في انتهاكٍ متواصل لحرية الصحافة وحق الوصول إلى المعلومة، يواصل الاحتلال الصهيوني سياسة استهداف الصحفيين الفلسطينيين عبر القتل والاعتقال والملاحقة، في محاولةٍ ممنهجة لإسكات الصوت الذي ينقل الحقيقة ويوثّق الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، ولا سيما منذ بدء العدوان الأخير على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023.
وقد سجّلت مؤسّسات حقوقية وإعلامية تصعيدا غير مسبوق في استهداف الصحفيين الفلسطينيين، حيث تُظهر معطيات موثّقة أن 260 صحفيا استشهدوا منذ حرب الإبادة على قطاع غزة في واحدة من أعلى نسب استهداف الإعلاميين في التاريخ الحديث، في مؤشّر خطير على تحوّل العمل الصحفي إلى هدف مباشر للآلة العسكرية الصهيونية، وكان آخرهم ثلاثة صحفيين محمد صلاح قشطة، وعبد الرؤوف شعت، وأنس غنيم، الذين تمّ اغتيالهم جراء قصف صهيوني استهدف مركبتهم أثناء قيامهم بمهمة تصوير ميدانية في منطقة نتساريم جنوبي مدينة غزة، لصالح اللجنة المصرية لإغاثة غزة.
وإلى جانب القتل الميداني، تؤكّد جهات مختصة أن عدد الصحفيين الذين تعرّضوا للاعتقال منذ اندلاع الحرب ارتفع بشكل غير مسبوق، في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى كبح التغطية الإعلامية الميدانية ومنع نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، فتعرّض نحو 220 صحفيا للاعتقال خلال الحرب، غالبيتهم دون لوائح اتهام واضحة، فيما تعرّض عدد كبير منهم للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الضمانات القانونية الأساسية.
وتُظهر الشّهادات أنّ الصحفيين داخل منظومة الاعتقال خضعوا لنمط خاص من التحقيق ركّز على عملهم الإعلامي ومضامينه، في دلالة واضحة على تحوّل الصّحافة نفسها إلى سبب مباشر للاحتجاز.
وفي السياق ذاته، أُصيب أكثر من 420 صحفيا بجراح متفاوتة نتيجة القصف والاستهداف المباشر، ما يعكس اتّساع دائرة الاعتداء لتشمل القتل والإصابة والاعتقال بوصفها أدوات متكاملة لإسكات العمل الإعلامي الفلسطيني.
وتشير معطيات صادرة عن مؤسسات حقوقية ونقابات صحفية إلى أن سجون الاحتلال تضم حاليا 40 صحفيا وصحافية، بعضهم معتقل منذ شهور طويلة دون توجيه أي تهمة رسمية، فيما يُحتجز آخرون بموجب ما يُعرف بـ “الاعتقال الإداري”، وهو إجراء يسمح بسجن الصحفي لفترات قابلة للتجديد دون محاكمة أو لائحة اتهام.
كما لا يزال صحفيان رهن الإخفاء القسري دون معرفة مصيرهما حتى اليوم، وهما نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد من قطاع غزة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الصحفيين.
استهداف مباشر لدور الصّحافة
تؤكّد نقابات صحفية ومؤسّسات حقوقية، أنّ استهداف الصحفيين لا ينفصل عن سياسة أوسع يسعى الاحتلال من خلالها إلى طمس الحقيقة ومنع توثيق الجرائم، خاصة في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بالتقارير الميدانية القادمة من فلسطين.
ويشير مختصّون إلى أن مداهمة منازل الصحفيين، واعتقالهم أمام عائلاتهم، ومصادرة معدّاتهم، تشكّل رسائل ترهيب واضحة لكل من يحاول ممارسة العمل الصحفي بحرية.
الاعتقال الإداري..أداة لقمع الصّحافة
يمثّل الاعتقال الإداري أحد أخطر أدوات القمع التي يستخدمها الاحتلال بحق الصحفيين، إذ يُحتجز الصحفي بناء على “ملف سري” لا يُسمح له أو لمحاميه بالاطلاع عليه، في انتهاك صارخ لمبادئ العدالة وضمانات المحاكمة العادلة التي يكفلها القانون الدولي.
ويرى حقوقيّون أنّ اللّجوء المكثّف إلى هذا الإجراء بحق الصحفيين يندرج ضمن محاولة تجريم العمل الصحفي بحد ذاته، وخلط التغطية الإعلامية بمزاعم “التحريض” أو “تهديد الأمن”.
