حدّثتني نفسي من مَعين الذكريات، ما فاضت به حكمة الأمهات – وقد أجهدها السعي، وأضناها المضيّ بعد الوعي – حديثَ المكدود إذا ضاق، والصبور إذا استفاق، فذكرتُ أمّا قالت حكمة فألزمَت، وشبّهت بصورةٍ فأبهَرَت، ووعظتْ قلبا فأيقظَت.
كانت تقول لي، وقد رأت الفتور يطرق بابي، والضجر يستظلّ بأعتابي: يا بنيتي، لا تطلبي حصادا بيدٍ لم تتّسخ بالتراب، ولا تنتظري ماء من سماءٍ بلا سحاب؛ فالأرض تُجالَد وتُعانَق.
ومن غاصت كفُّه في الطين، وخالط جبينَه عرقُ اليقين، غُسلت يداه يوم الجزاء، وسُقِي قلبه ماء الرخاء.
قالت قولها بنفسٍ أبيّة، وغادرت دنياها راضية مرضية، فانكشف لي المعنى، واستقام لي المبنى، فعلمتُ أنّ التعب بالتوكّل يخضَرّ، وبالتواكل يصفَرّ، وأنّ الفرج مفتاحه الصّبر، وأنّ الكدح باب الظّفر؛ فكلّما أثقلتني الدراسة بثقلها، وأضناني العمل بكدحه، واستنفدتني المسؤولية بندائها، هممتُ أنْ أضعفَ فقويت، وأنْ أنكسرَ فاشتدّ ظهري واستقمت، ومضيتُ أزرع أيّامي سهرا، وأحصد آمالي قدرا، وأوقن أنّ العُلا لا تُنال بنعومة الكفّ، ولا تُدرك براحة الطّرف، وأنّ الكفاح في سبيل المجد طهارة، وكلّ تعبٍ صادق مآله حصاد وعمارة.
فاللّهمّ ارحم أمّا غرست فأنبتت، وسهرت فربّت، وتعبت فأثمرت، اللهمّ اجعل قبرها نورا، وذكرها سرورا، وحسابها يسيرا، ومقامها جنّة وحبورا، واجعل كلّ ما علّمتني شفيعا لها، وما دعوتُ به واصلا إليها، واجمعني بها في دار كرامتك جمعا محمودا، لا بعده نَصَب، ولا بعده فقد، ولا بعده انقطاع. اللهمّ آمين يا ربّ العالمين.







