قطــب صناعـــي يعيــد تشكيــل الخريطــة الاقتصاديــة للمنطقـــة
يمثل التقسيم الإداري الجديد الذي أقرّته السلطات العليا في البلاد محطة مفصلية في مسار إعادة تنظيم الفضاء الوطني، بهدف تعزيز التنمية المحلية وتحقيق التوازن الجهوي، وفي هذا السياق، شكلت ترقية بئر العاتر إلى ولاية خطوة ذات بعد استراتيجي، بالنظر إلى ما تزخر به المنطقة من إمكانات طبيعية واقتصادية وسكانية، جعلتها مؤهلة لتكون قطبًا تنمويًا جديدًا في الشرق الجزائري، حيث أنّ هذا القرار لم يكن مجرد تغيير إداري، بل هو انتقال نحو رؤية جديدة تهدف إلى تثمين الموارد المحلية وربطها بمسارات التنمية الوطنية.
تتربع بئر العاتر على مساحة جغرافية واسعة تشمل البلديات المجاورة، وفي مقدمتها فركان ونقرين، اللتين تمتدان لحدود ولاية الوادي، ما يمنح الولاية الجديدة امتدادًا جغرافيًا مهمًا يجعلها في موقع محوري يربط بين مناطق إستراتيجية في الجنوب الشرقي والشمال الشرقي، هذا الاتساع الجغرافي، حسب تصرح أحمد طرطار أستاذ اقتصاد بجامعة تبسة لـ «الشعب»، يشكل عاملاً أساسيًا في دعم القدرة التخطيطية للولاية الجديدة، خصوصًا مع توفرها على موراد طبيعية معتبرة في مقدمتها الأراضي الفلاحية الخصبة والمخزون المنجمي الهام.
ويبرز الجانب الفلاحي كأحد أهم عناصر القوة في بئر العاتر، حيث تضم منطقتي المرموثية وجارش، وهما من أبرز الأحواض الفلاحية التي كانت تُعد سابقًا عصَب الإنتاج الفلاحي في ولاية تبسة، وتشتهر هاتان المنطقتان بزراعة الحبوب وغرس الزيتون والأشجار المثمرة، ما جعل منهما قاعدة صلبة لتأسيس قطب فلاحي بامتياز، خاصة مع توجه الدولة إلى تعزيز الأمن الغذائي والاعتماد على الإنتاج المحلي.
ديناميكيــــة اقتصاديــة واعـــدة
ولا يقتصر الغنى الاقتصادي لبئر العاتر على الجانب الفلاحي، إذ تحتضن المنطقة واحدًا من أبرز المناجم الوطنية، وهو منجم الفوسفات، الذي ينتظر أن يعرف نقلة نوعية من خلال مشروع بلاد الحدبة، الذي يمثّل حسب الأستاذ طرطار منصة اقتصادية واعدة ستسهم في إحداث ديناميكية تنموية واسعة، ومن المتوقع أن يوفر المشروع أكثر من ثلاثة آلاف منصب عمل.
مما يعزز دور الولاية كوجهة لجذب اليد العاملة وكقطب صناعي سيعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للمنطقة وما جاورها، كما سيؤدي النشاط المنجمي إلى خلق حركية اقتصادية تتداخل فيها قطاعات السكن والنقل والخدمات والتجارة، مما يعزز التكامل التنموي بين بئر العاتر والولايات المجاورة.
ويشير الأستاذ طرطار أحمد، أيضًا إلى البعد البشري الذي تتميز به الولاية، حيث تعرف بئر العاتر كثافة سكانية معتبرة تفرض التفكير في نموذج تنموي مستدام، يأخذ بعين الاعتبار تحسين الإطار المعيشي وتوفير الخدمات وتقريب الإدارة من المواطن، وهو ما يتماشى مع السياسة الوطنية الهادفة إلى تعزيز اللامركزية وتكريس العدالة الاجتماعية عبر توزيع متوازن للثروة العمومية.