إلى جانب الاعتقال التّعسفي، تكشف شهادات صحفيين محررين وتقارير حقوقية عن ظروف اعتقال بالغة القسوة، وانتهاكات جسيمة تُرتكب بحقهم، حيث الضرب والإهانة أثناء الاعتقال والتحقيق، والحرمان من الرعاية الطبية والتجويع أسوة ببقية الأسرى في سجون الاحتلال، إضافة إلى العزل الانفرادي لفترات طويلة والحرمان من مقابلة الطواقم القانونية.
وقد وثّقت مؤسسة العهد الدولية، تعرُّض بعض الصحفيين لتعذيب جسدي ونفسي صادمٌ وعنيف، كشهادة الأسير الصحفي المفرج عنه أمين خالد سليمان بركة من قطاع غزة .
يقول الصحفي بركة عن تجربة اعتقاله المريرة : تمّ نقلي إلى معتقل سدي تيمان، وهو من أسوأ المعتقلات التي مررتُ بها خلال فترة اعتقالي التي امتدت 388 يوما، مكثت في هذا المعتقل 14 يوما، وكانت من أصعب وأقسى المراحل التي عشتها، إذ يمكن وصفه دون مبالغة بأنه جحيم حقيقي.
منذ اللحظة الأولى لدخول المعتقل، كان الضرب متعمّدا وممنهجا، بهدف خلق حالة من الرعب، كان الجنود يضربون بالهراوات على الأسلاك الحديدية (الزينغو) لإصدار أصوات مرعبة، ترافق ذلك مع استخدام الكلاب البوليسية، أحد هذه الكلاب أمسك بقدميّ، فيما وُجّه كلب آخر إلى منطقة ظهري، حيث مزّق ملابسي وأحدث جروحا واضحة، وذلك بتوجيه مباشر من أحد الجنود، كانت الكلاب مدرّبة بشكل وحشي، ومنظرها بحد ذاته مرعب.
ويُضيف بركة: أُدخلت إلى المعتقل وأنا مقيّد اليدين إلى الخلف، ومقيّد القدمين، مع وضع لثام يغطّي وجهي من الأنف حتى أعلى الجبهة، ما جعل الرؤية شبه معدومة، ودخلت المعتقل مساء يوم السبت، علما أن اعتقالي بدأ يوم الخميس الساعة التاسعة صباحا، وخلال ثلاثة أيام متواصلة (الخميس والجمعة والسبت) لم أتناول أي طعام يُذكر، باستثناء رشفة ماء واحدة حصلت عليها أثناء فحص طبي شكلي.
عند دخولي، سلّموني فرشة رفيعة جدا لا يتجاوز سُمكها سنتيمترا واحدا، وبطانية واحدة بالية، لا تكفي حتى في فصل الصيف، فكيف بظروف الشتاء القاسية، في البداية، ظننت أنّ تسليمي الفرشة والبطانية يعني السماح لنا بالراحة، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما.
تمّ تصنيفنا في صفوف طويلة، يضم كل صف نحو 20 أسيرا، وبين الصف والآخر مسافة لا تتجاوز 10 سنتيمترات، بحيث لا يوجد أي حيّز للحركة أو النوم، وكان الأسير المجاور يضع قدمه فوق رأس الأسير الآخر بسبب شدة الاكتظاظ.
أُمرنا بالجلوس في وضعية القرفصاء منذ لحظة الدخول، المكان الذي احتُجزنا فيه يُعرف بـ “المردوان”، وهو عبارة عن ساحة مغلقة مساحتها التقريبية 20 مترا × 10 أمتار، محاطة بالكامل بالأسلاك الشائكة من جميع الجهات، وخلف هذه الأسلاك كان يقف جنود مدججون بالسلاح، يحملون الهراوات ويرتدون اللثام، يفصل بيننا وبينهم فقط السياج الشائك.
في اليوم الأول، كنا 46 أسيرا داخل هذه الساحة، وفي اليوم التالي جرى إدخال دفعات جديدة من الأسرى حتى وصل العدد إلى نحو 150 أسيرا، أُجبرنا جميعا على الجلوس في أوضاع جسدية مؤلمة ومهينة لساعات طويلة، وكان الضرب والقمع يتمّان بصورة متعمدة ومستمرة، دون أي سبب، في إطار سياسة إذلال وكسر ممنهجة.
