يرى الكاتب المسرحي عبد الهادي دحدوح، أنّه لا يمكن مقاربة واقع المسرح الجزائري من زاوية الندرة، إذ إنّ كثرة العروض وتنوع التجارب باتا سمة واضحة في المشهد المسرحي خلال السنوات الأخيرة، غير أن هذه الحركية، على غناها وكثافتها، تظل مهدّدة بخطر أشد خفاء: النسيان.
سجّل دحدوح في تصريح لـ “الشعب”، أن العروض تتوالد، والنصوص تُكتب، والتجارب تتراكم، لكن جزءا كبيرا منها يمر عابرا، يعيش لحظته فوق الخشبة ثم يختفي دون أن يترك أثرا مادّيا يحفظه من التلاشي. وهكذا تتحول الوفرة ذاتها إلى مفارقة “إذ إن كثرة الإنتاج لا توازيها كثرة في التوثيق ولا في الحفظ”.
وأكّد محدّثنا أنّ الرقمنة تفرض نفسها، في الوقت الراهن، كضرورة ثقافية تُواكب هذا التراكم وتمنحه معنى الاستمرارية، فهي الوسيلة القادرة على نقل التجربة المسرحية من هشاشة الذاكرة الشفوية المتناثرة إلى أفق الأرشيف المنظّم، حيث لا يعود العرض حدثا عابرا، بل جزءا من مسار يمكن الرجوع إليه وقراءته وتحليله، وأضاف أنّ العرض الذي كان ينتهي بانطفاء آخر كشاف، يمكن اليوم أن يستمر عبر التسجيل والتوثيق، وتجميع الشهادات التي تكشف كواليس صناعته وخياراته الجمالية.
في هذا الصدد، يرى صاحب رواية “سفار” أنّ أهمية الرقمنة تكمن هنا في قدرتها على احتضان هذا الكم من العروض دون إقصاء أو انتقائية ضيّقة، بما يسمح برسم صورة أشمل لما يعرف بالريبرتوار المسرحي الجزائري، قديمه وحديثه. وقال “فبدل أن تبقى التجارب المتعاقبة مجرّد أسماء في الذاكرة أو أخبارا عابرة في الصحافة، تصبح مواد حية قابلة للعودة والمقارنة وإعادة القراءة. وهكذا تتحول كثرة العروض من عبء مهدد بالنسيان إلى ثروة ثقافية موثّقة”.
في السّياق، تطرّق صاحب رواية “مول الضاية” إلى أهمية توثيق هذا الزخم المسرحي، والذي في رأيه لا يتطلب آليات معقّدة بقدر ما يحتاج إلى رؤية مؤسّساتية واضحة. يبدأ ذلك بتسجيل العروض وفق معايير تحترم طبيعة الفعل المسرحي، ثم إنشاء أرشيف رقمي يُنظَّم حسب الفترات، والفرق، والاتجاهات الجمالية، ويُرفق بمواد موازية من نصوص، وصور، وملصقات، وشهادات. بهذا الشّكل، لا تُختزل التجربة المسرحية في تسجيل جامد، بل تُحاط بسياقها الكامل، فالرّقمنة في سياق المسرح – يقول المتحدث – لا ينبغي أن تُختزل في مجرد تسجيل تقني للعروض أو تحويلها إلى مواد أرشيفية جامدة. فجوهر الفعل المسرحي قائم على الحيوية والتفاعل، وهو ما يفرض التفكير في صيغ رقمية إبداعية ترافق العرض.
ويمكن للرّقمنة “أن تعيد تقديم العمل المسرحي في أشكال جديدة: مقاطع مختارة تكشف لحظات الأداء القصوى، مواد بصرية ترافق النص وتضيء خياراته الجمالية، أو مسارات تفاعلية تسمح للمتلقي باكتشاف العرض من زوايا متعددة، بهذا المعنى، لا تكون الرقمنة بديلا عن العرض الحي، بل امتدادا إبداعيا له”، يؤكّد دحدوح، ليختتم بالقول إنّ تقديم العمل المسرحي رقميا بطريقة خلاّقة يُحرّر التوثيق من الجمود، ويمنحه قدرة على التواصل مع المتلقي المعاصر دون التفريط في روح الخشبة، وهكذا تتحوّل الرقمنة من فعل جامد إلى ممارسة إبداعية حية تضمن التألق الدائم له.





