لم تكن الخيمة يومًا وطنًا، لكنها صارت عنوانًا مؤقتًا لقلوبٍ رفضت أن تموت. دخلناها ونحن نحمل بقايا بيوتٍ في الذاكرة، وأصوات نوافذ ما زالت تُغلق في أحلامنا، ورائحة قهوة لم تعد تغلي في مطابخنا. دخلناها لا لأننا اخترناها، بل لأن الحياة ضاقت حتى صارت قماشًا مشدودًا على أعمدة.
قبل الحرب، كانت غزة تمشي على قدميها بثقة. كانت الشوارع تعرف أسماء أصحابها، وكانت الأبواب تُفتح بلا خوف، وكانت الضحكة عملةً يومية لا تحتاج إلى إذن. كنا نختلف، نحب، نخطئ، نحلم.. كأي شعبٍ عاديٍّ يستحق أن يعيش بلا شرح.
ثم جاءت الحرب، لا لتكسر الحجر فقط، بل لتختبر المعنى. فجأةً صار البيت ذكرى، وصار الجدار سؤالًا، وصار السرير مكانًا غائبًا نحمله في الذاكرة. صرنا نبحث عن أشيائنا في الركام كما نبحث عن أنفسنا. وكلّما وجدنا قطعة، فقدنا يقينًا .
في الخيمة، لا شيء كامل سوى الوجع. لكن العجيب أن الوجع هناك لا يقتل، بل يعلّم. يعلّمك كيف تُقسّم الخبز بعدل، كيف تُخبّئ دمعتك كي لا تخيف طفلاً، كيف تقول : “الحمد لله” وأنت لا تملك إلا صوتك. في الخيمة، يصبح الإنسان أوضح، وأصدق، وأقرب إلى جوهره .
غزة بعد الحرب ليست مدينة، بل ذاكرة تمشي. ليست مكانًا، بل فكرة ترفض الانكسار. هي أمٌّ فقدت أبناءها لكنها ما زالت تفتح النافذة كل صباح. هي طفلٌ يرسم بيتًا من دون سقف، لأنه يريد أن يرى السماء دائمًا. هي شابٌّ يحمل حقيبته الفارغة، ويملؤها بالصبر.
نحن لم نعد كما كنّا، وهذا ليس ضعفًا. التغيّر هنا ليس خسارة، بل شهادة. نحن جيل تعلّم أن الحياة لا تُقاس بما نملك، بل بما ننجو به. تعلّم أن الوطن ليس جدارًا، بل انتماء. وأن الخيمة، مهما ضاقت، لا تستطيع أن تضيق على قلبٍ قرر أن يبقى حيًّا .
غزة اليوم لا تطلب الشفقة، بل الفهم. لا تصرخ، بل تكتب نفسها بالدمع والصمت. لا تنهار، بل تعيد ترتيب وجعها لتصنع منه طريقًا. وغدًا، حين تعود البيوت، سنعرف أن الخيمة لم تكن نهاية الحكاية، بل الصفحة التي علّمتنا كيف نكتب الحياة من جديد.