يؤكّد الصحفي بركة أنّ أساليب التعذيب المعتمدة في معتقل سدي تيمان تُعتبر الأشد قسوة، وترتكز على ثلاثة أنماط رئيسية من التعذيب الممنهج: التعذيب الجسدي، والتعذيب النفسي، وسياسة التجويع المتعمّد.
التعذيب الجسدي ويشمل الضرب المتكرر والعنيف، واستخدام القيود الحديدية لفترات طويلة، إلى جانب الإبقاء على الأسرى مقيدين اليدين والقدمين مع تعصيب العيون بشكل دائم.
أما التعذيب النفسي، فيشير الصحفي بركه أنه يتم من خلال توجيه الإهانات المتواصلة، والتهديد، وبث أخبار كاذبة عن العائلة أو عن تطورات الحرب، إضافة إلى الإذلال المتعمد وكسر الكرامة الإنسانية.
وفيما يتعلق بسياسة التجويع المتعمّد فهي من أقسى أساليب التعذيب التي مورست داخل المعتقل، فكان الطعام المقدم للأسرى يوميا، رغم تقسيمه شكليا إلى ثلاث وجبات، لا يكفي طفلا صغيرا يتجاوز عمره ست سنوات في وجبة واحدة.
خلال 14 يوما متواصلة، اقتصر الطعام في الفطور والغداء والعشاء على صنف واحد فقط: مربى، حيث كان يُعطى كل أسير ملعقة صغيرة جدا من المربى، وبالنظر إلى أن عدد الأسرى في “المردوان” بلغ نحو 150 أسيرا، فإنّ كمية المربى المقدّمة لم تكن تتجاوز كيلوغراما واحدا يوميا، تُوضع داخل أكياس قمامة سوداء وتُدخل إلينا مع ملاعق بلاستيكية.
إلى جانب ذلك، كان يُعطى كل أسير قطعتين صغيرتين جدا من خبز رديء النوعية يُعرف باسم “الليخم”، وفي كثير من الأحيان، كان الخبز يصل فاسدا وتظهر عليه علامات العفن، كما كانت تدخل أحيانا ثمار بندورة فاسدة، وعندما يرفض الأسرى تناولها، كان الجنود يهدّدونهم بالقمع والضرب إذا لم يتم تناول الطعام قسرا.
نتيجة هذه السياسة، تعرّض عدد كبير من الأسرى إلى حالات إغماء متكرّرة، وفقدان التركيز، واضطرابات جسدية واضحة. حتى الماء كان يُقدَّم بحدٍّ أدنى؛ إذ لم يُسمح لنا بالشرب إلا مرة واحدة يوميا، وذلك أثناء الدخول إلى الحمام، لمدة دقيقة واحدة فقط، كان الحمام يُستخدم في الوقت ذاته لقضاء الحاجة والشرب، وتحت رقابة مشدّدة، وإذا تجاوز الأسير الدقيقة المحدّدة، كان الجندي يسحبه بعنف من بين الأسلاك الشائكة، ويقوم بضربه بالهراوات أو بالكماشات الحديدية، مستهدفا مناطق حسّاسة أو الضرب فوق القيود لإحداث ألم مضاعف.
يتحدّث الصحفي بركة عن فترة الاحتجاز في معسكر سديه تيمان، والتي امتدت 14 يوما، حيث بقي الأسرى مقيّدي الأيدي والأرجل، ومعصوبي الأعين على مدار 24 ساعة، دون فك الأغلال أو رفع العصبة في أي وقت.
وفي إطار التعذيب النفسي المركّب، كان الأسرى الذين يُنقلون إلى التحقيق يعانون من حالة إنهاك شديد وعدم قدرة على التركيز، وقد استغلّ المحقّقون هذه الحالة، حيث كانوا يضعون أمام الأسير أصنافا من الطعام مثل المكسرات، والفواكه المجففة، والقهوة، دون السماح له بتناولها، في محاولة لإغرائه بالتعاون، وقد أفاد أسرى آخرون بأن المحقّقين كانوا يحضّرون وجبات شاورما ويضعونها أمام الأسير، ويعدونه بالطعام مقابل الإدلاء بمعلومات، حتى لو كانت كاذبة، في محاولة لانتزاع أي إفادة تحت ضغط الجوع.
كما تعمّد السجانون إقامة حفلات شواء أمام الأسرى، حيث كانوا يجلبون اللحوم والفواكه والحلويات، ويتناولونها على مرأى ومسمع من الأسرى، فيما تنتشر روائح الطعام والدخان داخل الأقسام. كان هذا السلوك مقصودا ومدروسا بهدف إحداث انهيار نفسي جماعي.
