بعد الثانية عشرة ليلا، حين تنام المدينة وتختفي ضوضاؤها خلف ستار الليل الثقيل، ومع لسعات برد الشتاء التي تتسلل بين الشقوق وتخترق الجدران، يظلّ داخل الزنازين نور خافت لا يراه أحد. هناك، خلف القضبان الحديدية، يعيش الأسرى حياة لا تشبه أي حياة، حيث الجدران صامتة لكنها تحكي آلاف الحكايات، وحيث الوقت يسير ببطء قاتل، كل ثانية تمر وكأنها قرن من العذاب.
الهواء داخل الزنزانة ثقيلا، مشبّعا برائحة الرطوبة والظلام، والبرد يعض الأجساد أحيانا، في حين يلتف الأمل حول القلوب كغطاء رقيق يحاول مقاومة القسوة. كل الأسرى هنا يحملون في أعينهم حكاية طويلة من الحرمان، كل منهم يمتلك ساعة توقيت مختلفة للحزن والاشتياق، وذكرياتهم مُقيدة بالقيود، لكن عزيمتهم حرّة لا تقهر.
في هذه الزنازين، تُسحب الأعمار من التقويم، ويُسرق الشباب من الأيام، وتغيب الوجوه الحنونة عن الأحبة لسنوات، لكن رغم كل ذلك، يبقى صوت الأسرى متقدا في أعماقهم: هم يكتبون كلمات الصبر على جدران القلوب، ويزرعون الأمل في صمت الليل. هم الذين يلتقطون من لحظة ضوء خافت أو همسة من رنين باب بعيد، شعورا بالحرية، حتى لو كان مؤقتا، ليذكّرهم بأنهم لم يُمحوا بعد، وأن روح فلسطين حاضرة معهم في كل نبضة قلب، في كل كلمة سرّية، في كل حلمٍ يراودهم أثناء السهر الطويل.
هنا، بين الجوع والبرد، بين الألم والوحشة، يولد الإصرار، وتكبر القلوب، ويصبح الحلم بالحرية أكثر قوة من أي قيود حديدية. لأن الأسرى، رغم كل ما فقدوه، لم يفقدوا أبدا ما يجعلهم بشرا؛ لم يفقدوا إرادتهم، لم يفقدوا كرامتهم، ولم يتوقفوا عن الحلم بأن الفجر سيأتي، وأن الشمس التي تعانق فلسطين صباحا، ستعانقهم يوما، على أرضهم، على دروب حريتهم، في حضن وطنهم الذي لا يشبهه أي وطن.
في صمت الزنزانة، يُسمع صوت قلوبهم أكثر من الكلمات، أصوات مخنوقة من الحرمان، ولكنها قوية في عزيمتها، تصنع من الألم شعلة لا تنطفئ، ومن الانتظار قصيدة صمود تتردد في كل ركن من أركان الليل الطويل. كل خطوة خلف القضبان، كل همسة، كل صرخة مخفية، هي رسالة للعالم بأن هؤلاء البشر ما زالوا هنا، ما زالوا يناضلون، ما زالوا يزرعون الحرية في قلب الظلام.
وبعد الثانية عشرة ليلا، قلبي يعتصر على وجعكم، وأشعر بكل صرخة مكبوتة، بكل همسة اشتياق، بكل دمعةٍ لم تُسمع، وكل جرحٍ يتقاسم معكم صمت الزنازين. قلبي يرافق خطواتكم خلف القضبان، ويشعر بالبرد الذي يعض أجسادكم، والجوع الذي ينهش أرواحكم، والوحدة التي تحاصر كل نفسٍ فيكم.
وقلمي ينزف مع جرحكم، يكتب عن صبركم، عن عزيمتكم، عن كرامتكم التي لم تنكسر رغم كل القيود. يكتب عن الأمل الذي يرفرف بين أنقاض الألم، عن الحلم الذي يرفض الموت، عن صوت الحرية الذي يصرخ في داخلكم رغم الظلام، رغم الصمت، رغم كل من حاول أن يُسكتكم.
أخوتي خلف القضبان، أنتم في قلبي حاضرون كل لحظة، وعيني ترافقكم في كل زقاق من زنزاناتكم، وأحلامي تصطف مع أحلامكم، لتزرع الأمل في قلب الليل الطويل. سأظل أكتب عنكم، أنادي للعالم صمودكم، أنقل للعالم وجعكم وصبركم، لأنكم رمز القوة والصمود، لأنكم الأغنية التي لا تموت، والنبض الذي يرفض الانكسار، والحلم الذي سيعود يوما ليشرق فوق وطنكم الحر.
وبعد الثانية عشرة ليلا…قلبي يعتصر على وجعكم، وقلمي ينزف مع جرحكم، أخوتي خلف القضبان…
استودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع، استودعكم أرواحكم، أجسادكم، صبركم، وأعماركم.







