما أضفى لمسة تعليمية تربط الطفل بمهارات ومطبخ أجداده.أما في ولاية الشلف، فقد اشتعلت روح التنافس الإبداعي من خلال مسابقات نوعية أطلقتها مديرية الثقافة والفنون، حيث تنافس المشاركون على نيل جائزة “أحسن مائدة يناير” التي تبرز فنون الطبخ التقليدي وأطباق المناسبة العريقة، بالإضافة إلى مسابقة أحسن لوحة تشكيلية تجسد التراث الأمازيغي برؤى فنية معاصرة، ولم تقتصر الفعاليات على العرض والمسابقة، بل امتدت لتشمل معارض متنوعة بدار الثقافة “سعيدي محمد”، بمشاركة واسعة لجمعيات المجتمع المدني التي استعرضت أزهى ما لديها من ألبسة تقليدية وحرف يدوية، تعكس حيوية المشهد الثقافي في الولاية وارتباطه الوثيق بالجذور.
وتوّجت هذه الأجواء الاحتفالية في الشلف بزخم فني وشعبي كبير، حيث صدحت أنغام الفن الشعبي الجزائري في أرجاء المركز الثقافي بمدينة تنس الساحلية، من خلال حفل فني ساهر أحيته الجمعية الموسيقية “الهاشمية”، وقد تلاحمت نوتات الموسيقى مع البهجة الشعبية التي رسمتها الفرق الفلكلورية ونشاطات دور الشباب، مما خلق لوحة اجتماعية متكاملة تلاحمت فيها الثقافة بالهوية الوطنية.







