ثم: لمـــاذا الأســـرى الفلسطينيون في خطر وجــــودي؟
في زمنٍ اختلطت فيه الحقائق بالتحيز، وتحولت فيه الجرائم الموثقة إلى أخبار عابرة، جاءت حملة الأشرطة الحمراء كفعل إنساني وأخلاقي يرفض الصمت، ويكسر العزلة المفروضة على الأسرى الفلسطينيين. ليست الأشرطة الحمراء رمزًا بصريًا فقط، بل نداء عالمي يقول بوضوح: هناك بشر خلف القضبان، هناك جريمة مستمرة، وهناك عالم يختار ـ حتى الآن ـ أن يشيح بوجهه.
أهمية هذه الحملة لا تكمن في رمزيتها وحدها، بل في قدرتها على تدويل قضية الأسرى، وانتزاعها من محاولات الطمس والتهميش، وتحويلها إلى قضية رأي عام عالمي. فحين يشارك الآلاف في رفع الشريط الأحمر، وتفعيل الوسوم، ونشر قصص الأسرى، فإنهم يفرضون على الإعلام والمؤسسات والحكومات مواجهة الحقيقة: الصمت لم يعد خيارًا أخلاقيًا.
لكن لماذا هذه الحملات ضرورية؟
لأن ما يجري في سجون الاحتلال يتجاوز كل الخطوط الحمراء الإنسانية.
الأسرى الفلسطينيون يعيشون اليوم واحدة من أخطر المراحل في تاريخ الحركة الأسيرة. فمنذ لحظة الاعتقال، يتعرض الإنسان الفلسطيني لسلسلة ممنهجة من الانتهاكات: اقتحام البيوت، ترويع العائلات، الاعتقال الليلي، التعصيب والتكبيل، ثم تحقيقات قاسية تعتمد التعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من النوم، والعزل الانفرادي، والتهديد بالأهل والمستقبل. هذه ليست ممارسات فردية، بل سياسة رسمية تهدف إلى كسر الإنسان قبل محاكمته.
وتزداد فداحة الجريمة حين نعلم أن في السجون أسيرات فلسطينيات، بينهن أمهات انتُزعن من أطفالهن قسرًا، يُحرمن من حق الأمومة، ويُعاملن بإذلال وتفتيش مهين، في انتهاك صارخ لكل المواثيق التي تحمي النساء، خاصة في أوقات النزاع. كما يقبع خلف القضبان أطفال، بعضهم دون سن العاشرة، يُسلبون طفولتهم ويُعاملون كخطر أمني، إلى جانب أسرى كبار في السن تُترك أجسادهم للمرض والوهن دون رعاية.
ويقبع آلاف الفلسطينيين في السجون تحت مسمى الاعتقال الإداري، حيث يُحتجز الإنسان لسنوات دون محاكمة أو تهمة واضحة، بملفات سرية، في جريمة قانونية تُفرغ مفهوم العدالة من معناه، وتحول السجن إلى أداة قمع سياسي.
أما الإهمال الطبي المتعمد، فقد أصبح سياسة قتل بطيء: أمراض مزمنة بلا علاج، تأجيل متعمد للفحوصات والعمليات، منع للأدوية، وسوء تغذية وتجويع ممنهج. يُضاف إلى ذلك التعذيب، والعزل، والحرمان من الزيارة، والتعليم، والكتب، والتواصل مع العالم الخارجي. إنها محاولة لكسر الجسد والروح معًا.
أمام كل هذا، يصبح السؤال الحقيقي:
أين العالم؟
إن استمرار الصمت الدولي، رغم وضوح الجرائم وتوثيقها، يجعل من هذا الصمت شراكة في الانتهاك. فحين لا يتحرك المجتمع الدولي، ولا تُفعل أدوات المحاسبة، ولا يُمارس الضغط الحقيقي، فإن الرسالة التي تصل إلى السجان واضحة: استمر.
من هنا، تبرز الحملات الدولية الشعبية ـ وعلى رأسها حملة الأشرطة الحمراء ـ كضرورة لا خيار. هي الحد الأدنى من الفعل الإنساني، وأداة ضغط أخلاقي، ووسيلة لكسر العزلة، وإعادة الأسرى إلى قلب الوعي العالمي. فكل منشور، وكل صورة، وكل شريط أحمر، هو خطوة في معركة كسر الصمت.
قضية الأسرى الفلسطينيين ليست شأنًا فلسطينيًا فقط، بل امتحان أخلاقي للإنسانية جمعاء.
إما أن ينتصر العالم لقيم الحرية والعدالة،
أو يواصل السقوط في مستنقع الصمت والتواطؤ.
الأسرى لا يطلبون شفقة،
بل موقفًا.
ولا ينتظرون كلمات،
بل حملات لا تتوقف.. وضغطًا لا يصمت