ويخلص المتحدث إلى أن ترقية بئر العاتر إلى ولاية ليس مجرد تغيير على الورق، بل هو تحول استراتيجي يحمل في طياته فرصًا كبيرة للنمو الاقتصادي والاجتماعي، شريطة استغلال المقومات التي تزخر بها المنطقة ودمجها في رؤية تنموية شاملة تضمن إقلاعًا حقيقيًا يتماشى مع الرهانات المستقبلية.
رهــان استراتيجــي
التقسيم الإداري الجديد يعبر عن توجه واضح نحو تقليص الاختلالات التنموية بين المناطق وتعزيز فعالية الدولة على المستوى المحلي، هذا النوع من الإصلاحات يسمح بتقريب الإدارة من المواطن ورفع قدرة الجماعات المحلية على التخطيط السريع والاستجابة لانشغالات السكان، خاصة في المناطق الحدودية التي تحتاج نمطا مختلفا من التسيير ومنحى أسرع في تنفيذ المشاريع، فترقية بعض الدوائر إلى ولايات ليست مجرد خطوة تنظيمية بل هي آلية لدعم التنمية المتوازنة والعادلة وتوجيه الاستثمارات وفق خصوصية كل منطقة.
وعن أهمية التقسيم الإداري الجديد وترقية بئر العاتر الى ولاية يضيف من جهته البروفيسور ساري نصر الدين أستاذ باحث والأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية لـ«الشعب» قائلا: أعتقد أن ترقية بئر العاتر إلى ولاية تحمل أثرا مهما على عدة مستويات، فهذه المنطقة كانت بحاجة إلى جهاز تنفيذي وإداري أقرب وأسرع في معالجة ملفات التهيئة العمرانية والطرقات وشبكات النقل، لاسيما أن محيطها الجغرافي واسع ويتطلب استثمارات خاصة في الربط بين البلديات.
وهذا التصنيف الجديد حسبه، يمكن أن يمنح دفعة قوية لتحسين البنية التحتية الحضرية وتطوير المشاريع الكبرى القائمة على غرار مشروع بلاد الحدبة الذي يمثل رهانا اقتصاديا مهما للولاية، كما أن تثبيت هياكل إدارية جديدة سيتيح تسريع برامج السكن، خدمات الصحة ومرافق الشباب وتحديث شبكات الطرق في محور بئر العاتر تبسة واد سوف، بما يخلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار.
ومن زاوية أخرى، يقول البرفيسور ساري: «أرى أن بئر العاتر بحاجة ماسة إلى معالجة ملف المياه بشكل بنيوي وعاجل نظرا لما تعانيه المنطقة من شح متكرر وضعف في مصادر التزود، فترقية المنطقة إلى ولاية قد تسمح ببرمجة مشاريع مائية أكبر حجما، سواء عبر حفر أبار جديدة أو إنشاء محطات معالجة وتحلية صغيرة مخصصة للاستعمال المحلي او إنشاء سدود.
كما يمكن لهذه الخطوة حسبه، أن تساهم في تطوير الفلاحة خصوصا في الجنوب الغربي والشرقي للمنطقة، حيث توجد قدرات معتبرة في الإنتاج الحيواني والفلاحة والزراعات الجافة.
وفي تقديري يضيف قائلا: «فإن إطلاق برامج دعم للري التكميلي وتحديث وسائل العمل يمكن أن يحول الفلاحة إلى رافعة اقتصادية حقيقية في المنطقة».
