صفحات غــير معروفـة مـن ملحمة “ديبلوماسيـة المستطيــل الأخضـر”
يروي الكاتب جمال محمدي في كتابه الجديد “الهدف الأخير، القصة الكاملة لفريق جيش وجبهة التحرير الوطني لكرة القدم (1958 ـ 1962)”، إحياء واحدة من أبرز الملاحم الوطنية التي وحّدت بين الرياضة والنضال، وحولت المستطيل الأخضر إلى فضاء للمقاومة والرسالة السياسية في زمن الثورة الجزائرية.
الكتاب الصادر حديثًا عن “دار موزاييك بوك للنشر والترجمة”، يعود بالقارئ إلى التفاصيل الدقيقة لمغامرة استثنائية خاضها 32 لاعبا جزائريا اختاروا الهروب من أندية أوروبية مرموقة، والتخلي عن مستقبل رياضي ومادي واعد، من أجل خدمة القضية الوطنية..
ويكشف جمال محمدي، في تصريح لـ«الشعب”، أن العمل استند إلى منهجية وصفية تاريخية سردية دقيقة، جمعت بين الشهادات الحية للاعبين، وملفات الاستعلامات الخاصة بجبهة التحرير الوطني، إلى جانب ما كُتب لاحقا في الصحافة والكتب، وأرشيفات الأندية الأوروبية. ويؤكد أن توحيد هذه المصادر المتنوعة شكّل تحديا حقيقيا، بسبب اختلاف الروايات أحيانا وتضارب بعض التفاصيل الجزئية، ما استدعى المقارنة الدقيقة بين المعطيات، والاعتماد على التكرار في الشهادات كمؤشر على صحة المعلومة، ثم إدماجها في سياق كرونولوجي واضح يضمن الدقة والمصداقية.
ولا يخفي الكاتب أن الصحافة الفرنسية والأجنبية تناولت تجربة الفريق في بعض الأحيان بقراءات منقوصة أو منحازة، ما فرض عليه العودة إلى المراجع الأصلية والتحقق الصارم من كل معلومة، قصد تقديم سردية متوازنة تعيد الاعتبار للدور النضالي الحقيقي للفريق، بعيدا عن التهوين أو التشويه.
ويحتل البعد الإنساني مساحة مركزية في هذا العمل، إذ يحرص محمدي على تقديم لاعبي فريق جبهة التحرير الوطني كمناضلين قبل أن يكونوا رياضيين، ويوضح:
«الإحساس العميق بالواجب الوطني، هو ما حرك اللاعبين، تماما مثلما قال رشيد مخلوفي، حين أكد أن الفخر المعنوي الذي عاشه مع الفريق يفوق أي لقب أو مقابل مادي”.
وتكشف قصص عبد الحميد زوبا وعبد الكريم كروم حجم التضحيات التي قُدمت.. فالأول فرّ من الجزائر رغم وضعه الاجتماعي الصعب كمعيل وحيد لعائلته، بينما غامر الثاني بمستقبله المهني ومبلغ توقيع مالي كبير، وهرب رفقة زوجته الفرنسية وطفله الرضيع، مخفيا النقود داخل ثياب الرضيع لتفادي لفت الانتباه عند الحدود. كما يسلّط الكتاب الضوء على معاناة زوجات اللاعبين، بعضهن تعرضن لعقوبات قاسية، بالشطب من الدفاتر العائلية إلى السجن والمضايقات، فقط لأنهن اخترن الوقوف إلى جانب أزواجهن في هذه المهمة الوطنية.
ومن خلال الرسائل التي كان اللاعبون يبعثون بها إلى عائلاتهم، مثل رسالة سعيد حداد من رومانيا، يعيد الكاتب رسم المشهد النفسي والاجتماعي لهذه التجربة، مبرزا كيف ظلّ الارتباط بالأسرة حاضرا رغم السفر المتواصل والضغط النضالي، وهو ما يمنح الملحمة بعدها الإنساني العميق.
يحمل عنوان الكتاب دلالة رمزية مزدوجة، إذ لا يشير فقط إلى الهدف الرياضي، بل إلى الهدف الوطني الأسمى: خدمة الثورة الجزائرية، رفع الوعي الدولي بالقضية، وإثبات أن الرياضة كانت سلاحا دبلوماسيا فعّالا وموازيا للعمل السياسي والعسكري، يقول المتحدث.
وفي رسالته إلى الجيل الجديد، يؤكد جمال محمدي أن إعادة إحياء هذه الملحمة اليوم ضرورة تاريخية، لتذكير الشباب بأن الرياضة ليست مجرد لعب أو ألقاب، بل يمكن أن تكون فعل التزام وتضحية.