أمّا عن سياسة التحرّش داخل معتقل سدي تيمان، فيُؤكّد بركه أنّها سياسة ممنهجة ومدروسة، وقد اعتمدها السجّانون كأداة إذلال وكسر نفسي، وانقسمت إلى نوعين رئيسيين: التحرّش اللفظي والتحرّش الجسدي.
التّحرش اللفظي وتمثّل في توجيه ألفاظ نابية وبذيئة بشكل يومي وممنهج للأسرى، فلم يكن يمرّ يوم واحد داخل المعتقل دون التعرّض لهذا النوع من الإهانات من قبل السجّانين، في محاولة مستمرة لتحطيم الكرامة الإنسانية وبث الشعور بالمهانة والدونية.
أما التحرش الجسدي وهو الأخطر والأكثر قسوة، حيث مارسه السجّانون بعدة أشكال.
وقد تحدّث الصّحفي بركة أنّه سمع هذه الروايات مباشرة من أسرى بعد خروجهم من التحقيق، كما شهد بنفسه على حالات أُعيد فيها أسرى إلى
«المردوان” وهم في حالة انهيار تام، وكانت الدماء تسيل من المناطق الحساسة في مشهدٍ صادمٍ وقاسي، ولم يكن بوسع ا,لأسرى فعل أي شيء لمساعدتهم؛ فلا أدوات طبية، ولا قدرة على العلاج أو حتى التخفيف من الألم، سوى العجز التام أمام ما يجري.
واختتم الصحفي بركه حديثه لمؤسسة العهد الدولية، أن هذه الانتهاكات تكرّرت خلال جميع عمليات التنقّل، سواء داخل المعتقل أو أثناء النقل بين السجون، وكانت تتولّى هذه العمليات وحدة خاصة، حيث كان الأسرى يُجبرون على السير في وضعيات مهينة، مثل الركوع أو السجود، وهم مقيّدو الأيدي والأرجل، وخلال ذلك، كان السجّانون يتعمّدون استخدام الهراوات أو أعقاب البنادق للضغط على المناطق الحساسة، حتى أثناء نقل الأسرى إلى المحكمة، كان يُجبر الأسير على وضعية السجود، ويتعرّض خلالها لنفس الممارسات المهينة والمؤلمة، وقد تكرّرت هذه الانتهاكات بشكل واسع، ما يؤكد أنها جزء من سياسة ثابتة ومدروسة وليست حوادث استثنائية.
اصحي يا مجاهد
في غرفة المستشفى، تجلس عائلة الصحفي المفرج عنه مجاهد بني مفلح على حافة الأمل، تهمس باسمه، وتنتظر أن يفتح عينيه، أن يعود صوته، أن ينجو من معركة لم يخترها.
الصحفي بني مفلح كان قد تعرّض للاعتقال بطريقة همجية من بيته وأمام أطفاله في الثامن من تموز 2025، ثمّ حُوّل مباشرة إلى الاعتقال الاداري تعرّض خلالها للضرب والتنكيل والاهمال الطبي، إضافة إلى التجويع المتعمّد، ولم يكد يمضِ سوى يومين على تحرّره من سجون الاحتلال بعد اعتقالٍ دام 7 شهور، حتى عاد جسده إلى الأسر مرة أخرى، لكن هذه المرة داخل غرفة عناية مركزة، وهو في غيبوبة تامة، موصولا بأجهزة طبية، في مشهد صادم يلخّص الثمن الباهظ الذي يدفعه الصحفي الفلسطيني حتى بعد خروجه من المعتقل.
خرج الصحفي بني مفلح من السجن محمولا على أمل الحرية ودفء العائلة، إلا أن الاحتلال سلّمه الإفراج مثقلا بآثار التعذيب والإهمال الطبي، لتتدهور حالته الصحية بسرعة، ويُنقل إلى المستشفى بعد أيام قليلة فقط من الإفراج عنه.
وبحسب عائلته، لم يكن مجاهد على ما يرام منذ لحظة الإفراج عنه، بدت عليه علامات الإرهاق الشديد والضعف العام، وفقد الكثير من وزنه، ثم ما لبث أن تدهور وضعه الصحي سريعا قبل أن يسقط مغشيا عليه، ويُنقل إلى المستشفى ويدخل في غيبوبة بسبب نزيف دماغي حاد، وتؤكّد العائلة أن سياسة التجويع الممنهجة التي تُمارس بحق الأسرى كانت سببا مباشرا في تفاقم الحالة الصحية للأسير مجاهد، الذي كان يعاني مسبقا من مرضَي الضغط والسكري، وتُضيف العائلة أنّ إدارة مصلحة السجون لجأت إلى إعطائه أدوية غير مناسبة لوضعه الصحي، الأمر الذي أدى إلى انفجار شريان في الدماغ ودخوله في غيبوبة، وذلك وفقا لمصادر طبية تتابع حالته.