كما أن الملف التعليمي سيكون من أبرز المستفيدين، فترقية بئر العاتر إلى ولاية قد تفتح المجال لإنشاء ملحقة جامعية أو مراكز تكوين مهني متخصصة، بما يخفف الضغط على مدينة تبسة ويوفر فرصا للشباب محليا، هذا النوع من الاستثمار البشري عادة ما ينعكس إيجابا على سوق العمل ويخلق طبقة جديدة من الكفاءات القادرة على دفع التنمية المحلية، ولهذا يبدو هذا التقسيم الإداري الجديد فرصة لإعادة بناء نموذج تنموي محلي قائم على مرافق أساسية قوية ومؤسسات فعالة وموارد بشرية كفأة.
في الأخير يعتقد أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بمدى قدرة الإدارة الجديدة والجماعات المحلية على استغلال هذا التصنيف لإطلاق مشاريع ملموسة وتنسيق السياسات القطاعية داخل إقليم الولاية، وضمان أن تحول الولاية الجديدة مكانتها الإدارية وإمكانياتها الطبيعية إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية تصنع الفارق لسكان بئر العاتر على المدى المتوسط والبعيد.
آفــاق جديـــــدة
وتشكل ترقية بئر العاتر إلى ولاية فرصة تاريخية لإعادة اكتشاف رصيدها الثقافي والحضاري، واستثمار موقعها الحدودي الاستراتيجي مع الجمهورية التونسية في صناعة حركية سياحية جديدة بالمنطقة، فهذه المنطقة، الممتدة على فضاء جغرافي واسع والمتنوعة في تضاريسها وإرثها الأثري، تختزن قدرات كبيرة يمكن تحويلها إلى محرك للتنمية الاقتصادية والثقافية، لاسيما في ظل المشاريع الهيكلية الجديدة وعلى رأسها مشروع «الحديقة الأثرية»، الذي سيحتضن قطعا نادرة تعود لمختلف الحقب التاريخية.
إن هذا الرصيد، إذا أُحسن تثمينه، قادر على منح الولاية الجديدة هوية سياحية وثقافية تميزها، وتفتح المجال أمام استقطاب السياح من داخل الوطن وخارجه، خاصة من الجارة تونس.
وتمتلك بئر العاتر، وهي إحدى أهم المناطق الحدودية في الجزائر، مقومات ثقافية وأثرية تمنحها مكانة فريدة بين ولايات الجنوب الشرقي، فعلى امتداد أراضيها الشاسعة مع إضافة بلديتي فركان ونقرين تنتشر عشرات المواقع التاريخية التي تكشف عن تعاقب حضارات ضاربة في القدم، من فترات ما قبل التاريخ وصولًا إلى المراحل الرومانية والعصور الإسلامية.
وقد ساهم المشروع المندمج لاستخراج وتحويل الفوسفات بمنطقة بلاد الحدبة في الكشف عن إرث أثري نادر، كما تم جمع أكثر من 1400 قطعة أثرية من 66 موقعًا مختلفًا، كثروة ستكون حجر الأساس في بناء مشروع الحديقة الأثرية الجديدة.
الحديقة الأثرية وكنوز بلاد الحدبة التاريخية
الحديقة، الممتدة على أكثر من ثمانية هكتارات، ستكون فضاء علميا وسياحيا مفتوحا، يتيح للباحثين والمهتمين بالأركيولوجيا دراسة تطور الحضارات في المنطقة، كما ستشكل وجهة جاذبة للسياح والعائلات والمهتمين بتاريخ شمال إفريقيا.
وقد أكد والي الولاية، خلال جلسة عمل سابقة مخصصة للمشروع، أن التراث المادي واللامادي يمثل عنصرًا جوهريًا في تشكيل الهوية الوطنية، وأن استثماره يساهم في تعزيز الوعي الجمعي ومرافقة التنمية الاقتصادية، داعيًا إلى توسيع الوعاء العقاري للمشروع وتسريع عمليات الإنجاز.