لم يكن مجاهد مجرد معتقل، بل صحفي مارس مهنته في نقل الحقيقة، فحوّل الاحتلال الكلمة إلى تهمة، والصحافة إلى جريمة. واليوم، يرقد جسده بصمت، بينما تبقى الأسئلة بلا إجابة:
كيف خرج من السّجن بهذه الحالة؟
وأين كانت الرّعاية الطبية التي يفرضها القانون الدولي؟
ومن يحاسب على ما يتعرّض له الأسرى داخل الزنازين؟
سامر خويرة..حريّة لا تشبه الحريّة
ولا تختلف صورة الصحفي سامر خويرة كثيرا عن مجاهد، فرغم الإفراج عنه من سجون الاحتلال، إلا أن آثار الاعتقال بدت واضحة على جسده ونفسيته، في دليل إضافي على أن الحرية التي يمنحها الاحتلال للأسرى ليست سوى انتقال من زنزانة ضيقة إلى معركة مفتوحة مع الألم والمرض والصدمة، وتجربة الصحفي سامر تعكس واقعا متكررا لصحفيين خرجوا من السجن، لكنهم لم يخرجوا من تبعاته.
فيصف الصّحفي المفرج عنه سامر خويرة وصف واقع الأسرى بكلمات موجعة، مؤكّدا أنّ من لم يعش تجربة الاعتقال بعد السابع من أكتوبر فهو لا يعرف معنى الاعتقال، وأنه لا يمكن تخيّل حجم الضرب والإهانة والجوع الذي يتعرض له الأسرى داخل السجون، ويضيف خويرة أنّ الأسرى
«أمواتٌ ومنسيون”، وأنّ الزمن داخل السجن فقد معناه أمام شدة القمع، حيث يتعرض المعتقلون للضرب المستمر، والإذلال، والحرمان من الطعام، في مشهد وصفه بـ “الجنون اليومي”.
في السّياق ذاته، نقلت زوجة الصحفي الأسير عبدالله شتّات، المعتقل في سجن نفحة الصحراوي للعام الثالث على التوالي، صورة قاسية عن الأوضاع داخل السجن، مؤكّدة أن جميع الأسرى يعانون من البرد القارس، في ظل حرمانهم من الملابس الشتوية الكافية، حيث يُسمح لهم بلباس واحد خفيف وبطانية واحدة فقط، دون أغطية شتوية.
وأضافت أنّ الطعام سيء للغاية ويزداد سوءا، في حين تُفرض قيود مشددة على أبسط حقوق الحياة اليومية؛ إذ لا يُسمح للأسرى بالاستحمام أو الخروج إلى الفورة إلا مرة واحدة أسبوعيا، ولا تتوفر أدوات النظافة الشخصية، ما يدفع الأسرى إلى قصّ أظافرهم باستخدام الجدران.
تشترك تجارب الصحفيين المعتقلين في سجون الاحتلال والمُفرج عنهم، في حقيقة واحدة: أن الاعتقال لا ينتهي بالإفراج، وأن السجن يترك آثاره العميقة في الجسد والذاكرة، ليواصل الأسر ملاحقتهما خارج القضبان.
إدانات ومطالبات دولية
على الصّعيد الدولي، أعربت منظّمات معنية بحرية الصحافة عن قلقها الشديد من تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين، مطالبة بالإفراج الفوري عنهم، وضمان حمايتهم وفق اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.
كما دعت هذه الجهات إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، معتبرة أن اعتقال الصحفيين يشكّل جريمة ضد حرية التعبير وحق الشعوب في المعرفة.
يعكس واقع الصحفيين الفلسطينيين في سجون الاحتلال صورة قاتمة لحال حرية الصحافة في الأراضي الفلسطينية، حيث تُقابل الكاميرا بالقيد، والكلمة بالزنزانة.
وفي ظل استمرار هذه الانتهاكات، تبقى المطالبة بحماية الصحفيين ومحاسبة المعتدين عليهم مسؤولية أخلاقية وقانونية تقع على عاتق المؤسسات الحقوقية ومنظمات المجتمع الدولي بأسره.