ولا يقتصر رصيد بئر العاتر على الجانب الأثري فحسب، بل يمتد ليشمل تنوعًا طبيعيًا وتضاريسيًا يمكن أن يُستغل في السياحة البيئية والجيولوجية، فمحيطها الجغرافي، الذي يجمع بين الهضاب، السهول الرملية، والمعابر الحدودية الحيوية، ويجعل منها منطقة مناسبة لإنشاء مسارات سياحية عبر مواقع متعددة، يمكن أن تربط بين الحديقة الأثرية ومناطق بلاد الحدبة والمواقع الجيولوجية المحيطة.
كما أن موقع بئر العاتر الحدودي مع تونس يمنحها فرصة ذهبية لتنشيط السياحة التبادلية، سواء من خلال الزوار التونسيين الباحثين عن اكتشاف عمق الجنوب الجزائري، أو عبر الجزائريين العابرين نحو تونس الذين يمكن جذبهم عبر عروض سياحية وخدماتية متنوعة، ويمكن لهذه الديناميكية، إذا دعمت بالبنية التحتية المناسبة، أن تحول الولاية إلى نقطة عبور سياحي وتجاري حيوية، تسهم في خلق مناصب العمل وإنعاش المحيط المحلي.
إضافة إلى ذلك، يمثل مشروع «بلاد الحدبة» ورشة اقتصادية ضخمة، يمكن ربطه بمنتجات ثقافية وسياحية مرافقة، مثل متاحف مصغرة، فضاءات عرض، ومراكز تفسير تاريخي، مما يمنح الولاية بعدا ثقافيا متكاملا.
كما يمكن لاستحداث مراكز تعليمية وتكوين مهني متخصصة في الترميم والأركيولوجيا والسياحة أن يخلق جيلًا جديدًا من الكفاءات المحلية القادرة على تسويق الإرث التاريخي للمنطقة بشكل عصري وجذاب.
ذاكــرة معماريــة
ولا يمكن الحديث عن السياحة في هذه المنطقة دون أن نتحدث عن «قصور نقرين» التاريخية والأثرية في بوابة الصحراء على بعد 150 كلم جنوب عاصمة الولاية تبسة، فن البناء التقليدي الصحراوي والمهارة المحلية في مجال الهندسة المعمارية، إذ تعتبر هذه البنايات شاهدة على تعاقب عديد الحضارات من فترة ما قبل التاريخ مرورا بالحضارة الرومانية إلى غاية الفتح الإسلامي، يطلق عليها المدينة المتاهة او صاحبة السبع أبواب وسبع أسوار نظرا لتشابه أزقتها ومبانيها.
إن بئر العاتر، وهي تخطو اليوم أولى خطواتها كولاية جديدة، لا تنطلق من فراغ، بل من أرضية صلبة تتنوع فيها الإمكانات الاقتصادية والسكانية والثقافية، وتتقاطع فيها المقومات السياحية مع الموقع الحدودي الاستراتيجي ليشكلا معًا رافعة تنموية واعدة، فالمشاريع الكبرى الجاري إطلاقها، وعلى رأسها مخططات استغلال ثروات بلاد الحدبة، تعكس إرادة واضحة في تحويل هذا الفضاء الواسع إلى قطب متوازن يجمع بين الصناعة والفلاحة والخدمات والسياحة الثقافية.
ومع توافر رصيد أثري نادر، وحركية سكانية شابة، وبنية تحتية قابلة للتطوير، تصبح بئر العاتر أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم مستقبلها وفق رؤية تنموية مستدامة تجعل من التراث موردًا اقتصاديًا، ومن الحدود جسرا للتعاون، ومن الاستثمار المحلي دعامة للنهوض الاجتماعي.
وبقدر ما تُحسن الإدارة الجديدة استغلال هذه المقومات وتنسيق جهود القطاعات، بقدر ما ستنجح بئر العاتر في تثبيت مكانتها كولاية صاعدة قادرة على صناعة الفارق في الجنوب الشرقي للجزائر، وتحويل طموحات ساكنتها إلى واقع ملموس يترسخ أثره على المدى الطويل.







